أدب وثقافةالدين و الحياةصدى مصرمقالات

حين بدأت الخلافة تستعيد نفسها

التاريخ من وراء الستار

حين بدأت الخلافة تستعيد نفسها

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

ننتقل في الجزء إلى مرحلة أكثر تعقيدًا؛ لأننا سنجعل الناصر لدين الله هو محور المشهد في بغداد، لكننا لن نبقَ معه طوال الوقت. سنقفز إلى الأيوبيين في مصر والشام، ثم إلى الخوارزميين في الشرق، ثم إلى الأندلس، ثم نعود إلى بغداد، حتى تتضح المفارقة الكبرى، بينما كانت الخلافة تستعيد هيبتها، كان العالم من حولها يستعد لزلزال أكبر من قدرتها على الاحتواء.

حين بدأت الخلافة تستعيد نفسها

الناصر لدين الله، حين حاولت بغداد أن تصبح مركز اللعبة من جديد

في الجزء السابق تركنا بغداد أمام سؤال خطير،

إذا لم يعد الخليفة قادرًا على حكم العالم الإسلامي بالسيف فهل يستطيع أن يحكم تأثيره بالشرعية؟

كان الجواب عند رجل واحد،

الناصر لدين الله.

لكن الناصر لم يصل إلى بغداد ليجلس على عرش فقد معظم قوته ثم يكتفي بالبكاء على الماضي.

لقد جاء إلى الخلافة وفي ذهنه مشروع.

مشروع مختلف عن مشروع الخلفاء الذين سبقوه.

لم يكن يريد أن يعيد دولة هارون الرشيد كما كانت.

كان يعرف أن الزمن تغير.

والدول تغيرت.

والسلاطين أصبحوا أقوى.

والعالم الإسلامي لم يعد تحت مركز سياسي واحد.

لذلك قرر أن يلعب اللعبة بطريقة أخرى.

إذا لم تستطع بغداد أن تحكم الجميع فعلى الأقل يجب أن تجعل الجميع يحسب حسابها.

وهنا تبدأ قصة الناصر.

بغداد، الخليفة الذي لم يرضَ أن يكون شاهدًا

سنة 575هـ/1180م.تولى الناصر لدين الله الخلافة.

وفي الظاهر كانت الخلافة العباسية قد استعادت شيئًا كبيرًا من استقلالها.

لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا.

كان نفوذ الخليفة قويًا في العراق.

أما خارج العراق، فكان هناك سلاطين وأمراء يملكون جيوشهم وبلادهم.

في مصر والشام كانت قوة صلاح الدين الأيوبي تتسع.

وفي الشرق،كان الخوارزميون يصعدون.

وفي الشمال والغرب،كانت القوى المختلفة تعيد رسم خريطة العالم الإسلامي.

أما بغدا،فكانت تحاول أن تكون أكثر من عاصمة إقليمية.

كانت تريد أن تبقى قلب الخلافة.

وهذا يعني أن الناصر لم يكن أمامه خيار واحد.

كان عليه أن يستخدم كل ما يملك:

الدين، السياسة، الدبلوماسية، الرمزية والتحالفات.

لكن في القاهرة كان رجل آخر يصنع التاريخ

دعونا نترك بغداد.

فالناصر لم يكن وحده في صناعة هذه المرحلة.

في مصر والشام،كان صلاح الدين قد أصبح القوة الكبرى.

بعد أن أنهى الخلافة الفاطمية سنة 567هـ/1171م، أصبحت مصر جزءًا من المجال السياسي السني الذي ارتبط اسميًا بالخلافة العباسية.

وكان هذا بالنسبة إلى بغداد مكسبًا سياسيًا ورمزيًا هائلًا.

فبعد قرون من وجود خلافة فاطمية منافسة،عادت الخطبة في مصر للخليفة العباسي.

لكن هناك مفارقة لا ينبغي أن تفوتنا،

كلما ازداد صلاح الدين قوة، أصبحت بغداد أقوى من الناحية الرمزية وأصبح صلاح الدين أقوى من الناحية السياسية والعسكرية.

وهنا ظهر توازن دقيق.

الخليفة يمتلك الشرعية.

وصلاح الدين يمتلك القوة.

والعالم الإسلامي يحتاج الاثنين.

صلاح الدين، والسيف الذي أعاد رسم الخريطة

لم يكن مشروع صلاح الدين قائمًا على مصر وحدها.

