المرأة ومجتمعاتصدى مصرمقالاتمنوعات

تناقضات الخطاب الدكاني: بين ادعاء الحقوق واستثمار الجدل الرقمي

 

تناقضات الخطاب الدكاني: بين ادعاء الحقوق واستثمار الجدل الرقمي

 

كتب / أشرف عبده

تُشكل قضايا حماية المرأة، ومناهضة التحرش، ومكافحة الاتجار بالبشر، أركاناً رئيسية في المنظومة الأخلاقية والقانونية لأي مجتمع يسعى إلى صون الكرامة الإنسانية. غير أن المشهد الثقافي والإعلامي المعاصر بات يشهد ظاهرة مقلقة تُعرف بـ “صناعة الجدل والاستثمار المادي والمعنوي في القضايا المجتمعية”؛ حيث تنحرف بعض التوجهات الفردية أو المجموعات تحت مظلات حقوقية أو حزبيّة أو أدبية عن مقاصدها النبيلة، لتقع في تناقضات فكرية وإجرائية تضر بالبناء القيمي والمجتمعي.

أولاً: ظاهرة “صناعة التريند” والتلفيق في الفضاء العام

شهدت وسائل التواصل الاجتماعي تحولاً خطيراً في التعاطي مع القضايا الحساسة؛ حيث أصبحت “الرموز الرقمية” وتصدر المنصات (التريند) دافعاً لبعض الأفراد أو الكيانات لاختلاق وقائع أو تضخيم أحداث بهدف حشد التعاطف الجماهيري أو تحقيق الشهرة السريعة.

خطورة التلفيق واستغلال التصوير: إن اللجوء إلى افتعال أزمات في الأماكن العامة وتوظيف اقتطاع مقاطع الفيديو لتلفيق التهم دون سند إثبات قانوني حقيقي، لا يمثل مجرد سلوك فردي خاطئ، بل هو جرم يُسقط المصداقية عن القضايا العادلة. هذا السلوك يضر بالضحايا الحقيقيين؛ فعندما تُستخدم ادعاءات التحرش كوسيلة للشهرة أو الابتزاز، يفقد المجتمع ثقته في البلاغات الحقيقية، وتُظلم النساء اللاتي يتعرضن لانتهاكات فعلية.

الأدب الموجه واستغلال الصدمة: امتد هذا التوجه إلى بعض الأعمال الروائية والقصصية التي تنزع إلى استغلال “صدمة الجمهور” عبر التركيز الإثاري على مشاهد وصور نمطية، ليس بهدف المعالجة التنويرية أو الإصلاح المجتمعي، بل بهدف الترويج التجاري وتحقيق المبيعات عبر إثارة الجدل.

ثانياً: التناقض المعرفي والأخلاقي في الخطاب التحرري

تظهر الأزمة الفكرية الحقيقية عندما تتشابك التوجّهات الحقوقية ببعضها البعض لتعكس ازدواجية صريحة في المفاهيم والأولويات:

  1. الاستقطاب الفكري والدفاع عن أشكال التحلل القيمي

تتبنى بعض الرؤيات خطابات تدعي الدفاع عن كرامة الإنسان وضد الاستغلال، لكنها في الوقت ذاته تندفع نحو الترويج لنمط حياة يُفكك الأسرة والمفاهيم الطبيعية للفطرة الإنسانية، تحت دعاوى “الحريات الفردية المطلقة”. هذا التناقض يُبرز أن المرجعية لدى هذه الفئات ليست القيمة الأخلاقية الثابتة، بل الجري خلف أجندات وثقافات مستوردة لا تراعي البيئة القيمية والدينية للمجتمعات.

  1. مغالطة “تقنين البغاء” واستغلال الجسد

تتجلى قمة الانفصام الفكري لدى من يُسوق لـ “تقنين البغاء والاستغلال الجنسي بمقابل مادي” بحجة التنظيم أو الحرية الجسدية، وفي الوقت ذاته يدعي مناهضة “الاتجار بالبشر”:

هل بيوت البغاء والاستغلال الجنسي من صور الاتجار بالبشر؟

نعم، قولا واحداً. تُعرّف المواثيق الدولية والقوانين الوطنية مفهوم الاتجار بالبشر بأنه: “تجنيد أشخاص أو نقلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو الاستغلال أو إعطاء مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سلطة على شخص آخر لغرض الاستغلال، ويشمل ذلك كحد أدنى استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي”.

الرد التحليلي على دعاة التقنين:

إن تسليع الجسد البشري وجعله مادة للتداول التجاري وتحقيق الأرباح لصالح شبكات أو مؤسسات هو الصورة الأوضح والأكثر قسوة للاتجار بالبشر. وبالتالي، فإن أي خطاب ينادي بتقنين هذه الممارسات أو إضفاء الشرعية عليها، يشارك بأسلوب مباشر في شرعنة “عبودية حديثة” والاستغلال المادي لأوضاع النساء والفتيات المادية والإنسانية الصعبة، وهو ما يناقض كلياً أي ادعاء بالدفاع عن حقوق المرأة أو كرامتها.

ثالثاً: الآثار الناجمة عن هذه التناقضات

تفريق النسيج الاجتماعي: خلق حالة من الشك والريبة في وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية بين أفراد المجتمع، وإضعاف ثقة المواطن في المؤسسات والجمعيات التي تُمارس عملاً أهلياً جاداً وحقيقياً.

تمييع المفاهيم الأخلاقية: خلط الأوراق بين القضايا الإنسانية المحقة (مثل حماية الفتاة من الانتهاك) وبين أفكار شاذة تُهدد الاستقرار الأسري والقيمي.

تغليب المصلحة المادية على المبدأ: تحول القضايا الإنسانية في بعض الأحيان إلى “تجارة مربحة” تُجلب من خلالها التمويلات والاستشارات أو التفاعل الرقمي، على حساب القيم الأصيلة ومصالح الضحايا الحقيقيين.

إن حماية المجتمع، ومناهضة التحرش، وصون حقوق المرأة، هي واجبات وطنية وأخلاقية وأصيلة لا تحتمل المزادت أو المتاجرة. والموقف العادل والحاسم يتطلب التمييز التام بين العمل الحقوقي والتنويري المخلص الذي يحترم قيم المجتمع والقوانين، وبين الاستثمار الرخيص في الجدل الرقمي الذي يجمع بين التلفيق للشهرة من جهة، ودعوات تسليع الإنسان والترويج للاستغلال الجنسي من جهة أخرى. إن مواجهة الاتجار بالبشر ومناهضة الانتهاكات يبدآن من احترام كرامة الإنسان كقيمة مطلقة، ورفض تسليع جسده أو استغلال قضاياه في معارك “التريند” الزائفة.

زر الذهاب إلى الأعلى