حين عاد الجبل إلى الثورة
بقلم / محمد مصطفى كامل
بعد سبعين عامًا من سقوط غرناطة، البشرات تشتعل من جديد، والموريسكيون يخوضون معركتهم الأخيرة من أجل البقاء
في المقالات الأخيرة، تركنا المشرق وسافرنا غربًا.
عبرنا البحر.
ودخلنا الأندلس في سنواتها الأخيرة.
رأينا غرناطة وهي تبقى وحدها بعد سقوط المدن الكبرى، ثم رأيناها تختنق، ثم تسقط في الثاني من يناير سنة 1492.
لكن سقوط غرناطة لم يكن نهاية الحكاية.
فقد بقي خلف أسوارها مجتمع مسلم كامل.
وفي البداية كانت هناك عهود.
ثم انكسرت العهود.
ثم جاءت التحويلات القسرية.
ثم اختفى المسلم قانونيًا من مملكة غرناطة، وظهر بدلًا منه الموريسكي؛ إنسان يعيش رسميًا كمسيحي، بينما ظلت ذاكرة الإسلام حاضرة في أجزاء من المجتمع بدرجات مختلفة.
ثم جاء الصمت.
سنوات طويلة من الضغط والمراقبة ومحاولات تغيير اللغة والعادات والملابس وأنماط الحياة.
حتى ظن أصحاب السلطة أن القضية انتهت.
لكنهم اكتشفوا أن الجبل لم ينسَ.
وفي سنة 1568م عاد الجبل إلى الثورة.
سبعون عامًا لم تكن كافية
كان الزمن قد تغيّر.
لم تعد غرناطة دولة إسلامية.
ولم يعد هناك سلطان مسلم في قصر الحمراء.
ولم يعد المسلمون يملكون جيشًا أو مؤسسات دولة.
لكن أحفاد أولئك الذين عاشوا في غرناطة قبل سقوطها كانوا لا يزالون هناك.
كانوا يعيشون تحت اسم جديد:
الموريسكيون.
ومنذ التحويلات الإجبارية في أوائل القرن السادس عشر، أصبح عليهم أن يعيشوا وفق هوية مسيحية رسمية.
لكن السلطات لم تكن مطمئنة إلى أن التحول الرسمي يعني بالضرورة تحولًا كاملًا في الحياة الخاصة.
فبدأت الرقابة.
وأصبحت العادات نفسها موضع اشتباه.
اللغة العربية.
الملابس.
الأطعمة.
الاحتفالات.
الأسماء.
حتى بعض تفاصيل الحياة اليومية.
وهنا بدأ الصراع ينتقل من الدين إلى الهوية.
القرار الذي أشعل النار
في سنة 1567 أصدرت السلطات الإسبانية مجموعة من الإجراءات عُرفت في سياقها باسم مرسوم براغماتية 1567.
وكان الهدف منها تشديد عملية الاندماج الديني والثقافي للموريسكيين.
فلم تعد القضية مجرد:
هل أنت مسيحي أم مسلم؟
بل أصبحت:
كيف تتحدث؟
كيف تلبس؟
كيف تعيش؟
ما اللغة التي تستخدمها داخل بيتك؟
ما العادات التي تحتفظ بها؟
وهنا وصلت المسألة إلى منطقة شديدة الحساسية.
فالدولة لم تعد تراقب العقيدة وحدها.
بل بدأت تقترب من تفاصيل الحياة الخاصة.
وكان ذلك بالنسبة إلى مجتمع يحمل ذاكرة قرون من الوجود الإسلامي بمثابة خنق تدريجي للهوية.
البشرات تتذكر
كانت البشرات مكانًا مناسبًا للتمرد.
جبال وعرة.
قرى متناثرة.
ودروب يصعب على الجيوش الكبيرة السيطرة عليها بسرعة.
والمجتمع الموريسكي في هذه المنطقة كان يحتفظ بقدر أكبر من الخصوصية الاجتماعية مقارنة بالمراكز الحضرية الكبرى.
ولذلك عندما اندلعت الثورة سنة 1568، لم يكن اختيار الجبال عشوائيًا.
