مقالاتمنوعات

من ثقافة العطاء المباشر إلى صناعة الإنسان المنتج والقادر على العمل

 

لا تعطِ الفقير سمكة… علّمه الصيد

من ثقافة العطاء المباشر إلى صناعة الإنسان المنتج والقادر على العمل

 

كتب: أشرف عبده

في كل شارع نمر به، وفي كل إشارة مرور، وفي بعض محطات القطارات ووسائل المواصلات، قد نرى يدًا تمتد طلبًا للمال، وطفلًا يحمل أخاه، أو امرأة مسنة، أو شابًا يبدو قادرًا على العمل، أو شخصًا من ذوي الهمم، أو أسرة دفعتها ظروف قاسية إلى البحث عن أي مصدر للدخل.

وفي الجهة الأخرى، نجد مواطنًا يمد يده بالمال بدافع الرحمة، وجمعية توزع مساعدات، ومؤسسة تقدم إعانات، وحملات تجمع التبرعات.

كل ذلك يحمل قدرًا كبيرًا من الرحمة والإنسانية، ولا يمكن إنكار أهمية المساعدة في أوقات الأزمات والاحتياج الحقيقي.

لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بشجاعة هو:

ماذا يحدث في اليوم التالي؟

وماذا بعد أن تنتهي الوجبة؟

وماذا بعد أن تنفق الأسرة المبلغ الذي حصلت عليه؟

وماذا بعد أن تنتهي كرتونة الطعام؟

وماذا بعد أن تنتهي الحملة؟

هل يعود الإنسان إلى الشارع مرة أخرى؟

إذا كانت الإجابة نعم، فنحن ربما نكون قد عالجنا احتياجًا مؤقتًا، لكننا لم نعالج المشكلة من جذورها.

وهنا تأتي الحكمة الشعبية البسيطة والعميقة:

«لا تعطِني سمكة كل يوم، بل علّمني كيف أصطاد السمك.»

هذه الجملة تختصر فلسفة كاملة في التنمية.

فالإنسان يحتاج إلى الطعام عندما يجوع، ولكنه يحتاج أيضًا إلى المهنة والمهارة والفرصة والتمويل والسوق حتى يستطيع أن يوفر الطعام لنفسه ولأسرته غدًا.

ومن هنا يجب أن نبدأ التفكير في استراتيجية جديدة:

بدلًا من أن نكتفي بإعطاء الفقير ما يبقيه محتاجًا، فلنعطه ما يساعده على الخروج من دائرة الاحتياج.

لسنا ضد العطاء… ولكننا ضد أن يصبح العطاء بديلًا عن التنمية

يجب أن يكون واضحًا منذ البداية أننا لا ندعو إلى إيقاف الصدقات أو الزكاة أو المساعدات الإنسانية.

ففي المجتمع دائمًا من يحتاج إلى الدعم ولا يستطيع العمل، وهناك المرضى وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقات الشديدة، وهناك أسر تمر بكوارث مفاجئة، وهناك أزمات تستوجب تدخلًا إنسانيًا عاجلًا.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول العطاء المؤقت إلى نظام دائم، وعندما يصبح الشخص القادر على العمل أسيرًا للمساعدة بدلًا من أن تكون المساعدة جسرًا يعبر به إلى العمل.

الأخطر من ذلك أن بعض صور التسول قد تتحول إلى نشاط يستغل الأطفال أو النساء أو الأشخاص ذوي الإعاقة، وهنا لا يصبح الأمر مجرد فقر، وإنما يصبح قضية اجتماعية وحقوقية وإنسانية يجب التعامل معها بحزم وحكمة في الوقت نفسه.

لذلك فإن المعادلة التي نحتاجها ليست:

منع العطاء.

وإنما:

ترشيد العطاء + حماية المحتاج + تأهيل القادر على العمل + توفير فرصة حقيقية للعمل.

السؤال الأصعب: لماذا نعطي الإنسان المال ولا نعطيه فرصة؟

قد تعطي شخصًا ألف جنيه في شهر، لكنه سيحتاج إلى ألف أخرى في الشهر التالي.

وقد تعطي أسرة صندوقًا من الطعام، لكنه سينتهي خلال أيام.

