حواديت وبيوت «صفية»

كتبت د : رانيا يحيي
منذ عام مضى، افتتحت معرضًا بالأكاديمية المصرية للفنون بروما تحت عنوان «بيوت مصرية» للفنانة المبدعة الأستاذة الدكتورة صفية القبانى أول نقيبة للتشكيليين وأول عميدة لكلية الفنون الجميلة، غلبت على المعرض البيئة المصرية من خلال بيوتها المميزة وشخوصها المعبرة عن تلك البيئة، وتعتمد القبانى فى تنويعاتها اللونية على الألوان الصريحة وفى بعض الأحيان الصارخة مما يؤكد على شخصيتها القوية الحازمة، ولوحاتها كثيرًا ما تتسم بالوضوح والتلقائية التى تعكس جانبًا آخر فى تكوينها الإنسانى.
وأتذكر أثناء التنسيق والترتيب للوحات معرضها بروما، بساطتها الشديدة وتيسير كافة متطلباتها وإيجادها دائمًا لحلول بديلة، بكل سهولة، فهكذا عهدى بها، امرأة حديدية غير قابلة للكسر أو الانهزام، تسعى بجدية من أجل الدعم والمساعدة وتشجيع الفعاليات والمعارض. تعاونّا سابقًا فى العديد من الأنشطة مع المجلس القومى للمرأة، سواء مسابقات أو ندوات ومؤتمرات ومعارض تشكيلية تدعم المرأة المصرية ومكتسباتها.
وهذه الأيام افتتحت بالقاهرة معرضها «حواديت» الذى يتناول الحكايات الشعبية والذاكرة البصرية المصرية، واللافت أن فلسفة موضوعاتها غالبًا ما ترتكن على الهوية المصرية من خلال السرد البصرى الملائم للبيئة المصرية بكل تفصيلاتها، وزواياها، ورموزها، حيث يتميز التراث الشعبى المصرى بتيمات تستدعى الحارة، والاحتفالات الشعبية والموالد بزخارفها الإسلامية والقبطية، البيوت، ونهر النيل برمزيته، وهو ما يعكس انتماءها المصرى العميق فى وجدانها.
كما تتسم إبداعاتها بالكثافة والزخم السردى، فتشعر بوجود تفاصيل داخل المنظور البصرى، تتعمد الفنانة المبالغة فى إبرازه، مع حضور زخرفى قوى، تتشبع منه اللوحة فيخلق بداخلها إيقاعًا متسارعًا يقص حكايات مصرية دافئة يمتزج فى ثناياها الحنين. وفى دقة تفصيلاتها العديد من الشخوص، وكأن حياتها المليئة بالذكريات والأحداث تسردها للمتلقى كى يتعرف على فنانة من منظور وجدانى، قبل المعايير التقنية.
أما الحداثة فى أعمالها فهى لا تنفصل عن الروح المصرية الغالبة، أو الطبيعة التى تتأثر بها من خلال سفرياتها للخارج، فتروى بعين المبدع وريشة الفنان تجربتها الذاتية بخبرتها المتراكمة ممن درست على أيديهم فى مدرسة الفنون الجميلة بكل ما تمتلكه من ذخيرة فنية توجت الحياة التشكيلية المصرية على مدار عقود طويلة، فبدا تأثرها بالكبار، لكنها حفرت لنفسها أسلوبًا خاصًا يسهل على المتذوق إدراكه، ويصعب اختلاطه بالآخرين، ما يجعل لوحاتها تتميز بالزحام المنظم والمتعمد والتفاصيل المتقاربة،
وتقسمها أحيانًا فى وحدات يغلب عليها الأشكال ذات البعد الهندسى، ما يجعلك تستنبط أحداثًا وأفكارًا جديدة مع كل حالة تلقى لنفس العمل الفنى، فهى لا ترتكن للفراغ بل لملء اللوحة التى تتحول لخريطة أو مخطوطة، تذكرنى بفن الفسيفساء أو المنمنمات فى دقتها، وأتصور أنها متأثرة فى أعمالها من طبيعة تخصصها الدقيق فى فن الموزاييك والجداريات حيث تتعامل مع كل وحدة صغيرة باعتبارها أيقونة تتشابك مع الأخريات لخلق إبداع متكامل.
صفية القبانى تعتمد على التركيبات اللونية المتمايزة، والطبقات المتراكبة، والألوان التعبيرية الحسية التى تخلق انفعالًا وتعايشًا داخليًا حقيقيًا أثناء الولوج فى عمق الأفكار التى قصدتها فى لحظة إبداعها، بينما تظل الرمزية بين الحين والآخر تقود عين المتلقى لتجاوز ظاهر اللوحة إلى أعماقها الدلالية. وتظل أعمالها درعًا واقية للحفاظ على الهوية المصرية من منظور إبداعى مغاير وأسلوب فنى يغلب عليه ثبات التكوين، والتوازن البنائى للطبيعة أو البيئة بإيقاع هندسى يحدد العلاقة بين الفكرة البسيطة بما تحمله من عمق فلسفى وبين مسطح اللوحة بتقنياتها البديعة فى متعة من الجمال.