كانت الجبال تمنح المتمردين شيئًا لا تستطيع المدن أن تمنحهم إياه:
المساحة.
مساحة للاختباء.
ومساحة للحركة.
ومساحة لإطالة الحرب.
وهكذا بدأت البشرات تتحول مرة أخرى إلى قلب المقاومة.
رجل خرج من الذاكرة
وفي قلب الأحداث ظهر رجل اسمه:
فرناندو دي فالور.
لكنه سيُعرف بين أتباعه باسم:
ابن أمية.
لم يكن الاسم مجرد لقب.
كان استدعاءً لذاكرة سياسية قديمة.
فالموريسكيون الذين عاشوا بعد سقوط غرناطة لم يكونوا ينسون بسهولة أنهم أحفاد مجتمع كان له ملك ودولة وسلطان.
وفي سنة 1568 أُعلن ابن أمية قائدًا للثورة، وبدأت محاولة بناء قيادة تجمع المتمردين.
وكانت الرسالة واضحة:
إذا لم تعد الدولة الإسلامية القديمة، فعلى الأقل يجب أن تكون هناك مقاومة ترفض أن تختفي الهوية تحت ضغط السلطة.
من تمرد إلى حرب
لم تبقِ الثورة مجرد حركة محلية صغيرة.
اتسعت رقعتها في مناطق من البشرات ومملكة غرناطة.
وتزايد عدد المشاركين فيها.
وأصبحت السلطات أمام حرب جبلية حقيقية.
لكن المتمردين لم يكونوا دولة.
وهذه كانت مشكلتهم الكبرى.
لم تكن لديهم موارد دولة مستقرة.
ولا جيش نظامي كبير.
ولا خطوط إمداد ثابتة.
ولا قيادة موحدة تمامًا.
وكانت بينهم خلافات سياسية وعائلية ومناطقية.
وبينما كانت الجبال تمنحهم ميزة، كانت الدولة تملك شيئًا أخطر:
الوقت والموارد والقدرة على استدعاء قوات أكبر.
والسلطة لا تنظر إلى الجبل وحده
كانت إسبانيا في ذلك الوقت دولة كبرى في أوروبا.
وكانت تخوض صراعات في أكثر من اتجاه.
وفي البحر المتوسط كانت تواجه قوة عثمانية كبرى.
وفي أوروبا كانت المصالح والصراعات لا تتوقف.
ولهذا لم تكن ثورة البشرات بالنسبة إلى مدريد مجرد مشكلة محلية.
كان هناك خوف من أن يتحول المتمردون إلى نقطة اتصال مع قوى خارجية، خصوصًا مع وجود الدولة العثمانية في البحر المتوسط وشمال أفريقيا.
وهنا أصبحت البشرات جزءًا من حسابات أكبر من حجمها الجغرافي.
ابن أمية، ثم السقوط من الداخل
لكن الثورات لا تهزم دائمًا بالسيف.
أحيانًا يبدأ سقوطها من داخلها.
ومع استمرار الحرب ظهرت خلافات بين قادة الموريسكيين.
وكان ابن أمية نفسه ضحية لصراع داخلي انتهى باغتياله سنة 1569.
وهذه اللحظة كانت خطيرة.
فالثورة التي تحتاج إلى قيادة موحدة فقدت أحد رموزها الرئيسيين.
ثم انتقلت القيادة إلى أبن عبو، الذي واصل المقاومة.
لكن المشكلة الأساسية بقيت ،
كيف يمكن لمجتمع محاصر أن يخوض حربًا طويلة ضد دولة تملك جيشًا وموارد أكبر بكثير؟
عندما دخلت الدولة الحرب بكل ثقلها
مع استمرار الثورة، اتجهت السلطات إلى استخدام قوات أكثر تنظيمًا.
وأُرسلت حملات عسكرية متتابعة إلى مناطق التمرد.
ثم جاء دون خوان النمساوي، الأخ غير الشقيق للملك فيليب الثاني، ليتولى القيادة العامة للحملة الملكية في المرحلة الحاسمة.
وهنا تغير ميزان الحرب.
