أدب وثقافةقصص قصيرة
حارة الفيسبوك, بقلم: محمد سعد شاهين
حارة الفيسبوك
بقلم: محمد سعد شاهين
كانت الساعةُ قد بلغت ذروة الصفاء في مقهى “الفيشاوي”، والبخورُ يتصاعدُ من الأركان ليرسم في الفضاءِ دوائر غامضة. جلس الكاتبُ في ركنه المعهود، يضعُ نظارته السميكة فوق أرنبة أنفه، وبذلته الكاكية الأنيقة تلتف حول جسده النحيل بوقار لا يحتاج إلى طربوش ليتممه؛ فقد كان وقاره في عينيه وصرامة قلمه “الباركر” وهو يخط الفصل الأخير من ملحمته الجديدة. فجأة، اضطربت الرؤية أمام عينيه، تلاشت وجوه الزبائن القدامى، وذابَ صوتُ أم كلثوم المنبعث من “الراديو” الخشبي، ليحلَّ محله ضجيج إلكتروني صاخب، وأضواء “نيون” تخترق عزلته.
وجد الكاتب نفسه جالساً في مكان يشبه المقاهي لكنه يفتقد روحها، وبجانبه رجل يضع رأسه بين يديه بإحباط باد ، وأمامه جهاز لوحي يلمعُ كأنه مرآة مسحورة. شعر الكاتب بغربة لم تزدها هيبة المكان إلا وحشة، فتنحنح بصوته المتهدج:
_يا بني، أين غاب الزمان؟ وأين ذهبت العطفة التي كنتُ أؤرخ لرجالها؟
رفع الرجل رأسه بدهشة، فحص ملامح الرجل العجوز، فقفز من مكانه كأنما رأى طيفاً من زمن المعجزات:
_أستاذنا؟! هل أنت حقيقة أم أن ضغط ‘الخوارزميات’ قد أفقدني عقلي؟!
تعارفا سريعاً، وأدرك الكاتبُ أنه في “المستقبل”، وأن هذا الرجل هو أحد أحفاده في المهنة؛ كاتبٌ يحاولُ أن ينحتَ في صخرِ هذا الزمن.
حاول الرجل أن يشرح له لغة العصر:
_هنا يا أستاذي، لم تعد الأوراق هي المقياس. هذا هو ‘الفيسبوك’، ميدان الكلمةِ الجديد. هنا يُقاس الأدبُ بـ ‘اللايكات’ و’الريتش'”.
فكّر الكاتب قليلاً، ثم عدّل وضعية نظارته وقال بفضول:
_حسناً، لنجرب أثر كلماتي في نفوسهم. اكتب لهم هذه الجملة من روايتي: (إنَّ العقلَ الذي يُبصرُ الحقيقةَ، لا يُبالي بصخبِ الأوهام، والروحُ التي تذوقت طعمَ الحريةِ، لا تألفُ القيودَ ولو كانت من ذهب).
كتب الرجل الجملة بحماس، ونشرها على صفحته. مرت الدقائقُ ثقيلة، وفجأة ظهر تعليق وحيد ظهر من أحدهم يقول:
_كلام كبير يا فنان، بس إحنا في رحلة مش في حصة لغة عربية!
شعر الكاتبُ بمرارةٍ، فسأل الرجل: _وماذا عنك يا بني؟ أرني بعضَ ما كتبت.
فتح الرجل ملفاً على جهازه، وقرأ له قصةً قصيرة.
ابتسم الكاتب وقال بإعجاب: _رائع! أراك متأثرا بكتابتي، فيها رائحة حارتي وزقاقي.
تنهد الرجل بإحباط:
_نعم يا أستاذي، ولكنها حين تُنشر لا تجمعُ أكثر من عشرة معجبين هم أصدقائي المقربون.. انظر الآن إلى ‘التريند’!
أدار الرجل الجهاز نحوه، ليرى الكاتبُ “منشوراً” لفتاةٍ تضعُ مساحيق تجميل صاخبة، تنظر للمرآة وتكتب جملةً ركيكة: “أنا وبس، والباقي خس”، فإذا بالتفاعلات تصل لمئات الآلاف، والتعليقات تتغزلُ في “فلسفتها” العميقة. وفي منشورٍ آخر، نكتةٌ تافهةٌ عن قطة سقطت في وعاء حليب، حققت تفاعلاً يفوق مبيعات روايات الكاتب الكبير طيلة حياته.
ضحك الكاتبُ ضحكةً مريرة هزت كيانه، وقال بأسلوبٍ ساخرٍ لا يخلو من الحزن: “يا بني، يبدو أن الحرافيش في زمني كانوا يملكون ذائقةً أرقى من ملوك هذا الزمان. لقد استبدلوا ‘القيم’ بـ ‘اللايك’، و’المعنى’ بـ ‘المتعة اللحظية’.
نهض الكاتب بوقاره، ونظر إلى الرجل بأسفٍ قائلاً:
_اصبر يا بني، فالزبدُ يذهبُ جفاءً، وما ينفعُ الناسَ يمكثُ في الأرض.. ولكن حتى يحدث ذلك، اسمح لي أن أعود لـ ‘الفيشاويّ’ القديم، فصمتُ الموتى هناك أعدلُ من ضجيجِ هؤلاء الذين يقدسون التفاهة”.
وتلاشى الكاتبُ في الضبابِ مرةً أخرى، تاركاً الرجل ينظر إلى شاشة جهازه بيأس، وهو يمسحُ دمعة سقطت فوق لوحة المفاتيح