وقد تعطي شابًا مبلغًا لمشروع صغير دون تدريب أو دراسة سوق، فيفشل المشروع ويعود إلى نقطة الصفر.

لكن ماذا لو أعطيناه:

مهارة + تدريبًا عمليًا + أداة عمل + فرصة تسويق + متابعة؟

هنا نكون قد بدأنا في صناعة حل حقيقي.

وهنا تتحول الصدقة من مجرد استجابة للاحتياج إلى استثمار اجتماعي في الإنسان.

من التسول إلى العمل… ومن المساعدة إلى التمكين

لا يمكن مواجهة ظاهرة التسول بمجرد ملاحقة المتسولين في الشوارع.

فإذا كان شخص ما يتسول لأنه لا يملك مأوى، فعلينا أن نعرف أين سيذهب.

وإذا كانت امرأة مطلقة أو أرملة تعول أطفالًا وتتسول، فعلينا أن نسأل: ما المهارة التي يمكن أن تحصل عليها؟ وكيف نساعدها على الحصول على دخل؟

وإذا كان شاب عاطلًا عن العمل، فعلينا أن نسأل: لماذا لم يحصل على وظيفة؟ وهل لديه مهارة يحتاج إليها سوق العمل؟

وإذا كان طفلًا في الشارع، فعلينا أن نسأل: من دفعه إلى الشارع؟ وأين أسرته؟ وهل تعرض للاستغلال؟

وإذا كان شخصًا من ذوي الإعاقة، فعلينا أن نسأل: هل أُتيحت له فرصة تدريب وعمل مناسبة لقدراته؟

إذن:

مكافحة التسول تبدأ من فهم الإنسان، وليس من رؤية اليد الممدودة فقط.

الفئات الأولى بالتمكين

هناك ملايين البشر يمكن أن تتحول حياتهم إذا أتيحت لهم فرصة حقيقية.

ومن أهم الفئات التي يجب أن تدخل في استراتيجية وطنية للتمكين:

الشباب العاطلون عن العمل.

الأرامل.

المطلقات والنساء المعيلات.

أسر السجناء.

الأشخاص ذوو الإعاقة.

الأسر الأكثر احتياجًا.

المتسربون من التعليم وفق الضوابط القانونية.

الخارجون من دور الرعاية.

الشباب الذين تنتهي فترات إيداعهم في مؤسسات الرعاية والإصلاح والتأهيل.

الأشخاص الذين يحتاجون إلى إعادة إدماج اجتماعي ومهني بعد الخروج من المؤسسات العقابية.

المشردون ومن لا مأوى لهم.

من فقدوا وظائفهم أو مصادر دخلهم.

الفئات التي لا تمتلك مهارات مهنية قابلة للتسويق.

هذه الفئات لا يجب النظر إليها باعتبارها عبئًا على المجتمع.

بل يجب أن ننظر إليها باعتبارها:

طاقات بشرية لم تحصل بعد على الفرصة المناسبة.

نحتاج إلى «تدريب تحويلي» لا إلى شهادات جديدة

المشكلة ليست في نقص الدورات التدريبية فقط، وإنما في وجود دورات لا ترتبط أحيانًا باحتياجات السوق.

فليس المطلوب أن يحصل الإنسان على شهادة جديدة يضعها في ملفه، ثم يعود إلى البطالة.

المطلوب هو:

تدريب ينتهي إلى فرصة.

ويجب أن يبدأ التدريب من احتياجات المصانع والشركات والسوق المحلي.

فإذا كانت المصانع تحتاج إلى فنيين في الكهرباء الصناعية، أو التبريد والتكييف، أو اللحام، أو تشغيل الماكينات، فلماذا لا نصمم برامج تدريبية تستهدف هذه المهن؟

وإذا كان السوق يحتاج إلى خدمات رقمية، فلماذا لا نؤهل الشباب للعمل عن بعد؟

وإذا كانت المناطق الريفية تحتاج إلى التصنيع الزراعي، فلماذا لا ننشئ مشروعات صغيرة تقوم على تصنيع المنتجات الزراعية؟

مهن يمكن أن تغير حياة الإنسان

يمكن أن تشمل برامج التدريب مجالات واسعة، منها:

الصناعة

الكهرباء الصناعية، اللحام، تشغيل الماكينات، الإلكترونيات، صيانة الأجهزة، التبريد والتكييف، صيانة السيارات، النجارة، الأثاث، الدهانات، السباكة، الصناعات الغذائية، التعبئة والتغليف، مراقبة الجودة، الطاقة الشمسية والتحكم الآلي.

