جفافُ المشاعرِ.. بابٌ يتسللُ منهُ الشيطانُ للقلوبِ!
جفافُ المشاعرِ.. بابٌ يتسللُ منهُ الشيطانُ للقلوبِ!
بقلم/ جمال القاضي
في مجتمعاتِنَا المعاصرةِ، تترددُ أصداءُ قصصٍ تثيرُ الدَّهْشَةَ والتساؤلَ؛ قصةُ زوجٍ يقيمُ علاقةً عاطفيةً خارجَ حدودِ أسرَتِهِ، وزوجةٍ تبحثُ بين الغرباءِ عن نبضةِ اهتمامٍ مفقودةٍ. وأمامَ هذه المشاهدِ الصادمةِ، يثورُ سؤالٌ مريرٌ في الأذهانِ: أليس لهذا الرجلِ زوجةٌ تصونُ حِمَاهُ؟ فما الذي يدفَعُهُ لتركِ الحلالِ الطيِّبِ والارتماءِ في أحضانِ علاقةٍ محرَّمةٍ؟ وعلى الجانبِ الآخرِ، كيف لامرأةٍ يظلِّلُهَا سقفُ الزوجيةِ أن تسعى خلفَ سرابِ عاطفةٍ في دروبٍ مظلمةٍ؟
إنَّ خلفَ هذا الانحرافِ العاطفيِّ والسلوكيِّ تكمنُ فجوةٌ عميقةٌ من الفقدِ، تسلَّلَ الشيطانُ من خلالِهَا ليعبثَ بالقلوبِ والبيوتِ. فما هي الأسبابُ الحقيقيةُ التي تجعلُ القلوبَ تضلُّ طريقَهَا؟
أولًا: اهتزازُ البوصلةِ الإيمانيةِ وزهدٌ في مَعِيَّةِ اللهِ
تبدأُ الفتنةُ حينما يضعفُ الوازعُ الدينيُّ في النفسِ، ويغيبُ الخوفُ من اللهِ عز وجلَّ . فالمؤمنُ الحقُّ يَقْنَعُ بما قسمَهُ اللهُ لهُ، ويجتهدُ في رعايةِ شريكِ حياتِهِ، باحثًا عن سبلِ التجديدِ والألفةِ والمحبَّةِ ليخلقَ جوًّا من الرضا المتبادَلِ. أما حينَ يخفتُ نورُ الإيمانِ، فإنَّ العبدَ يستسلمُ لخطواتِ الشيطانِ بَدَلًا من السعيِ لإحياءِ المودةِ الحلالِ.
ثانيًا: جفافُ الينابيعِ.. حينما تعيشُ القلوبُ في صحراءِ الإهمالِ
إنَّ القلبَ البشريَّ كائنٌ حيٌّ يتغذى على الاهتمامِ، ويبحثُ دومًا عمَّنْ يحتويهِ ويهمسُ في أذنِهِ: “أنا بجانبِكَ، وأنتَ تسكنُ روحي”؛ يحتاجُ الإنسانُ إلى شريكٍ يربتُ على كتفِهِ في الملمَّاتِ، ويقدِّرُ تضحياتِهِ قائلًا: “أشعرُ بتعبِكَ وأنتَ أهمُّ ما في حياتي”. وحينما يجفُّ هذا النبعُ الإنسانيُّ داخلَ البيتِ، يصبحُ الطرفُ المحرومُ فريسةً سهلةً لأولِ كلمةٍ براقةٍ تطرقُ بابَهُ، ولو كانتْ من غريبٍ في علاقةٍ آثمةٍ.
ثالثًا: كبرياءٌ زائفٌ واستصغارٌ للمشاعرِ
من الآفاتِ التي تهدمُ البيوتَ فكرةُ أنَّ إظهارَ الحبِّ والاهتمامِ هو نوعٌ من الضعفِ أو “المراهقةِ المتأخرةِ” التي لا تليقُ بوقارِ الكبارِ! هذا الفهمُ المغلوطُ يجعلُ أحدَ الطرفينِ يتعمدُ وأدَ عواطفِهِ والاستخفافَ بمشاعرِ الطرفِ الآخرِ، مما يفرغُ الزواجَ من مضمونِهِ الإنسانيِّ ويحولُهُ إلى مجردِ عقدٍ جافٍ.
