أدب وثقافة

حين أُغلق باب عكا وبقيت غرناطة، ثم عاد الخطر من الشرق

التاريخ من وراء الستار

حين أُغلق باب عكا وبقيت غرناطة، ثم عاد الخطر من الشرق

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

 

لم يكن سقوط عكا سنة 1291 نهاية التاريخ.
كان نهاية فصل.
ففي ذلك العام، سقطت المدينة التي كانت آخر الأبواب الكبرى التي بقي منها الوجود الصليبي في ساحل الشام.
انتهى زمن طويل.
زمن بدأ عندما عبرت الجيوش الأوروبية البحر إلى المشرق، وأقامت ممالك وإمارات، وحاربت من أجل القدس، ثم فقدت القدس، ثم أخذت تتراجع من مدينة إلى أخرى، حتى بقيت عكا.
ثم سقطت عكا.
لكن في اللحظة التي كان فيها آخر باب كبير للفرنجة في المشرق يُغلق، كان هناك باب آخر لا يزال مفتوحًا في أقصى الغرب.
غرناطة.
وهنا تبدأ المفارقة.
بينما كان المماليك يطوون صفحة الوجود الصليبي في الشام، كانت دولة إسلامية صغيرة في الأندلس تدخل قرنًا جديدًا من الصراع والبقاء.
لم تكن غرناطة تملك قوة المماليك.
ولا مساحة الدولة الأيوبية.
ولا جيوش صلاح الدين.
لكنها كانت تملك شيئًا آخر،القدرة على البقاء.
ولهذا قبل أن نعود إلى الشرق، علينا أن نلتفت مرة أخيرة إلى الغرب.
لأن التاريخ في تلك اللحظة لم يكن يتحرك في خط مستقيم.
كان المشرق يغلق بابًا.
والأندلس تتمسك ببابها الأخير.
ثم في الشرق البعيد، كان عدو جديد يستعد للعودة.
عكا تسقط وغرناطة تبقى
حين سقطت عكا سنة 1291م، لم يكن المسلمون قد أنهوا وجودًا صليبيًا في المشرق فحسب.
بل تغيرت صورة البحر المتوسط نفسها.
لم تعد هناك مملكة القدس الصليبية كما عرفها العالم منذ القرن الثاني عشر.
ولا إمارة طرابلس.
ولا سلسلة المدن الساحلية التي كانت تربط المشروع الصليبي بالموانئ الأوروبية.
أما في الأندلس، فقد كان الوضع مختلفًا تمامًا.
فمنذ انهيار دولة الموحدين بعد هزيمتهم في معركة العقاب سنة 1212م، دخلت الأندلس الإسلامية مرحلة جديدة.
تقلصت الأراضي.
وسقطت المدن واحدة تلو الأخرى.
قرطبة.
إشبيلية.
بلنسية.
مرسية.
ثم بقيت دولة بني نصر في غرناطة.
وهكذا، وبينما كان المسلمون يفقدون المدن الكبرى في الأندلس، ظهرت غرناطة باعتبارها آخر دولة إسلامية مستقلة في شبه الجزيرة الإيبيرية.
وكان عليها أن تعيش بين قوتين:
قشتالة من الشمال وبقية العالم الإسلامي من الجنوب.
لكن المسافة بين غرناطة والمغرب لم تكن مجرد مسافة بحرية.
كانت شريان حياة.
غرناطة لم تكن وحدها
خلف مضيق جبل طارق كان المغرب.
وهناك كانت دولة المرينيين قد بدأت تصعد.
وهنا تظهر واحدة من أهم الحقائق التي كثيرًا ما تختصرها كتب التاريخ ،
لم تكن قصة الأندلس في قرنها الأخير قصة غرناطة وحدها.
كانت قصة شبكة من العلاقات بين ،
غرناطة.
والمغرب.
وقشتالة.
وأراچون.
وممالك شبه الجزيرة الإيبيرية الأخرى.
وكان مضيق جبل طارق جزءًا أساسيًا من هذه المعادلة.
فمن يسيطر على المضيق يستطيع التأثير في انتقال الجيوش والرجال والسلع بين شمال إفريقيا والأندلس.
ولهذا لم يكن البحر مجرد ماء يفصل بين ضفتين.
كان طريقًا للحرب.
وطريقًا للتجارة.
وطريقًا لبقاء الدول.