كان يريد توحيد مصر والشام.

ثم مواجهة الصليبيين.

وبالفعل أصبحت قوته تتسع.

وفي سنة 583هـ/1187م وقعت معركة حطين.

وكانت النتيجة هائلة.

انهارت قوة صليبية كبيرة.

ثم استعاد صلاح الدين القدس.

وهنا، لا بد أن نتوقف.

لأن ما حدث في الشام لم يكن مجرد انتصار عسكري.

كان حدثًا سيعيد تشكيل صورة العالم الإسلامي.

القدس عادت إلى المسلمين.

وفي بغداد،كان الناصر يستطيع أن يرى شيئًا مهمًا،القوة الأيوبية أصبحت قوة إسلامية كبرى.

لكنها في الوقت نفسه لم تكن قوة تابعة للخليفة بالمعنى السياسي المباشر.

وهذه هي معضلة الخلافة منذ قرون،

كيف تتعامل مع سلطان قوي تحتاج إليه، دون أن تسمح له بأن يصبح أقوى من مركزها؟

نعود إلى بغداد

كان الناصر يفكر بطريقة مختلفة.

لم يكن يستطيع أن يرسل جيشًا إلى مصر ليأمر صلاح الدين بما يفعل.

ولم يكن يستطيع أن يفرض سلطته على الشام بالسيف.

لكنه يستطيع أن يمنح الشرعية.

وهذا السلاح كان مهمًا.

ففي عالم القرون الوسطى، لم تكن القوة العسكرية وحدها هي كل شيء.

كان للحكم لغة أخرى،

من يعترف بمن؟

ومن يذكر اسمه في الخطبة؟

ومن تُرسل إليه الرسائل؟

ومن يقف الخليفة إلى جانبه؟

ومن يحصل على الاعتراف؟

كانت هذه التفاصيل تحمل وزنًا سياسيًا كبيرًا.

والناصر عرف كيف يستخدمها.

لكن في الأندلس،كان المسلمون يعيشون معركة مختلفة.

كانت الأندلس قد أصبحت بعيدة عن بغداد سياسيًا منذ زمن طويل.

لكنها لم تكن بعيدة عن قلب العالم الإسلامي.

فيها مدن عظيمة.

وعلماء،وحركة علم وثقافة.

لكنها كانت أيضًا تعيش ضغطًا متزايدًا من الممالك المسيحية في الشمال.

وكان الموحدون قد ظهروا في المغرب، ثم عبروا إلى الأندلس، وأصبحوا القوة الإسلامية الكبرى هناك.

وهكذا كان العالم الإسلامي يعيش صورة عجيبة.

في المشرق قوة أيوبية.

وفي المغرب والأندلس قوة موحدية.

وفي العراق خلافة عباسية.

وفي الشرق قوة خوارزمية.

كل قوة لها سلطانها.

لكن جميعها تتحرك داخل عالم إسلامي واحد.

وهنا يظهر السؤال الذي يطارد الخلافة

إذا كانت هناك كل هذه القوى،

فما الحاجة إلى الخليفة؟

هذا السؤال ربما كان أهم سؤال واجه الناصر.

وكان جوابه،

الخليفة ليس بالضرورة أقوى رجل في العالم الإسلامي، لكنه الرجل الذي يمنح هذا العالم مركزًا رمزيًا.

ولهذا عمل الناصر على تعزيز حضور الخلافة.

ومن أبرز ما ارتبط بعصره تنظيم الفتوة وربطها بمشروعه السياسي والاجتماعي.

لم يكن يريد أن يبقى نفوذ الخلافة داخل القصر.

كان يريد أن يصل إلى المجتمع.

إلى أهل بغداد.

إلى جماعاتها.

إلى رموزها.

إلى شبكاتها.

وكان يعرف أن السلطة التي تستند إلى الناس والرموز والعلاقات لا تحتاج دائمًا إلى جيش ضخم كي تؤثر.

ولكن بينما كان الناصر يبني نفوذه في بغداد،كان شيء آخر يحدث في الشرق.

في بلاد ما وراء النهر وخراسان،

كانت الدولة الخوارزمية تكبر.

وكان سلطانها يقترب من أن يصبح أحد أقوى حكام العالم الإسلامي.

علاء الدين محمد خوارزم شاه.

رجل يملك دولة واسعة.

وجيشًا قويًا.

وطموحًا أكبر.

وبدأت العلاقة بينه وبين بغداد تتوتر.

