د.شيرين العدوي تكتب : مصر ليست على رقعة الشطرنج

لم يعد التصعيد بين إيران وإسرا- أمريكيا مجرد توتر قابل للاحتواء، بل تحول إلى اختبار هيكلى لطبيعة النظام الإقليمى وحدود تماسكه. فى هذا السياق المضطرب، تتقدم مصر بمقاربة مختلفة ليست وسيطا تقليديا، ولا طرفا فى لعبة الاصطفافات، بل نموذج لما يمكن تسميته «الثبات النشط» أى إدارة التهديد دون الانزلاق إليه.
هذا المفهوم يتجاوز الحياد السلبى إلى مكان استراتيجى واع، يوازن بين الامتناع عن التصعيد، والحفاظ على القدرة على الردع، فالقاهرة تدرك أن الانخراط المباشر فى صراعات مفتوحة لن يعيد تشكيل الإقليم بقدر ما سيسرّع من تفكيكه. لذلك تبنى سياستها على قاعدة مزدوجة تحصين الداخل، وفتح قنوات اتصال مع جميع الأطراف، بما يحول دون انغلاق المجال السياسى أو اختطافه من قوى التصعيد. وما يضيف عمقا لهذه المقاربة هو إدراك مصر لتحولات بنية الصراع نفسها؛ إذ لم تعد الحروب تقليدية فقط؛ بل امتدت إلى الفضاءات الاقتصادية والتكنولوجية وسلاسل الإمداد العالمى.
ومن هنا يصبح تأمين الممرات الحيوية، وعلى رأسها قناة السويس جزءا لا يتجزأ من معادلة الردع بوصفها شريانا وطنيا وركيزة فى استقرار التجارة الدولية. ما يغيب عن كثير من التحليلات الغربية التى تختزل المنطقة فى نموذج «رقعة الشطرنج»، هو أن مصر لا تتحرك ضمن منطق الوكلاء أو الأدوات؛ بل وفق تصور سيادى للأمن.
هذا التصور يرى الاستقرار منتجا خارجيا، ونتيجة مباشرة لقدرة الدول على فرض توازنها الداخلى والإقليمى فى آن واحد. هنا يصبح «الاستقلال فوق الاستقطاب» ليس شعارا، وإنما مبدأ عمل يحدد مسارات القرار. على المستوى العملى تجسدت هذه الرؤية خلال العقد الأخير فى ما يمكن وصفه بـ «الردع الوقائى» الذى يعد تحديث القدرات العسكرية ليس سباق تسليح، وإنما إعادة هندسة شاملة لمفهوم الأمن القومى، عبر بناء قواعد استراتيجية مما يعزز عمق الانتشار وجاهزيته؛ هذا بالتوازى مع تطوير البنية الاستخباراتية لتصبح أكثر قدرة على الاستباق وهو ما يمنح صانع القرار هامشا زمنيا ثمينا فى إدارة الأزمات.
والأهم من الأدوات هو الفلسفة التى تحكم استخدامها. فمصر لا ترى القوة غاية فى ذاتها؛ بل وسيلة لحماية الاستقرار، لذلك تتبنى ما تسميه «دبلوماسية التنمية والأمن» حيث يرتبط الاستقرار السياسى بالنمو الاقتصادى، وتدار العلاقات الإقليمية بمنطق المصالح المتبادلة لا الاصطفافات الحادة. وفى هذا الإطار، تبرز مصر كفاعل قادر على إعادة صياغة مفهوم الوساطة ذاته، كآلية مستدامة لإدارة الأزمات تتجاوز قولبتها فى دور تكتيكى مؤقت.
وتعتمد فى ذلك على بناء الثقة وتفكيك بؤر التوتر تدريجيا بدلا من ترحيلها؛ فى لحظة دولية تتسم بتآكل قواعد النظام العالمي؛ حيث تقدم مصر نموذجا مغايرا لدور القوة الإقليمية. قوة لا تبحث عن الهيمنة، بل عن منع الفراغ. من هذا المنطلق يصبح وجودها عامل توازن لا يمكن تجاوزه فى معادلة الشرق الأوسط والأمن الدولى الممتد من واشنطن إلى بكين. فمصر لا تنحنى للعاصفة فهى دولة فاعلة تعيد تعريف كيفية النجاة من العواصف بثبات محسوب، وحركة مدروسة، ورؤية تدرك أن الأمن لا يُستورد بل يُصْنع.
المصدر : مؤسسة الأهرام المصرية





