شعر و أدب

حشرجة في الطريق بقلم.   / زيد الطهراوي 

حشرجة في الطريق بقلم.   / زيد الطهراوي 

حشرجة في الطريق

بقلم.   / زيد الطهراوي

 

 

المدرسون في دورتنا العلمية كبار، فوق الأربعين، وهذا من الحرص على تقديم أصحاب الخبرة والدراسات العليا؛ لعل نبوغ الطلبة يكون على أيدي من طال بهم طريق العلم.

قال لنا أحدهم: أنا في السبعين من عمري، وحاصل على ماجستير في تفسير القرآن العظيم. أخبرتهم أنني مريض ومسن، فأصروا وأصروا، ثم قال بلطفه الكبير: «فرصة لنرى وجوهكم الطيبة».

كان ينمي فينا الملكة؛ فبعد قراءة الآية كان يقول: «ماذا فهمت منها؟» ثم يسرع بتقويم فهمنا بطريقة توقظ الهمة وتشجع النفس.

يحضر وهو متعب، ظاهر في كلامه بعض الحشرجات. لقد تبادل المرض والسن مهمة الفتك بالعظم والعضلات والأعصاب.

واعتدنا على نبرة الصوت المثقلة بغبار الطريق الطويل، ولكننا كنا مستعدين لغياب طارئ في أي محاضرة للمفسر النحرير.

وبعد ما يقرب من شهرين على بدء تدريسه، سمعنا خبر وفاته؛ وجاء مدرس أقوى بنية وأصغر سنًا، مع أنه تجاوز الخمسين.

هنا ازدحم الحزن في خاطري مع سؤال لم أجد له جوابًا: لماذا نتمسك أحيانًا بالخبرة الطويلة، حتى وإن كان صاحبها يتقلب أمامنا من أثقال المرض والسن؟ ومتى يكون الحرص على الانتفاع بخبرة الكبير وفاءً له، ومتى يتحول إلى إرهاق له؟ أهكذا ينبغي أن تدار الأمور بحذافيرها، وإن كان في ذلك إرهاق وشدة؟

رآني صديق والأحزان مكتظة في خاطري، فذكرني بحديث النبي: «إن الله إذا أحب عبدًا عسله»؛ أي وفّقه لعمل صالح ثم قبضه عليه.

فهدأ في نفسي شيء كثير، وتذكرت أن الموت لا يُفسَّر بحادثة واحدة، وأن للإنسان أجله الذي لا يتقدم ولا يتأخر.

لكن بقي في نفسي سؤال آخر: كيف ننتفع بخبرة الكبار، ونكرم ما أفنوا أعمارهم في تحصيله، من غير أن نجعل الخبرة نفسها سببًا لإرهاقهم؟

لعل التكريم الحقيقي لأهل الخبرة ألا نستهلك ما بقي من قوتهم، بل أن نعرف متى نطلب منهم أن يعطوا، ومتى نكتفي بأن نجلس إليهم، ونسمع منهم، ونرى وجوههم الطيبة.

زر الذهاب إلى الأعلى