رابعًا: فخُّ التجربةِ والإثارةِ العابرةِ
ليستْ كلُّ الخياناتِ ناتجةً عن حرمانٍ عاطفيٍّ أو ضيقٍ ماديٍّ؛ بل إنَّ كثيرًا منها يعودُ إلى شهوةِ “خوضِ التجربةِ الجديدةِ”. ينسجُ الشيطانُ للإنسانِ خيالاتٍ تتأرجحُ بالمتعةِ الزائفةِ، مصوِّرًا لهُ أنَّ حياتَهُ الزوجيةَ باتتْ مملةً وفاشلةً ( رغمَ نجاحِهَا الواقعيِّ ). يبدأُ الأمرُ بدردشةٍ عابرةٍ على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، تليها ابتسامةٌ وتلميحاتٌ، ثم تتطورُ إلى تبادلِ صورٍ خاصةٍ، وتنتهي بلقاءٍ ماديٍّ يسقطُ فيهِ الطرفانِ في بئرِ الرذيلةِ.. كلُّ ذلكَ إرضاءً لفضولٍ شيطانيٍّ يبحثُ عن تجربةٍ محرمةٍ.
خامسًا: غيابُ القناعةِ وسرابُ المقارناتِ
لو أدركَ كلُّ زوجٍ وزوجةٍ بقناعةٍ راسخةٍ أنَّ البشرَ متشابهونَ في جوهرِهِمْ، وأنَّ ما يعجبُهُمْ في الغرباءِ موجودٌ في شركائِهِمْ، لَسَلِمَتِ البيوتُ. لكنَّ غيابَ القناعةِ يجعلُ العيونَ تزوغُ إلى الخارجِ، بتزيينٍ من الشيطانِ الذي يظهرُ الأجنبيَّ في صورةِ الملاكِ الكاملِ، بينما تظهرُ الزوجةُ (أو الزوجُ) مليئةً بالعيوبِ. إنَّ الرضا بما يملكُ الإنسانُ هو صمامُ الأمانِ لكلِّ علاقةٍ ناجحةٍ.
سادسًا: وطأةُ السنينِ وتراكمُ أعباءِ الحياةِ
مع مرورِ الوقتِ وضغوطِ الحياةِ الاقتصاديةِ والمسؤولياتِ اليوميةِ، قد يتسللُ الفتورُ إلى العلاقةِ. ينشغلُ الزوجُ في كفاحِ العيشِ، وتهملُ الزوجةُ تفاصيلَ المشاعرِ، ويظنُّ كلاهما أنَّ تقدمَ العمرِ يعني موتَ العاطفةِ! والحقيقةُ أنَّ المشاعرَ لا تشيخُ، وأنَّ حاجةَ الإنسانِ للاهتمامِ تزدادُ كلما تقدمَ بهِ العمرُ، والزهدُ فيها هو بدايةُ النهايةِ للاستقرارِ الأسريِّ.
طوقُ النجاةِ: أسوارٌ لحمايةِ الميثاقِ الغليظِ
إنَّ بخلَ المشاعرِ هو الرصاصةُ القاتلةُ التي تُجهزُ على الحياةِ الزوجيةِ قبلَ أن تبدأَ رحلتَهَا الحقيقيةَ.
لذلكَ، يجبُ على كلِّ زوجينِ أن يدركا أنَّ الخيانةَ لا تقتصرُ على فعلِ الفاحشةِ فحسبُ، بل إنَّ خيانةَ المشاعرِ وتوجيهَهَا لغيرِ مستحقِّهَا هي طعنةٌ في جسدِ الأسرةِ.
إنَّ الحلَّ يكمنُ في:
١- استحضارِ رقابةِ اللهِ: فالخوفُ من الخالقِ في السرِّ والعلنِ هو الحصنُ الحصينُ ضدَّ الخطواتِ الأولى للغوايةِ.
٢- بناءِ أسوارٍ شخصيةٍ قويةٍ: تمنعُ أيَّ متطفلٍ من تسلُّقِ جدرانِ حياتِنَا واستغلالِ لحظاتِ ضعفِنَا بكلماتٍ براقةٍ.
٣-إحياءِ المودةِ والرحمةِ: عبرَ تقديمِ الاهتمامِ والتجديدِ المستمرِّ كفرضِ عينٍ لاستمرارِ هذا الرباطِ المقدسِ.