لم تعد السلطة تتعامل مع التمرد باعتباره اضطرابًا محليًا يمكن احتواؤه.
بل باعتباره حربًا يجب إنهاؤها.
بدأت القرى تُهاجم.
وتعرض السكان للتهجير.
وتحركت القوات بين مناطق الجبال.
وأصبح المدنيون أنفسهم جزءًا من المأساة.
فالحرب الجبلية عندما تطول، لا تبقى بين المقاتلين وحدهم.
إنها تدخل البيوت.
وتقطع طرق الطعام.
وتدمر الاقتصاد المحلي.
وتجعل السكان يدفعون ثمن الصراع، سواء شاركوا فيه أم لم يشاركوا.
لم تكن كل الوجوه متشابهة
ومن المهم ألا نختصر المشهد في صورة واحدة.
فليس كل الموريسكيين حملوا السلاح.
وليس كل من شارك في الثورة كان يتحرك للأسباب نفسها.
بعضهم قاتل دفاعًا عن الدين والهوية.
وبعضهم قاتل رفضًا للاضطهاد والقيود.
وبعضهم دخل الثورة لأنه وجد نفسه داخل مجتمع ثائر.
وبعضهم حاول الابتعاد عن الحرب.
كما أن موقف السلطات لم يكن واحدًا في كل لحظة أو مكان.
فقد ظهرت أحيانًا محاولات للتفاوض والاستسلام، لكن الحرب عندما طالت جعلت مساحة الحل السياسي أضيق.
وهكذا تحولت البشرات إلى دوامة ،
تمرد، وقمع، ثم تمرد، ثم قمع أشد.
النهاية التي لم تكن في الجبل
بحلول سنة 1570–1571 كانت الثورة قد وصلت إلى نهايتها العسكرية.
وسقطت آخر مراكز المقاومة تباعًا.
وانتهت الثورة الكبرى.
لكن السلطة لم تكتفِ بإخماد التمرد.
لقد اتخذت قرارًا سيغير وجه المجتمع الموريسكي في مملكة غرناطة إلى الأبد.
الترحيل الداخلي.
فبدل أن يبقى الموريسكيون في المناطق التي عاش فيها آباؤهم وأجدادهم، جرى ترحيل أعداد كبيرة منهم إلى مناطق أخرى داخل أراضي التاج الإسباني.
وهكذا فُكك المجتمع.
الجبل الذي كان يحميهم لم يعد لهم.
والقرى التي حملت ذاكرة قرون بدأت تخلو من أهلها.
والهدف لم يكن عسكريًا فقط.
كان اجتماعيًا أيضًا ،
تفكيك البيئة التي تسمح بعودة التمرد.
غرناطة لم تسقط مرة واحدة
وهنا نصل إلى واحدة من أهم نقاط هذه القصة.
غرناطة سقطت سنة 1492.
لكن آثار سقوطها استمرت قرنًا كاملًا.
وفي كل مرحلة كانت تسقط طبقة جديدة ،
سقطت الدولة.
ثم سقطت الحماية القانونية.
ثم سقط الحق في ممارسة الإسلام علنًا.
ثم بدأت اللغة والعادات تُحاصر.
ثم جاءت الثورة.
ثم جاء الترحيل.
ثم بقي الموريسكيون بعد ذلك يعيشون تحت رقابة أشد.
إذن لم تكن غرناطة قد سقطت في يوم واحد.
كانت تسقط على مراحل.
وما الذي بقي؟
بعد سحق الثورة، لم تختفِ القضية الموريسكية.
بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا.
فالدولة أرادت مجتمعًا متجانسًا دينيًا.
لكن الواقع الاجتماعي كان أكثر تعقيدًا.
كانت هناك أجيال جديدة ولدت بعد التحويلات القسرية.
لم تعرف الدولة الإسلامية القديمة إلا من خلال ذاكرة الآباء والأجداد.
وكان بعض الموريسكيين قد اندمج فعلًا في المجتمع المسيحي.
وكان آخرون يحاولون الحفاظ على جوانب من تراثهم.
وكانت السلطة تنظر إلى هذا المجتمع بريبة مستمرة.
