تزوّج وأنجب لكنه لم يصبح رجلًا
بقلم : إسراء محمد
ليس أصعب على المرأة من أن تكتشف بعد الزواج أنها لم تتزوج رجلًا بل تزوجت مسؤوليةً إضافية فوق مسؤولياتها وليس أكثر قسوة على الأطفال من أن يكبروا وهم يحملون اسم أبٍ حاضر في الأوراق غائب عن تفاصيل الحياة فهناك رجال أتقنوا الوصول إلى لقب «زوج» و«أب» لكنهم لم يتعلموا يومًا كيف يكونون أهلًا لهذين اللقبين. رجال تزوجوا لأن الزواج في نظرهم مرحلة طبيعية وأنجبوا لأن الإنجاب نتيجة متوقعة ثم عندما بدأت الحياة تطالبهم بثمن اختياراتهم اكتشفوا أن المسؤولية أثقل من أن يحملوها فاختاروا الطريق الأسهل الهروب أو الإنكار أو إلقاء كل شيء على عاتق الزوجة ثم البحث عن أسرة تصفق لهم وتبرر أخطاءهم بدلًا من أن تضعهم أمام مرآة الحقيقة.
المشكلة ليست في رجل أخطأ فكل إنسان يخطئ وليست في رجل ضاقت به الظروف أو خسر عمله أو مر بأزمة جعلته عاجزًا عن الوفاء بكل ما يريد فالحياة لا تسير وفق ما نخطط له دائمًا المشكلة تبدأ عندما يتحول العجز إلى ذريعة والتقصير إلى عادة والهروب إلى أسلوب حياة وعندما يرى الرجل زوجته تنهار تحت ثقل البيت والأبناء والمشكلات ثم يقرر أن يتعامل مع الأمر وكأنه شأن لا يعنيه والأسوأ من ذلك كله أن يجد حوله عائلة مستعدة للدفاع عنه مهما فعل وكأن رابطة الدم تمنح الإنسان حصانة من الخطأ وكأن كون الرجل ابنهم يسمح لهم بأن يغلقوا أعينهم عن كل ما يفعله بالمرأة التي اختارها يومًا لتكون شريكة حياته وبالأطفال الذين اختار أن يكون أبًا لهم
وهنا لا تعود المسألة خلافًا زوجيًا عابرًا وإنما تتحول إلى قضية ضمير لأن المرأة في هذه الحالة لا تواجه رجلًا غير مسؤول فحسب بل تواجه أحيانًا منظومة كاملة من التبرير أمًا تقول لابنها إن زوجته هي السبب وأبًا يرى أن ابنه لا يُلام مهما فعل وأقارب يطالبون الزوجة بالصبر بينما لا يطلبون من الرجل أن يتغير وكأن الصبر واجب على المرأة وحدها وكأن الرجل خُلق ليُعفى من نتائج قراراته
لكن متى أصبح الزواج إعفاءً من المسؤولية؟ ومتى أصبح الإنجاب مجرد لحظة فرح تنتهي بانتهاء الاحتفال؟ الزواج ليس خاتمًا في إصبع ولا صورًا جميلة على مواقع التواصل الاجتماعي ولا حفلًا يتحدث عنه الناس أيامًا ثم ينصرف كل منهم إلى حياته الزواج عهد ومسؤولية وشراكة بين شخصين قررا أن يواجها الحياة معًا لا أن يلقي أحدهما حياته فوق كتف الآخر ثم ينسحب والإنجاب ليس مجرد إضافة طفل إلى الأسرة بل إضافة إنسان كامل إلى الحياة إنسان سيحتاج إلى الرعاية والأمان والحب والاحتواء والتعليم والوجود الحقيقي لسنوات طويلة
أن تصبح أبًا لا يعني أن تحمل طفلًا بين ذراعيك في يوم ولادته ثم تترك أمه تحمل عنه كل ما بعد ذلك الأبوة ليست صورة تُلتقط في مناسبة ولا منشورًا على مواقع التواصل الاجتماعي ولا جملة تتردد أمام الناس «أبنائي هم أغلى ما عندي» الأبوة تُقاس في الأيام التي لا يراك فيها أحد تُقاس عندما يمرض طفلك وعندما يحتاج إلى من يسمعه وعندما يعود من المدرسة حزينًا وعندما يخاف وعندما ينجح وعندما يفشل وعندما يحتاج إلى يد تمتد إليه دون أن تطلب منه مقابلًا
الرجل الحقيقي ليس من يستطيع أن يأمر داخل بيته ولا من يرفع صوته في وجه زوجته ولا من يفرض كلمته لأنه «رجل البيت» الرجل الحقيقي هو من يعرف أن القوة ليست في التخويف وإنما في الأمان وأن الرجولة ليست سيطرة على امرأة وإنما قدرة على حماية بيت دون إهانة من فيه الرجولة أن تكون قادرًا على الهروب وتختار البقاء وأن تكون قادرًا على إلقاء اللوم على غيرك وتختار الاعتراف بخطئك، وأن تضيق بك الدنيا فلا تجعل من زوجتك وأطفالك ضحايا لضيقك.