الزراعة

الصوب الزراعية، الري الحديث، تربية النحل، الدواجن، الألبان، التصنيع الغذائي، التعبئة والتغليف، الزراعة الحديثة، إعادة تدوير المخلفات الزراعية.

التكنولوجيا

إدخال البيانات، خدمة العملاء، التجارة الإلكترونية، التسويق الرقمي، التصميم، صناعة المحتوى، الدعم الفني، البرمجة، اختبار البرمجيات، العمل الحر، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الأعمال.

الخدمات

الطهي، المخابز والحلويات، خدمات الفنادق، الحلاقة والتجميل، الملابس والمفروشات، صيانة الهواتف، الخدمات اللوجستية، المخازن، وخدمات السيارات.

الاقتصاد الأخضر

إعادة التدوير، فرز المخلفات، الطاقة الشمسية، الصيانة، المشروعات البيئية، والزراعة المستدامة.

والقاعدة الأساسية هنا:

لا تدريب بلا سوق، ولا مشروع بلا دراسة، ولا تمويل بلا متابعة.

ماذا عن الأطفال الموجودين في مؤسسات الرعاية والإصلاح والتأهيل؟

هذه واحدة من أخطر النقاط في القضية.

فالطفل أو الشاب الذي يخرج من دار رعاية أو مؤسسة إصلاح وتأهيل ثم يجد نفسه في الشارع بلا تعليم ولا مهنة ولا أسرة مستقرة، قد يعود إلى الظروف نفسها التي دفعته إلى الانحراف أو التسول أو الاستغلال.

ولذلك يجب أن يبدأ التأهيل قبل الخروج، وليس بعده.

ويجب أن يحصل على:

تعليم + تأهيل نفسي واجتماعي + تدريب مهني مناسب للسن + مهارة عملية + خطة للاندماج + متابعة بعد الخروج.

وبالنسبة للأطفال، يجب أن تكون جميع برامج التدريب متوافقة مع قوانين حماية الطفل والمعايير الوطنية والدولية، وألا يتحول التدريب إلى باب لاستغلال الطفل أو تشغيله بصورة مخالفة.

فالهدف ليس فقط أن يخرج الطفل من المؤسسة.

الهدف أن يخرج منها قادرًا على بناء حياة مختلفة.

ماذا تفعل الجمعية الأهلية؟

هنا أعتقد أن الوقت قد حان لطرح سؤال صريح:

هل النجاح الحقيقي للجمعية الأهلية هو عدد كراتين الطعام التي وزعتها؟

أم عدد الأشخاص الذين استطاعت أن تجعلهم قادرين على الاعتماد على أنفسهم؟

المساعدات مهمة.

ولكن التنمية أهم عندما يكون الإنسان قادرًا على العمل.

ولهذا يجب أن تتحول الجمعيات والمؤسسات الأهلية التي تعمل في مجال التنمية إلى مؤسسات تمكين اقتصادي واجتماعي.

بدلًا من أن تقول الجمعية:

«وزعنا 10 آلاف كرتونة.»

يجب أن تستطيع أن تقول:

«دربنا ألف شخص، ووظفنا 600، وأنشأنا 150 مشروعًا، واستمر منها 110 مشروعات بعد عام.»

هذا هو قياس الأثر الحقيقي.

ماذا لو فشل المشروع؟

علينا أن نتوقف عن التعامل مع فشل المشروع باعتباره فشلًا لصاحبه.

قد يفشل المشروع بسبب التسويق، أو ارتفاع تكلفة الخامات، أو سوء اختيار الموقع، أو ضعف الإدارة، أو ظروف السوق.

وهنا يجب أن تكون الجمعية أو المؤسسة التنموية موجودة.

تجلس مع صاحب المشروع وتسأله:

لماذا فشلنا؟

ثم تساعده على إصلاح المسار.

قد نغير المنتج.

وقد نغير طريقة التسويق.