محمد الثاني، الرجل الذي عرف أن غرناطة لا تستطيع القتال وحدها
في السنوات التي سبقت سقوط عكا، كان على عرش غرناطة رجل اسمه:
محمد بن محمد بن يوسف بن نصر.
المعروف بمحمد الثاني، الملقب بالفقيه.
تولى الحكم سنة 1273م، وظل يحكم حتى سنة 1302م.
وهذا يعني أنه كان سلطان غرناطة عندما سقطت عكا.
وكان يعرف جيدًا أن غرناطة لا تستطيع مواجهة قشتالة في حرب مفتوحة إلى ما لا نهاية.
ولهذا اعتمدت سياسته على مزيج شديد التعقيد:
الحرب حين تكون ضرورية ، والدبلوماسية حين تكون أنفع.
كان يفاوض قشتالة.
ويستعين بالمغرب.
ويتحرك في اللحظة المناسبة.
ويحاول أن يحافظ على استقلال غرناطة دون أن يستنزفها في حرب لا تستطيع تحملها.
وهنا تظهر إحدى قواعد التاريخ :
الدول الصغيرة لا تبقى دائمًا لأنها الأقوى، بل أحيانًا لأنها تعرف متى تقاتل ومتى تفاوض.
لكن قشتالة لم تكن تنظر إلى غرناطة باعتبارها دولة عادية
كانت غرناطة بالنسبة للممالك المسيحية في شبه الجزيرة آخر قطعة كبيرة من الأندلس الإسلامية.
ولهذا لم يكن الصراع معها مجرد نزاع حدودي.
كان صراعًا على المستقبل.
كلما تقلصت أراضي المسلمين، أصبحت غرناطة أكثر أهمية.
فالمدينة التي كانت في البداية جزءًا من عالم أندلسي واسع، أصبحت مع مرور الزمن العالم الأندلسي نفسه تقريبًا.
ومن هنا بدأت المفارقة الكبرى.
كلما صغرت الدولة ،زادت قيمتها السياسية.
وفي المغرب، كان المرينيون يحاولون عبور البحر
بعد سقوط الموحدين، برز بنو مرين في المغرب.
وكان سلطانهم أبو يوسف يعقوب من أبرز من حاولوا التدخل في الأندلس.
لم يكن الأمر مجرد نجدة عسكرية.
كان هناك صراع على مضيق جبل طارق، وعلى المدن الساحلية، وعلى إمكانية نقل القوة من المغرب إلى الأندلس.
وفي النصف الثاني من القرن الثالث عشر، عبرت جيوش مغربية إلى الأندلس أكثر من مرة.
لكن المشكلة كانت أن التحالفات داخل شبه الجزيرة الإيبيرية كانت تتغير باستمرار.
قشتالة قد تدخل حربًا مع غرناطة.
ثم تتحول المصالح.
وقد تتحالف قوة مسيحية مع قوة مسيحية أخرى في لحظة، ثم تتقاتلان في لحظة أخرى.
وهكذا لم يكن الصراع ، مسلمين ضد مسيحيين فقط.
بل كان شبكة معقدة من المصالح الملكية والإقطاعية والتجارية.
وهذا مهم جدًا لفهم السنوات الأخيرة من الأندلس.
معركة المضيق
كان مضيق جبل طارق أحد أهم مفاتيح هذه المرحلة.
وفي سنة 1292م، بعد سقوط عكا بعام واحد تقريبًا، تمكنت قشتالة في عهد سانشو الرابع من الاستيلاء على طريف.
وكان سقوط طريف حدثًا بالغ الأهمية.
لأنها تقع عند مدخل المضيق تقريبًا.
ومن يملك طريف يستطيع أن يراقب جزءًا مهمًا من حركة العبور بين المغرب والأندلس.
وهنا أدركت غرناطة أن المشكلة لم تعد في قشتالة وحدها.
بل في أن يتحول المضيق نفسه إلى سلاح ضدها.
ولهذا جاءت المواجهة المغربية القشتالية في السنوات التالية.
وحاول المرينيون استعادة زمام المبادرة.
لكن الصراع لم يكن يسير دائمًا كما أرادوا.
وفي الشرق كان شيء آخر يحدث
وهنا نترك غرناطة قليلًا.
ليس لأن قصتها انتهت.
بل لأن التاريخ لم يكن ينتظر.
بينما كان محمد الثاني يحاول إبقاء غرناطة واقفة،كان المماليك قد أصبحوا أصحاب اليد العليا في مصر والشام.