هناك رجال يعودون إلى بيوتهم بعد يوم عمل طويل وهم في غاية الإرهاق لكنهم يعرفون أن تعبهم ليس تصريحًا بالتخلي عن أسرهم وهناك رجال لا يملكون الكثير من المال لكنهم يبذلون ما يستطيعون ويجعلون أبناءهم يشعرون بأنهم في أمان وهناك رجال مروا بأزمات حقيقية وخسروا وظائفهم أو ضاقت بهم الحياة أو تعثرت أحوالهم ومع ذلك لم يهربوا من مسؤولياتهم بل قالوا «سنواجه هذا معًا» هؤلاء هم الرجال الذين تستحقهم البيوت لأن قيمة الرجل لا تظهر عندما تكون الحياة سهلة وإنما تظهر عندما تصبح صعبة
أما الرجل الذي يريد كل مزايا الزواج دون أن يتحمل مسؤولياته فيريد في الحقيقة علاقة بلا ثمن وبيتًا بلا واجبات وأبناء بلا التزام وزوجة تتحول مع الوقت إلى شخص يقوم بكل شيء ثم يُلام على كل شيء
فتصبح الجملة الأكثر تكرارًا في البيت «أنتِ اهتمي بالأطفال» «أنتِ تحملي»، «أنتِ اصبري» «أنتِ افهمي ظروفي»، «أنتِ تحملي أهلي»، «أنتِ سامحيني» أما هو، فدائمًا لديه سبب جاهز وعذر جديد وشخص آخر يحمّله مسؤولية ما حدث
ومع مرور السنوات تجد المرأة نفسها تؤدي أدوارًا لم تخترها زوجة وأم ومعيلة ومديرة للبيت ومتابعة للدراسة ومسؤولة عن المرض والعلاج والمواعيد والمشكلات وأحيانًا تتحول إلى الطرف الذي يحاول إصلاح العلاقة وحده بينما الرجل يقف خارج المشهد ثم يتساءل لماذا أصبحت زوجته عصبية أو متعبة أو مختلفة عما كانت عليه في بداية الزواج
لكن كيف لا تتغير امرأة تحمل فوق طاقتها سنوات طويلة؟
كيف تظل هادئة وهي مطالبة بأن تكون قوية طوال الوقت؟
كيف تبقى تلك الزوجة التي كانت تضحك كثيرًا وهي لم تعد تجد من يخفف عنها شيئًا؟
إن بعض النساء لا يحتجن إلى رجل ينقذهن من العالم وإنما إلى رجل لا يجعلهن مضطرات لمحاربة العالم وحدهن
وهنا تأتي مسؤولية أهل الرجل وهي مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية الزوج نفسه فالأسرة التي تحب ابنها حقًا لا تعني أن تصفق لكل ما يفعله الحب الحقيقي لا يحمي الخطأ من نتائجه بل يحمي الإنسان من الاستمرار فيه فإذا أخطأ ابنك قل له إنه أخطأ وإذا ظلم زوجته لا تبحث عن مبررات لظلمه وإذا قصّر في حق أبنائه لا تطلب من الزوجة أن تتحمل إلى ما لا نهاية وإذا كان بيته ينهار بسبب إهماله فلا تجعل من زوجته شماعة تعلق عليها الأسرة كل شيء.
