صراخ الأرصفة وسَفَهُ المُنْتَجَعَات:
حِين يَمُوتُ الفُقَرَاءُ شَرَفاً وَيَبْتَذِلُ الأَغْنِيَاءُ سُمْعَةَ الوَطَن
بقلم: جمال القاضي
بينما تُزهق أرواحٌ طاهرة على أرصفة العِزّة دفاعاً عن الكرامة، وتلفحُ حرارةُ الشمس اللانهائية أجساداً أضناها الشقاءُ دون أن تمدّ يداً بسؤالٍ أو مَذلّة، تتعالى صيحاتُ الصخب والمجون في أروقة *المُنْتَجَعَات* السياحية والملاهي المُحصّنة. إنها ليست مجرد مفارقة طبقية عابرة، بل جائحة أخلاقية وتجريف ممنهج لهوية أمةٍ بكاملها؛ حيث صرنا أمام جبهتين لا تتقاطعان: فقراء يعتصرهم الجوعُ ويُثبتهم العفافُ والأنفة، وفئة من أدعياء الثراء يستبيحون المحرمات، وينساقون خلف الشهوات الصريعة، تاركين خلفهم ذيل العار الذي يطال سمعة وطنٍ عريق أُقيمت أركانه على بطولات الشهداء ودماء الأبرار.
أغنيات الترف وسحق الرؤوس تحت الشمس
مشاهدُ صارخة تُدمي القلوب؛ أغنياءُ يحصلون على الأموال وهم ينعمون ببرودة التكييف، ويقطعون الطرق الممهدة بسياراتهم الفارهة دون أن يعبأوا بعثرات الحياة، بينما يسير الفقراءُ في دروبٍ أشبه بالمسالك الشائكة، تسحقُ حرارةُ الشمس رؤوسهم، وتلتهبُ أجسادهم بحثاً عن لقيمة عيش حلال، أغنياء تتحقق أحلامهم قبل أن تخطر ببالهم، وفقراء يموتون وتدفن معهم أحلامهم البسيطة دون أن ترى النور. هؤلاء يفترشون الثرى، وحولهم أطفالهم الجياع، وأولئك على مسارح الليالي المظلمة تجاورهم الغانيات وأدخنة الكيف والخمور.
استرخاص العِرْض وتصدير المباذل: سمعة وطن على مقصلة السفه
إن ما يُقترف في بعض *المنتجعات السياحية*وحفلات البذخ، ليس مجرد متعة شخصية، بل هو جريمة بحق سمعة الأوطان؛ حيث لا يهم أصحاب تلك المقار سوى حصد الأموال من ورائهم. إن تصدير هذه المشاهد القذرة عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي يجعل العالم يظن واهماً أن هذا المجتمع بأكمله يشبه هؤلاء الساقطين.
ونحن نعلنها مدوية: نحن لا نعترف بهؤلاء ولا نبارك هذه القذارة! نحن أمة أخلاق وتاريخ، ولن نسمح لدخلاء أن ينسخوا عراقتنا. وإذا كان “الغنى” في مفهومكم المريض يعني الانطلاق بلا قيد، والمطالبة بالمساكنة، والبحث عن زحام التحرش برضا وقناعة تُرضي بناتكم وتسخط ربكم، فلتخرجوا من بيننا؛ اذهبوا إلى بلادٍ تسمح بالرذيلة جهاراً نهاراً في الشوارع حيث لا دين ولا ضمير، أما نحن فلنا عِرْضٌ نموت دونه كي لا تُمَسّ منه شعرة واحدة دون رباط شرعي وثيق.
إذا كان المالُ في نظركم مجرد متعة، فابحثوا عنها بعيداً عن المحرومين؛ هؤلاء الذين ارتضوا بالجوع والفقر في مقابل الشرف والعفاف والتدين، أما أنتم فتركتم شرفكم يترنح في زحام التحرش برضا تام.
المقارنة الفاجعة: بين عفاف المحرومين وسقوط المترفين
قهر الأرملة وسعار التحرش:
أرملة مات زوجها، وتنازلت عن حقها الشرعي في الزواج لكي لا يتعرض أطفالها لسوء معاملة من رجل آخر، واضطرت للعمل خادمة في البيوت لتطعم صغارها لحماً لم يتذوقوه منذ رحيل أبيهم. وبدلاً من إكرام عفافها، تجد من يحاول التحرش بها واستغلال حاجتها للإيقاع بها في بئر الرذيلة، لكن عفتها تقهر ظروفها وتنتصر لشرفها.
دموع المرضى وسفه السهرات:
أجساد هشة تفترش أسِرّة الموت لعدم توفر ثمن الدواء، والأهل يجلسون بجوارهم يبكون عجزاً وألماً، بينما تُهدر الملايين في سهرة ليلية واحدة على الخمور والمسكرات وأدخنة الكيف المحرمة.
عجلات الطغيان على الأرصفة:
سيارات فارهة تمر مسرعة على الطرق، فتتناثر مياه المطر المتجمعة لتصيب وجوه الفقراء الشرفاء على الأرصفة دون رحمة، لتكتمل صورة الجمود الإنساني لدى من لا يرى الناس إلا هامشاً.
أسئلة الحقيقة الصارخة:
ماذا قدمتم سوى العار؟
ماذا قدمتم للفقراء والمساكين؟ هل رأيتم أجساد المرضى المنهكة وسمعتم أنينهم الحاد؟ هل حركت دموع ذويهم ساكناً في قلوبكم الجامدة والمتحجرة؟ هل مددتم يداً بالخفاء لمريض كي يشتري دواءه، أو أخذتكم الشفقة فنقلتموه بسياراتكم الفارهة إلى مستشفى خاص على نفقتكم؟ حتماً لم يحدث ولن يحدث، فقد مات فيكم الشعور بالإنسان، وانطفأت في أرواحكم النخوة.
ارحلوا بأموالكم ودعوا لنا كرامتنا
يا أدعياء الفن والثراء من الرجال والنساء: أنتم وأفعالكم المخزية عارٌ علينا، ونحن نرفضكم بالكلية. خذوا أموالكم التي تجلب لنا السمعة السيئة واذهبوا بعيداً، ودعونا نعيش بكرامتنا حريصين على العفة حتى لو كان المقابل هو موتنا جوعاً.
إن هذا الوطن الذي ارتقى شهداؤه وارتوت تربته بدماًئهم الزكية لتبقى أرضه طاهرة، لن يستكان للصوص السمعة وهواة المباذل. سيبقى الفقراء بشرفهم وعفافهم هم الدرع الحقيقي والوجه المشرّف لهذه الأمة، بينما يطوي التاريخ صفحات أصحاب الأموال التي لم تزد أصحابها إلا خسةً وسقوطاً.
صراخ الأرصفة وسَفَهُ المُنْتَجَعَات: حِين يَمُوتُ الفُقَرَاءُ شَرَفاً وَيَبْتَذِلُ الأَغْنِيَاءُ سُمْعَةَ الوَطَن