وقد ندمج مشروعين.

وقد نعيد التدريب.

وقد نغير النشاط.

وقد نساعده على الانتقال إلى وظيفة.

المهم ألا نترك الإنسان بعد أن أعطيناه المال والأمل ثم ننسحب.

التنمية الحقيقية تعني المتابعة حتى الاستقرار.

أين الدولة من هذه المنظومة؟

لا يمكن أن تنجح هذه الفكرة إذا عمل كل طرف بمفرده.

نحن بحاجة إلى منظومة وطنية متكاملة تشارك فيها:

وزارة التضامن الاجتماعي، وزارة العمل، وزارة الصناعة، وزارة الإنتاج الحربي، وزارة الشباب والرياضة، وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، وزارة الزراعة، والجهات المعنية بالمشروعات الصغيرة، إلى جانب المجالس القومية والقطاع الخاص والجمعيات الأهلية.

كما ينبغي أن يكون للمجلس القومي لحقوق الإنسان دور في ضمان عدم التمييز وحماية الكرامة الإنسانية، وللمجلس القومي للمرأة دور في التمكين الاقتصادي للنساء المعيلات، وللمجلس القومي للطفولة والأمومة دور محوري في حماية الأطفال من الاستغلال والتسول، وللمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة دور أساسي في التأهيل والدمج وسوق العمل.

ولا بد كذلك من إشراك الجامعات ومراكز التدريب الفني والمصانع والشركات.

المصنع ليس مجرد مكان للإنتاج… بل مدرسة أيضًا

أعتقد أن علينا أن نعيد تعريف مسؤولية القطاع الخاص.

فالمصنع الذي يحتاج إلى 100 عامل فني كل عام يمكن أن يشارك في تدريب 150 شابًا، ثم يختار منهم من يحتاج إليهم.

والشركة التي تحتاج إلى موظفين في خدمة العملاء أو التكنولوجيا يمكن أن تشارك في إعداد هؤلاء الشباب.

وهكذا يصبح التدريب متصلًا مباشرة بالوظيفة.

ويمكن أن تتبنى الشركات برامج تحت شعار:

«شركة تتبنى مهنة»

بحيث تشارك الشركة في التدريب والتأهيل والتوظيف، وربما في دعم المشروعات الصغيرة المرتبطة بسلسلة التوريد الخاصة بها.

وزارة الإنتاج الحربي ووزارة الصناعة… نموذج يمكن البناء عليه

هناك بالفعل تحركات رسمية حديثة نحو ربط التدريب المهني باحتياجات الصناعة، وهو اتجاه يجب البناء عليه وتوسيعه ليصل إلى الفئات الأولى بالرعاية.

فالتعاون بين وزارة الإنتاج الحربي ووزارة العمل في مجال التدريب المهني، وكذلك التعاون مع اتحاد الصناعات المصرية لتأهيل العمالة الفنية، يقدمان نموذجًا مهمًا لفكرة ربط التدريب باحتياجات سوق العمل.

المطلوب الآن هو أن تمتد هذه الفكرة إلى برامج أكثر اتساعًا تستهدف الفئات التي يصعب عليها الوصول إلى التدريب والعمل بمفردها.

الدين أيضًا يقول: أعطِ الإنسان فرصة

هذه الفكرة ليست مستوردة من كتب التنمية الحديثة فقط.

فالقرآن الكريم يقول:

«وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ»

ويقول سبحانه:

«فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ»

وقال النبي ﷺ:

«اليد العليا خير من اليد السفلى»

رواه البخاري ومسلم.

وفي الكتاب المقدس نجد دعوة واضحة إلى عدم إغلاق اليد أمام المحتاج، وفي الوقت نفسه تظهر قيمة العمل والكسب.

فالرحمة والعمل ليسا ضدين.

بل يمكن أن تكون الرحمة هي أن نفتح للإنسان باب العمل.

لا نريد مجتمعًا يمنع التسول فقط… بل مجتمعًا يجعل التسول أقل ضرورة

هذه هي النقطة التي يجب أن نتوقف عندها.

إذا أردنا أن نخفض التسول بصورة حقيقية، فعلينا أن نخفض:

الفقر + البطالة + التشرد + التفكك الأسري + التسرب من التعليم + استغلال الأطفال + نقص المهارات + عدم وجود فرص عمل مناسبة.