وهنا دخل الناصر في واحدة من أخطر مراحل سياسته.

فهو لا يستطيع أن يواجه الخوارزميين بسهولة.

لكن تركهم يكبرون دون حساب قد يعني ظهور قوة شرقية ضخمة تستطيع الضغط على العراق.

فبدأت لعبة السياسة.

الخوارزميون، القوة التي جاءت من الشرق.

كان الخوارزميون قد ورثوا مساحة واسعة من النفوذ في إيران وآسيا الوسطى.

وكان محمد خوارزم شاه طموحًا إلى حد بعيد.

كان يريد أن يكون صاحب الكلمة الأولى في المنطقة.

وهنا بدأت المصالح تتصادم مع بغداد.

فالناصر يريد أن يحتفظ بمكانة الخلافة.

وخوارزم شاه يريد أن يفرض سلطانه.

وفي مثل هذه اللحظات.

لا يكفي أن تقول أنا الخليفة.

ولا يكفي أن تقول أنا السلطان.

لأن السؤال الحقيقي هو من يملك القوة؟

وهنا بدأت العلاقة بين الطرفين تصبح أكثر توترًا.

بغداد بين قوتين

كان الناصر يعيش في عالم مليء بالمفارقات.

في الغرب،صلاح الدين ثم خلفاؤه الأيوبيون.

في الشام،قوى تتنافس مع الصليبيين.

في الشرق،الخوارزميون.

وفي بغداد،الخلافة تحاول أن تجعل كل هذه القوى لا تتحول إلى قوة واحدة مهيمنة.

كان الناصر يمارس سياسة موازنة دقيقة.

يقترب من قوة حينًا.

ويبتعد عنها حينًا.

يراقب الصراع بين القوى الكبرى.

ويحاول أن يستفيد من تنافسها.

وقد تنجح هذه السياسة عندما تكون القوى متوازنة.

لكنها تصبح خطيرة جدًا إذا ظهر لاعب جديد لا يدخل اللعبة وفق قواعدها القديمة.

وهذا اللاعب كان قد بدأ بالفعل في الظهور.

بعيدًا جدًا عن بغداد.

سهوب آسيا، رجل يجمع القبائل

لنعد سنوات إلى الوراء.

في السهوب الآسيوية،كان تموجين يبني نفوذه بين قبائل متنازعة.

لم تكن بغداد تعرفه.

ولا كان سلاطين الشام يفكرون فيه.

ولا كان أمراء الأندلس يعرفون اسمه.

لكن الرجل كان يفعل شيئًا خطيرًا.

كان يوحد قوى كانت متفرقة.

وفي سنة 1206م أصبح تموجين هو جنكيز خان.

وهنا بدأت قصة جديدة.

الإمبراطورية المغولية.

لم يكن جنكيز خان يعرف بغداد بعد

وهذه نقطة مهمة.

لا نريد أن نقفز في التاريخ فنصور الأمر وكأن جنكيز خان استيقظ ذات صباح وقرر إسقاط بغداد.

القصة أكثر تعقيدًا.

في البداية كان اهتمام المغول منصبًا على بناء إمبراطوريتهم في آسيا.

ثم توسعوا.

ثم دخلوا في صدامات مع الدول الكبرى في الشرق.

وكانت الدولة الخوارزمية واحدة من أكبر هذه القوى.

وهنا حدثت الشرارة.

قافلة.

تجار.

رسالة.

حادث سياسي.

ثم قتل رسل.

ثم قرار بالحرب.

وهكذا بدأت المواجهة بين جنكيز خان وخوارزم شاه.

وما بدا في البداية حربًا بين قوتين بعيدتين عن بغداد.

سيتحول بعد سنوات إلى الطريق الذي ستسلكه الجيوش المغولية نحو العالم الإسلامي.

الخوارزميون، والسهم الذي عاد إلى بغداد

بدأ المغول يضربون الدولة الخوارزمية.

وسقطت مدن كبرى.

وانهارت خطوط الدفاع.

وتراجع خوارزم شاه.

ثم فرَّ.

ثم مات.

لكن المشكلة لم تنتهِ.

لأن الدولة التي كانت تفصل بغداد عن المغول بدأت تنهار.

وهنا بدأت بغداد تقترب من الخطر.

ليس لأن المغول كانوا عند أبوابها.

بل لأن الجدار الذي كان يقف بينهم وبينها بدأ يسقط.