وهكذا أصبح الموريسكي يعيش بين عالمين ،
هوية رسمية مفروضة، وذاكرة ثقافية لم تختفِ بالكامل.
وبعد البشرات لم تعد القضية أندلسية فقط
انتهت الثورة.
لكن السؤال بقي !!!
ماذا تفعل دولة عندما تعجز عن تغيير مجتمع كامل بالقرارات والقوة؟
هل تزيد الضغط؟
هل تمنح فرصة جديدة للاندماج؟
هل ترحّل الناس؟
أم تحاول اقتلاع المشكلة من جذورها؟
كانت الإجابة ستأتي بعد عقود.
وفي بداية القرن السابع عشر، سيصدر القرار الذي سيضع النهاية الكبرى لهذه القصة ،،،،
طرد الموريسكيين.
لكن ذلك لم يحدث مباشرة بعد ثورة البشرات.
كان لا يزال أمام التاريخ عقود أخرى.
ومن هنا نعود إلى المشرق
وهنا نطوي صفحة الأندلس مؤقتًا.
لا لأن الحكاية انتهت.
بل لأننا تركنا في المشرق حكاية أخرى لم نكملها.
قبل أن نعبر البحر إلى غرناطة، كنا قد تركنا العالم الإسلامي في قلب صراع آخر.
تركنا المماليك بعد أن خرجوا من رحم الفوضى، وأسقطوا الخطر المغولي في عين جالوت، وأعادوا الخلافة العباسية إلى القاهرة، ثم صنع الملك الظاهر بيبرس دولة قوية أخذت على عاتقها مواجهة المغول والصليبيين.
ثم جاء بعد بيبرس المنصور قلاوون.
ومع قلاوون بدأت مرحلة جديدة.
مرحلة ستقترب فيها الدولة المملوكية من آخر معاقل الوجود الصليبي في الساحل الشامي.
وفي الوقت الذي كانت فيه البشرات تشتعل في أقصى الغرب الإسلامي،
كانت هناك مدينة أخرى في المشرق تنتظر دورها.
مدينة ستسقط بعد سنوات من الحصار.
مدينة اسمها ،
عكّا.
لكن قبل أن نصل إلى عكا، علينا أن نعود خطوة إلى الوراء.
إلى الرجل الذي ورث دولة بيبرس ،
وإلى السنوات التي أعاد فيها قلاوون ترتيب البيت المملوكي، وواجه المغول، وضرب الإمارات الصليبية، وفتح الطريق نحو آخر معاقل الفرنجة.
من وراء الستار…
ربما يكون أعظم ما تكشفه قصة البشرات أن سقوط الدول لا يعني بالضرورة اختفاء المجتمعات.
قد يسقط القصر.
وقد يتغير العلم.
وقد يموت آخر سلطان.
لكن الناس يستمرون.
يولد جيل جديد.
يحمل ذاكرة الجيل القديم.
وقد ينسى بعضهم.
وقد يتكيف آخرون.
وقد يقاوم فريق ثالث.
لكن آثار السقوط لا تختفي بمجرد توقيع وثيقة.
وهكذا بقيت غرناطة حاضرة بعد أن اختفى سلطانها.
وبقيت البشرات شاهدة على أن الجبل يستطيع أن يحمل ذاكرة مدينة سقطت قبل عقود.
لكن الجبال، مهما صمدت، لا تستطيع وحدها أن تعيد دولة سقطت.
وهنا ينتهي فصلنا الأندلسي المؤقت.
لقد رأينا كيف انتهت آخر دولة إسلامية في الأندلس، وكيف تحولت الهزيمة العسكرية إلى صراع طويل على الهوية، وكيف عاد الجبل إلى الثورة بعد سبعين عامًا.
والآن،سنطوي صفحة الغرب قليلًا.
ونعبر البحر من جديد.
إلى المشرق.
إلى مصر والشام.
إلى دولة المماليك.
إلى قلاوون.
ثم إلى المدينة التي كانت لا تزال ترفع راية الصليبيين على ساحل الشام ،
عكّا.
وهناك سنرى كيف بدأت آخر صفحات الوجود الصليبي في المشرق تُكتب.