فالتسول في كثير من الحالات عرضٌ لمشكلة أكبر.

وإذا عالجنا العرض وتركنا المرض، فستعود الظاهرة مرة أخرى.

مبادرة وطنية: «من الاحتياج إلى الإنتاج»

لماذا لا نطلق مشروعًا وطنيًا بهذا الاسم؟

«من الاحتياج إلى الإنتاج»

مشروع يجمع الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

ويقوم على ست مراحل:

أولًا: الحصر والتقييم.

من يحتاج إلى مساعدة؟

ومن يستطيع العمل؟

وما المهارة المناسبة له؟

ثانيًا: التدريب.

تدريب حقيقي مرتبط بسوق العمل.

ثالثًا: التشغيل.

ربط المتدرب بالمصنع أو الشركة أو صاحب العمل.

رابعًا: المشروع.

من يصلح للعمل الحر يحصل على تمويل وأداة إنتاج وتدريب إداري.

خامسًا: التسويق.

لأن المشروع الذي لا يستطيع بيع منتجاته لن يستمر.

سادسًا: المتابعة.

ولا تنتهي المسؤولية بمجرد تسليم المعدات أو الأموال.

نريد مؤشرات نجاح جديدة

يجب ألا نقيس النجاح بعدد المتبرعين.

ولا بعدد الكراتين.

ولا بعدد المساعدات.

بل نقيسه بعدد:

الأشخاص الذين حصلوا على عمل.

المشروعات التي استمرت.

الأسر التي ارتفع دخلها.

النساء المعيلات اللاتي أصبحن قادرات على إعالة أسرهن.

الأشخاص ذوي الإعاقة الذين اندمجوا في سوق العمل.

الشباب الخارجين من مؤسسات الرعاية الذين أصبح لديهم عمل.

الأطفال الذين لم يعودوا إلى الشارع.

الأشخاص الذين خرجوا من دائرة الاعتماد المستمر على المساعدات.

هذه هي أرقام التنمية التي يجب أن نحتفي بها.

كلمة أخيرة

لسنا أمام معركة ضد الفقراء.

نحن أمام معركة ضد الفقر.

ولسنا أمام حرب على المحتاجين.

نحن أمام حرب على الاحتياج الدائم والتهميش والاستغلال وانسداد الفرص.

ولا يجب أن نمد أيدينا إلى الإنسان فقط لكي نعطيه مالًا.

بل يجب أن نمد أيدينا إليه لكي نرفعه.

فالصدقة تطعم الإنسان يومًا.

أما التعليم فيغير حياته.

والتدريب يعطيه مهارة.

والعمل يعطيه دخلًا.

والمشروع يعطيه استقلالًا.

والاستقلال يعطيه كرامة.

والكرامة تصنع إنسانًا منتجًا.

ومن هنا يجب أن ننتقل من السؤال:

«كم أعطينا؟»

إلى السؤال الأهم:

«كم إنسانًا استطعنا أن نجعله قادرًا على الاعتماد على نفسه؟»

فإذا نجحنا في الإجابة عن هذا السؤال، سنكون قد بدأنا بالفعل في بناء مجتمع مختلف.

مجتمع لا يغلق يده أمام الفقير، ولكنه لا يتركه أسيرًا للفقر.

مجتمع لا يحارب المتسول وحده، وإنما يحارب الأسباب التي دفعته إلى التسول.

مجتمع لا ينظر إلى الأرملة والمطلقة والشاب العاطل وذوي الإعاقة وأبناء دور الرعاية باعتبارهم أرقامًا في قوائم المساعدات، وإنما باعتبارهم طاقات بشرية تستحق فرصة.

ومجتمع يفهم أن أعظم مساعدة قد لا تكون في أن تعطي الإنسان سمكة كل يوم…

بل في أن:

تعلّمه الصيد، وتوفر له السنارة، وتفتح له الطريق، وتقف بجانبه حتى يستطيع أن يصطاد بنفسه.

فهذا هو الفرق بين مجتمع يطعم الفقر… ومجتمع يصنع التنمية.

زر الذهاب إلى الأعلى