فليس من العدل أن تقول لامرأة منهكة «اصبري من أجل البيت» بينما لا تقول للرجل «غيّر من أجل البيت»
وليس من المنطق أن تطالب الزوجة بأن تتنازل دائمًا حفاظًا على الأسرة بينما لا يُطلب من الرجل أن يتنازل مرة واحدة
وليس من الرحمة أن تقف الأسرة خلف الرجل لمجرد أنه ابنها بينما تترك امرأة وأطفالًا يدفعون ثمن أخطائه
إن الأسرة التي تبرر لابنها كل شيء لا تحميه، بل تفسده والأم التي تربّي ابنها على أن زوجته مطالبة بخدمته وتحمل أخطائه دون حدود لا تصنع رجلًا قويًا وإنما تصنع رجلًا لم يتعلم أن للحياة ثمنًا وأن لكل اختيار نتيجة والأب الذي يتدخل في كل مشكلة ليبرئ ابنه بدلًا من أن يعلمه تحمل المسؤولية قد يظن أنه ينصره لكنه في الحقيقة يمنعه من النضج
فالابن الذي لا يسمع كلمة «أنت مخطئ» داخل أسرته سيبحث عن زوجة لا تستطيع أن تقولها له وعن بيئة تسمح له بأن يعيش كما يريد، ثم يلوم الجميع عندما تنهار حياته.
والأكثر ظلمًا أن الأطفال هم من يدفعون الثمن في النهاية.
فالطفل لا يفهم الحسابات المعقدة بين الكبار لكنه يفهم الغياب يفهم أن أمه كانت موجودة عندما مرض وأن أباه لم يكن يفهم من كان يجلس بجانبه عندما يخاف ومن كان يتذكر تفاصيل يومه ومن كان يسأل عن امتحانه ومن كان يعرف ما يحبه وما يزعجه الأطفال قد يسامحون كثيرًا لكنهم لا ينسون بسهولة شعورهم بأن أحدًا لم يكن موجودًا عندما احتاجوا إليه.
والأخطر من غياب الأب أن يعيش الطفل في بيت يرى فيه أمه تُستنزف يومًا بعد يوم ثم يسمع الجميع يقولون له إن هذا هو الزواج الطبيعي وإن المرأة يجب أن تتحمل وإن الرجل له ظروفه وإن البيت لا يستقيم إلا إذا صبرت الزوجة
هكذا يتعلم الطفل صورة مشوهة عن العلاقات.
قد يتعلم الصبي أن الرجولة تعني الهروب من المسؤولية وأن هناك دائمًا امرأة ستتحمل عنه كل شيء وقد تتعلم الفتاة أن الحب يعني أن تعطي بلا حدود وأن تتحمل فوق طاقتها حتى لا تخسر بيتها وهكذا لا تنتهي أخطاء جيل عنده بل تنتقل إلى جيل آخر في صورة معتقدات وسلوكيات جديدة.
ولهذا فإن الحديث عن الرجل غير المسؤول ليس مجرد حديث عن زوج وزوجة وإنما حديث عن مجتمع بأكمله يحتاج إلى إعادة النظر في معنى الزواج والرجولة والأبوة.
نحن لا نحتاج إلى رجال مثاليين فلا أحد مثالي نحتاج إلى رجال يعرفون كيف يعترفون بالخطأ وكيف يعتذرون وكيف يتغيرون وكيف يطلبون المساعدة عندما يعجزون نحتاج إلى رجل لا يخجل من أن يقول «أنا أخطأت» لأن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا وإنما أول درجات النضج.
هناك فرق كبير بين رجل عاجز يحاول ورجل قادر يرفض بين أب لا يملك المال لكنه يبذل كل ما يستطيع وأب يملك القدرة لكنه لا يرى أن أسرته تستحق منه شيئًا بين رجل أخطأ ثم أصلح خطأه ورجل أخطأ ثم أمضى عمره في البحث عن شخص يحمّله مسؤولية الخطأ.