سقطت عكا.
انتهى الوجود الصليبي الكبير.
لكن هل انتهى الخطر؟
أبدًا.
ففي الشرق، كانت دولة المغول الإيلخانيين لا تزال قائمة.
وكانت هناك أرض شاسعة تمتد من فارس إلى العراق، ويجلس على رأسها حكام ينتمون إلى سلالة هولاكو.
ثم حدث تغير مهم جدًا.
تغير سيعيد رسم الصراع كله.
المغول يدخلون الإسلام، لكن الحرب لا تنتهي
في سنة 1295م، اعتنق السلطان الإيلخاني غازان الإسلام.
وكان لهذا التحول أثر بالغ.
لأن الصراع بين المماليك والإيلخانيين لم يعد يمكن تفسيره ببساطة على أنه صراع بين المسلمين والمغول.
فالمغول أنفسهم أصبح بينهم مسلمون.
وأصبح غازان سلطانًا مسلمًا.
لكن اعتناق الإسلام لم ينهِ الصراع السياسي.
وهنا تكمن إحدى مفارقات التاريخ .
قد يتغير الدين الذي يعلنه الحاكم، لكن المصالح السياسية للدول لا تتغير بالسرعة نفسها.
كان الصراع على العراق والشام والنفوذ في المنطقة مستمرًا.
وكانت حدود الدول هي التي تحدد القرار.
غازان يتجه إلى الشام
في أواخر القرن الثالث عشر، بدأ غازان يستعد لمواجهة المماليك.
وكانت دمشق والشام مرة أخرى في قلب الصراع.
وهنا يعود بنا التاريخ إلى المشهد الذي عرفناه قبل عقود.
المغول.
الشام.
المماليك.
لكن هذه المرة لم يكن هولاكو هو قائد المغول.
ولم يكن قطز يقف أمامهم.
ولم يكن المشهد سنة 1260.
لقد تغير الجيل.
وتغيرت الأسماء.
لكن الصراع نفسه عاد.
وفي سنة 1299م دخلت قوات غازان الشام.
وانتصر الإيلخانيون في وادي الخزندار قرب حمص.
وكانت هذه ضربة قوية للمماليك.
ودخل المغول دمشق.
وبدا للحظة أن التاريخ قد يعود إلى الوراء.
كأن مشهد بغداد والشام القديم يوشك أن يتكرر.
لكن المماليك لم يكونوا قد انتهوا.
المماليك يتراجعون ثم يعودون
عاد السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون إلى مصر.
وكانت الدولة تمر بمرحلة صعبة.
فبعد وفاة الأشرف خليل سنة 1293م، دخلت الدولة في اضطرابات سياسية متتابعة.
تعاقب السلاطين.
وتنافس الأمراء.
وتدخلت القوى العسكرية في الحكم.
وكان الناصر محمد نفسه قد تولى السلطنة أكثر من مرة قبل أن يستقر له الأمر في ولايته الثالثة سنة 1310م.
لكن الخطر الخارجي كان يفرض نفسه.
فالمماليك يعرفون معنى أن يصل المغول إلى دمشق.
لقد حدث ذلك من قبل.
ولم يكونوا مستعدين لأن يسمحوا بتكرار التاريخ.
وهنا تتقاطع قصتان
في الغرب ،
غرناطة تحاول البقاء.
وفي الشرق ،
المماليك يحاولون حماية الشام.
في الغرب ،
قشتالة تقترب.
وفي الشرق ،
المغول يقتربون.
في الغرب ،
البحر هو شريان الحياة.
وفي الشرق ،
البر والشام هما ميدان الصراع.
وفي الحالتين كانت هناك دولة أصغر من خصومها، لكنها تحاول أن تمنع التاريخ من ابتلاعها.
غرناطة في الغرب.
ودولة المماليك في الشرق.
لكن الفرق كان هائلًا.
فالمماليك كانوا يملكون مصر.
ومصر كانت خزينة وجيشًا وميناءً وعمقًا استراتيجيًا.
أما غرناطة فكانت محاصرة بين القوى الكبرى في شبه الجزيرة والمغرب.
ولهذا كان مستقبل كل منهما مختلفًا.
غرناطة تنظر إلى المغرب والمغرب ينظر إلى المضيق .
في الأندلس، لم تكن المعركة على المدن فقط.