وهذه واحدة من أخطر لحظات التاريخ.

أحيانًا لا يأتي الخطر إليك مباشرة.

أحيانًا يأتيك بعد أن يسقط كل شيء كان يفصله عنك.

بغداد لا تزال منشغلة بصراعاتها

والناصر في بغداد كان يواصل مشروعه.

كان يحاول تثبيت الخلافة.

وتوسيع نفوذها.

وإدارة علاقاتها مع القوى المحيطة.

لكن العالم الذي يتحرك حوله كان يتغير بسرعة هائلة.

في الغرب.الصليبيون والأيوبيون.

في الأندلس.الموحدون والممالك المسيحية.

في الشرق.الخوارزميون ينهارون.

وفي أقصى الشرق.المغول يتوسعون.

والخليفة العباسي لا يزال يحاول أن يحافظ على توازن العالم من بغداد.

لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تدير عالمًا مليئًا بالدول،وأن تواجه قوة لا تعترف بالنظام الذي تعرفه تلك الدول.

ثم جاء الخبر الذي لم يكن عاديًا

سقطت المدن الخوارزمية.

وتقدم المغول غربًا.

بدأت أسماء جديدة تظهر في أخبار المشرق.

بخارى.

سمرقند.

مرو.

نيسابور.

مدن عظيمة سقطت أمام قوة عسكرية غير مسبوقة في سرعة توسعها.

وكان العالم الإسلامي يسمع الأخبار…

لكن كل مدينة كانت تتمنى أن يكون الدور القادم لمدينة أخرى.

وهنا كان العراق يراقب.

وبغداد تراقب.

والناصر يراقب.

لكن الخطر لم يكن قد وصل بعد.

الناصر يموت.

تولى الناصر لدين الله الخلافة قرابة نصف قرن.

وكان عهده من أطول عهود الخلفاء العباسيين في بغداد.

وفي سنة 622هـ/1225م توفي.

وانتهى رجل حاول أن يعيد للخلافة وزنها السياسي.

لكن السؤال بقي ،

هل نجح؟

الإجابة ليست سهلة.

لقد جعل بغداد أكثر استقلالًا.

وعزز مكانة الخلافة.

وأدار شبكة واسعة من العلاقات.

لكن الخلافة لم تعد إمبراطورية.

وكانت قوى أخرى أقوى عسكريًا.

والخطر المغولي أصبح يتقدم من الشرق.

وهنا بدأت المفارقة الكبرى.

في الوقت الذي وصلت فيه الخلافة إلى واحدة من أعلى درجات استقلالها منذ سقوط البويهيين، كان العالم الإسلامي نفسه يقترب من أخطر كارثة في تاريخه.

وبعد الناصر،تولى الظاهر بأمر الله الخلافة فترة قصيرة.

ثم جاء المستنصر بالله.

وفي عهده استمرت بغداد في الازدهار الثقافي والعمراني، وظلت الخلافة العباسية حاضرة في العراق.

لكن شيئًا كان يتغير في الشرق.

المغول لم يعودوا مجرد قوة بعيدة.

كانوا يواصلون تمددهم.

ثم جاء رجل آخر.

هولاكو.

وهنا لن نتعجل.

لأن هولاكو ليس مجرد قائد مغولي آخر.

إنه الرجل الذي سيحمل المشروع المغولي غربًا.

وسيصل إلى فارس.

ثم إلى العراق.

ثم إلى المدينة التي ظلت أكثر من خمسة قرون رمزًا للخلافة العباسية.

بغداد.

لكن قبل أن يصل هولاكو إليها،كان عليه أن يسقط قوة أخرى.

قوة عاشت في الجبال.

واشتهرت بالغموض والرعب.

الإسماعيليون النزاريون.

ومن هنا،سنفتح ستارًا جديدًا.

لأن الطريق إلى بغداد لم يكن طريقًا مستقيمًا.

كان يمر عبر فارس،وعبر قلاع الجبال.

وعبر صراع مع دولة الخوارزميين.

ثم عبر بلاد فارس التي ستتحول إلى قاعدة للجيش المغولي.

وفي نهاية الطريق،كانت بغداد تنتظر.

وهي لا تعرف بعد أن أقسى سؤال في تاريخها أصبح قريبًا جدًا،

ماذا يحدث عندما تصل القوة التي لا تستطيع الخلافة أن توازنها؟

 

زر الذهاب إلى الأعلى