الأول يحتاج إلى المساندة أما الثاني فيحتاج إلى أن يواجه نفسه.
والمرأة أيضًا ليست مطالبة بأن تكون بطلة طوال الوقت الصبر فضيلة لكنه لا يعني قبول الظلم والتسامح قيمة لكنه لا يعني إلغاء الكرامة والحفاظ على البيت أمر عظيم لكنه لا يعني أن تتحول المرأة إلى شخص مستنزف يحاول وحده إنقاذ بيت لا يريد صاحبه أن ينقذه
فالبيت لا يبنى بالتضحيات من طرف واحد.
ولا يستقيم الزواج إذا كان أحد الطرفين يعتقد أن دوره هو الأخذ ودور الآخر هو العطاء.
ومن يدخل الزواج عليه أن يفهم أنه لا يحصل على خادمة ولا على شخص يتولى عنه الحياة وإنما يحصل على شريكة لها حقوق وعليها واجبات كما له حقوق وعليه واجبات وإذا أنجب أطفالًا فقد أصبح مسؤولًا عن أرواح لم تختر أن تأتي إلى الدنيا ومن ثم لا يحق له أن يتعامل مع الأبوة باعتبارها اختيارًا يوميًا يمكنه ممارسته عندما يرغب والتخلي عنه عندما يتعب.
قد يستطيع الرجل أن يقنع الناس بأنه زوج جيد قد يضحك أمام الأقارب ويتحدث عن أسرته بفخر وينشر صور أبنائه وقد يجد أمًا تدافع عنه وأبًا يبرر له وأصدقاء يصدقون روايته لكنه لن يستطيع أن يخدع ذاكرة أطفاله إلى الأبد.
الأطفال يكبرون.
والسنوات تكشف الحقيقة.
سيعرفون يومًا من كان إلى جوارهم عندما كانوا ضعفاء ومن حمل عنهم الخوف ومن احتفل بنجاحهم ومن مسح دموعهم ومن كان يملك الأعذار كلما احتاجوه.
وعندما يكبر الأبناء لن يتذكروا كم مرة تحدث والدهم عن مسؤولياته بل سيتذكرون كم مرة شعروا بأنه مسؤول عنهم فعلًا.
لهذا قبل أن يقول رجل إنه يريد الزواج عليه ألا يسأل نفسه فقط هل أحبها؟ بل عليه أن يسأل هل أستطيع أن أكون شريكًا حقيقيًا لها؟
وقبل أن ينجب عليه أن يسأل نفسه هل أنا مستعد لأن أكون أبًا لا مجرد رجل لديه أبناء؟
وقبل أن تدافع الأسرة عن ابنها عليها أن تسأل سؤالًا أشد أهمية: هل نحن نحميه أم نحمي أخطاءه؟
فليس كل رجل تزوج رجلًا وليس كل رجل أنجب أصبح أبًا وليس كل من حمل لقب «رب الأسرة» كان أهلًا لهذه الكلمة
الرجولة ليست أن تملك امرأة وإنما أن تحترمها وليست أن تجعل أبناءك يحملون اسمك وإنما أن تجعلهم يشعرون بالأمان إلى جوارك وليست في ارتفاع الصوت ولا في فرض السيطرة ولا في الهروب من المسؤولية وإنما في القدرة على أن تقول عندما يخطئ الجميع «أنا مسؤول».
وفي النهاية قد يستطيع الإنسان أن يخدع المجتمع وأن يصنع لنفسه صورة جميلة أمام الآخرين لكنه لن يستطيع أن يخدع ضميره طويلًا ولن يستطيع أن يمحو من ذاكرة أبنائه سنوات الغياب ولن يستطيع أن يعيد للمرأة التي استنزفها عمرًا من الطاقة بمجرد كلمة اعتذار متأخرة.
فالزواج ليس لقبًا والأبوة ليست اسمًا والرجولة ليست مظهرًا
كلها مسؤوليات.
والمسؤولية هي المرآة التي لا تجامل أحدًا ففيها يسقط القناع ويظهر الفرق بين رجل حمل لقب الزوج والأب ورجل استحق فعلًا أن يكون زوجًا وأبًا ورجلًا.