كانت على الطرق.
وعلى الموانئ.
وعلى المضائق.
وعلى القدرة على وصول المدد.
فإذا استطاعت قشتالة أن تمنع وصول المساعدة المغربية، أصبحت غرناطة أكثر عزلة.
وإذا استطاعت غرناطة والمغرب الاحتفاظ بممرات البحر، بقيت هناك إمكانية للمقاومة.
ولهذا ظل مضيق جبل طارق واحدًا من أهم مفاتيح تاريخ الأندلس في قرونها الأخيرة.
لم يكن مجرد مضيق.
كان بوابة.
ومن يملك البوابة يستطيع أن يقرر من يدخل ومن يخرج.
لكن الغرب كان قد تغير
منذ سقوط الأندلس الكبرى، لم تعد المدن الإسلامية قادرة على استعادة ما فقدته بسهولة.
كان ميزان القوى يتحرك تدريجيًا.
قشتالة تتوسع.
أراغون تتوسع في اتجاهات أخرى.
البرتغال تتقدم.
وممالك الشمال أصبحت أكثر تنظيمًا.
وفي المقابل، كانت غرناطة تعتمد على الدبلوماسية والتحالفات والصراعات بين خصومها.
ولهذا بقيت.
لا لأنها استعادت الأندلس.
بل لأنها استطاعت أن تمنع سقوط نفسها.
وهذه نقطة فارقة.
من عكا إلى غرناطة، قرن من التحول
تأملوا المشهد.
سنة 1187م صلاح الدين ينتصر في حطين.
وتسقط القدس.
ثم تأتي الحملة الصليبية الثالثة.
وتستعيد عكا.
وتصبح عكا قلب المملكة الصليبية الأخيرة.
ثم تمر عقود.
يسقط المرقب.
وتسقط اللاذقية.
وتسقط طرابلس.
ثم يموت قلاوون.
ويأتي الأشرف خليل.
ثم تسقط عكا سنة 1291م.
وفي الوقت نفسه تقريبًا كانت غرناطة لا تزال واقفة.
وكأن التاريخ نقل الشعلة من مدينة إلى أخرى.
سقطت عكا وبقيت غرناطة.
لكننا لو نظرنا أعمق سنكتشف أن هناك فرقًا جوهريًا.
عكا كانت جزءًا من مشروع أوروبي جاء إلى المشرق.
أما غرناطة فكانت آخر بقايا مشروع حضاري إسلامي عاش في الأندلس قرونًا طويلة.
ولهذا كان سقوطها، عندما جاء بعد ذلك بقرنين تقريبًا، شيئًا مختلفًا تمامًا.
لكننا لن ننتظر سقوط غرناطة
وهنا يجب أن نتوقف.
لأن سلسلة التاريخ لا تعني أن نعيش داخل المكان نفسه حتى نهايته.
لقد عرفنا مصير الأندلس.
وعرفنا كيف أصبحت غرناطة وحدها.
وعرفنا كيف بدأت تختنق.
وعرفنا كيف انقسمت.
وعرفنا كيف ثارت البشرات.
وعرفنا كيف عاد الجبل إلى الثورة.
ثم عدنا إلى الشرق.
والآن، آن أوان إغلاق باب الغرب الأندلسي في سلسلتنا.
ليس لأن قصة الأندلس انتهت سنة 1291.
بل لأننا نعرف أنها ستستمر قرونًا بعد ذلك.
وستظل غرناطة واقفة حتى سنة 1492م.
لكننا لن نجعل السلسلة تدور حول النهاية وحدها.
سنترك غرناطة وهي لا تزال حية.
وسنعود إلى المكان الذي كان يتشكل فيه خطر آخر.
المشرق.
لماذا نعود إلى الشرق الآن؟
لأن سقوط عكا غيّر السؤال.
قبل سقوطها كان السؤال ،
كيف ينتهي الوجود الصليبي في الشام؟
وأصبح السؤال بعد سقوطها ،
كيف تحمي دولة المماليك العالم الذي أصبح تحت يدها؟
مصر.
الشام.
الحجاز.
القدس.
طرق التجارة.
البحر الأحمر.
والحدود الشمالية والشرقية.
كل ذلك أصبح داخل دائرة الدولة المملوكية.
لكن الدولة التي أصبحت أقوى بعد سقوط عكا لم تكن دولة بلا أعداء.
ففي الشرق المغول لم يختفوا.
