حين خدعوا المرأة بالعلم.. وغاب عنهم جوهر التربية”
حين خدعوا المرأة بالعلم.. وغاب عنهم جوهر التربية"

حين خدعوا المرأة بالعلم.. وغاب عنهم جوهر التربية”
بقلم أشرف ماهر ضلع
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك القيم، يبقى كلام مصطفى صادق المنفلوطي — رائد الأدب وناقد الحياة الاجتماعية — كجرس إنذار يذكّرنا بما أهملناه في رحلة البحث عن التقدّم. قال: “أوهموا المرأة المسلمة أن تتعلم حتى تحسن تربية أولادها وتصلح شؤون بيتها، فتعلمت كلَّ شيء إلا تربية أولادها.”
كلمات حادّة، لكنها مرآة صافية لواقع مرير.
لقد جُعل من التعليم وسيلة براقة، لكن الهدف الأساس — بناء الإنسان القويم وتربية النشء على الأخلاق — أُهمل في زحمة اللهاث وراء الشهادات والمظاهر. صارت المرأة تتقن علومًا لا حدود لها، وتُجيد فنون الحياة العملية، لكنها أحيانًا — إلا من رحم الله — تنسى أن التربية ليست دروسًا في كتب، بل هي نبض قلب، وحكمة عقل، وصبر على بناء شخصية تنمو في ظلال الرحمة والمبادئ.
التربية ليست مهمة ثانوية في حياة الأم، بل هي رسالتها الكبرى التي لا يوازيها جاه ولا مال. فما قيمة امرأة تحمل أعلى الدرجات العلمية إن عجزت أن تغرس في قلب ابنها الصغير بذور الصدق، والحياء، والإحساس بالمسؤولية؟ وما جدوى علوم الدنيا إذا ضاع جيل لا يعرف معنى الانتماء، ولا يفهم روح العطاء؟
لا يعني ذلك انتقاصًا من قيمة العلم أو دعوة للتراجع، بل هو نداء لتصحيح البوصلة: أن يكون العلم وسيلة تعزز التربية لا أن يطغى عليها. أن تتعلم المرأة لتكون أكثر وعيًا بمهامها، وأقدر على غرس المعاني السامية في نفوس أبنائها، لا أن ينشغل عقلها بما يبعدها عن رسالتها الأولى.
لقد فهم المنفلوطي ما غاب عن كثيرين: أن صلاح الأمة يبدأ من حضن الأم، وأن العلم بلا تربية جسد بلا روح. وحين تنهض المرأة برسالتها التربوية، فإنها تصنع أمة متماسكة، صلبة الجذور، قادرة على مواجهة التحديات.
إنها دعوة صريحة لأن نعيد النظر في مفهوم التعليم، فلا نجعله غاية منفصلة، بل نُنزله منزلته الصحيحة: وسيلة للتهذيب، ومفتاحًا لصناعة أجيال تحمل العلم في يد، والقيم في اليد الأخرى.
فالمرأة التي تُحسن التربية، تُخرِج لنا رجالًا يحمون الأرض، وعلماء ينيرون الدرب، وقادة يحملون مشعل النهضة.