وفي الأناضول كانت كيانات جديدة تتحرك.
وفي الشمال كانت القوى التركية تتغير.
وفي الداخل كان صراع الأمراء على السلطنة مستمرًا.
وفي الاقتصاد كانت طرق التجارة العالمية تتحول ببطء.
وفي المجتمع كانت المنطقة مقبلة على أزمات لم يكن أحد يعرف حجمها بعد.
ثم كان هناك شيء آخر سيغير العالم.
الوباء.
لكن قبل الوباء ، كان على المماليك أن يخوضوا معركة جديدة مع المغول.
غازان ليس هولاكو لكن الخطر عاد
وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات إثارة في التاريخ.
المغول الذين أسقطوا بغداد سنة 1258م هم أنفسهم تقريبًا الذين سيعودون إلى الشام بعد أكثر من أربعين عامًا.
لكنهم عادوا هذه المرة في دولة مختلفة.
وحكام مختلفين.
وإسلام غازان لم يمنع الحرب.
ففي سنة 1300م عاد المغول إلى الشام.
وتكررت محاولات غازان الضغط على المماليك.
ثم جاءت اللحظة التي احتاج فيها المماليك إلى أن يثبتوا أن سقوط عكا لم يكن بداية نهاية دولتهم، بل بداية مرحلة جديدة.
وكانت المواجهة القادمة ستضع الشام مرة أخرى في قلب التاريخ.
ومن هنا سنعود إلى الشرق
لن نعود هذه المرة إلى بغداد وحدها.
سنعود إلى ،،،
دمشق.
وحلب.
ومصر.
والأناضول.
والمغول.
والمماليك.
وسنرى دولة المماليك بعد أن تحولت من قوة صاعدة إلى القوة الرئيسية في المشرق الإسلامي.
لكننا سنكتشف أيضًا أن القوة التي تبدو في قمة مجدها يمكن أن تحمل في داخلها بذور أزمتها.
فبعد سقوط عكا ، بدأ عصر جديد.
عصر الناصر محمد.
وعصر صراع الأمراء.
وعصر ازدهار القاهرة ودمشق.
وعصر المواجهة الأخيرة مع الإيلخانيين.
ثم عصر الأوبئة.
ثم تغيرات اقتصادية وتجارية هائلة.
ثم ظهور قوى جديدة في الأناضول.
ثم ،،،،
عثمانيون.
ثم نهاية المماليك.
لكننا لم نصل إلى هناك بعد.
فما زال أمامنا طريق طويل.
من وراء الستار…
التاريخ لا يتحرك دائمًا من الشرق إلى الغرب.
ولا من الغرب إلى الشرق.
أحيانًا يسقط باب في عكا، بينما تبقى نافذة مفتوحة في غرناطة.
وأحيانًا تنهار دولة في بغداد، بينما تنشأ دولة أخرى في القاهرة.
وأحيانًا يعتنق الغازي دين خصمه، ثم تستمر الحرب.
لأن التاريخ لا تصنعه العقائد وحدها.
ولا السيوف وحدها.
بل تصنعه أيضًا:
المصالح.
والحدود.
والتجارة.
والتحالفات.
والبحار والمضائق.
وقدرة الدول على البقاء.
في الغرب بقيت غرناطة بعد سقوط عكا أكثر من مئتي عام.
وفي الشرق بقي المماليك أمام المغول.
لكن شيئًا مهمًا كان قد انتهى.
انتهى عصر عكا.
وانتهى معه الوجود الصليبي الكبير في ساحل الشام.
ومن هنا،نغلق باب الغرب الأندلسي في رحلتنا مؤقتًا.
لا لأن غرناطة سقطت.
بل لأننا تركناها وهي لا تزال تقاوم.
ونعود إلى الشرق.
إلى دولة المماليك التي خرجت من عكا وهي أقوى مما كانت.
لكنها ستكتشف قريبًا أن أخطر اختبار لها لم يكن قد انتهى.
فالمغول الذين وقفوا أمام قطز وبيبرس عند عين جالوت،عادوا.
هذه المرة بقيادة رجل مسلم اسمه غازان.
وخلفه جيش يريد دمشق.
وأمامهم المماليك.
وفي الطريق،معركة ستقرر مرة أخرى من يملك الشام؟
وهنا نعود إلى الشرق.
حين عاد المغول إلى الشام.

زر الذهاب إلى الأعلى