التاريخ من وراء الستار
حين سقطت بغداد
بقلم / محمد مصطفى كامل
حين سقطت بغداد
المدينة التي سقطت، وسقط معها عالم كامل وبدأ العدّ التنازلي لمصر
قبل أن نغادر مصر ونواصل طريقنا نحو عين جالوت، علينا أن نعود قليلًا إلى الوراء.
فالمعركة التي سيخوضها قطز في فلسطين سنة 1260م لم تبدأ في عين جالوت.
ولم تبدأ حتى عندما وصل المغول إلى الشام.
بل بدأت قبل ذلك بعامين،في مدينة بعيدة على ضفاف دجلة.
في بغداد.
وهنا سنفعل ما اعتدناه في هذه السلسلة.
سنترك مصر لحظة، ونعبر البحر، ونطير عبر الزمن، لنرى ماذا كان يحدث في المشرق بينما كان المماليك يعيدون ترتيب أوراقهم في القاهرة.
لأن التاريخ لا يمشي دائمًا في خط مستقيم.
أحيانًا تسقط مدينة في العراق،
فيتغير مصير مصر.
وهذا بالضبط ما حدث.
بغداد عاصمة بقي منها الاسم
حين نصل إلى بغداد سنة 1258م، لا نجد بغداد الرشيد والمأمون.
الخلافة العباسية كانت قد فقدت معظم قوتها السياسية والعسكرية منذ زمن طويل.
لكن شيئًا مهمًا بقي.
الهيبة.
فالخليفة العباسي، وإن لم يعد يحكم إمبراطورية واسعة كما كان أسلافه، ظل يمثل رمز الخلافة التي قامت سنة 132هـ، وظلت بغداد عاصمتها قرونًا.
وكان الخليفة يومها هو:
أبو أحمد عبد الله المستعصم بالله.
آخر خلفاء بني العباس في بغداد.
كان يجلس على عرش عظيم في ذاكرة المسلمين.
لكن العرش نفسه كان قد فقد كثيرًا من القوة التي كانت تحميه.
فالدولة ضعفت.
والجيش لم يعد جيش العباسيين في عصور القوة.
والنفوذ الحقيقي أصبح موزعًا بين أمراء وقادة وقوى إقليمية.
وبغداد، رغم ثروتها ومكانتها العلمية، كانت تواجه أخطر قوة عسكرية عرفها عصرها.
المغول.
الرجل الذي جاء من الشرق
كان هولاكو حفيد جنكيز خان.
ولم يكن تحركه نحو بغداد حملة عابرة.
بعد اعتلاء أخيه منكو خان عرش المغول، كُلّف هولاكو بحملة كبرى لتثبيت السيطرة المغولية في بلاد فارس والعراق والقضاء على خصومها، وفي مقدمتهم الإسماعيليون في قلاعهم.
وسقطت ألموت سنة 1256م.
وبعدها أصبحت بغداد أمام الدور التالي.
لكن هولاكو لم يكن وحده.
كانت معه آلة عسكرية ضخمة، واستفاد من قوات وحلفاء من مناطق مختلفة، ومن خبرة المغول في الحصار واستخدام المهندسين والأسلحة الثقيلة.
وكانت الرسالة واضحة:
إما الخضوع،وإما أن تفتح بغداد أبوابها للعاصفة.
لكن الخطر لم يكن خارج الأسوار فقط
وهنا يبدأ الجزء الذي يجعل قصة بغداد أكثر تعقيدًا.
فلو كان الخطر مغوليًا فقط، لكانت الحكاية أبسط.
لكن بغداد كانت تعاني أيضًا من أزمة داخلية.
وفي قلب هذه الأزمة ظهر رجل سيظل اسمه مرتبطًا بسقوط بغداد إلى يومنا هذا:
مؤيد الدين محمد بن محمد بن العلقمي.
وزير الخليفة المستعصم.
لم يكن رجلًا هامشيًا.
كان من كبار رجال الدولة، وتولى مناصب إدارية رفيعة قبل أن يصبح وزيرًا، وظل في موقعه في السنوات الأخيرة من الخلافة العباسية.
وكان يعرف أحوال الدولة من الداخل.
يعرف ضعف الجيش.
ويعرف الخلافات داخل البلاط.
ويعرف حجم الخطر القادم من الشرق.
وهنا تبدأ واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ سقوط بغداد.
ابن العلقمي، خائن أم رجل أدرك أن بغداد لا تستطيع المقاومة؟
في الروايات التاريخية التقليدية، يظهر ابن العلقمي بصورة شديدة السواد.
تُروى عنه اتهامات بأنه قلل من حجم الجيش العباسي، وحاول إقناع الخليفة بأن المغول يمكن التعامل معهم، وأنه دخل في اتصالات مع هولاكو.
بل إن بعض الروايات جعلته أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى سقوط بغداد.
لكن المؤرخ الذي يريد أن ينظر إلى التاريخ من وراء الستار يجب ألا يكتفي بهذه الصورة.
لأن القضية أكثر تعقيدًا.
الدراسات الحديثة حول ابن العلقمي تشير إلى أن أخبار علاقته بالمغول ظهرت في مصادر قريبة من عصره، وأن اتهامه بالتعاون معهم لم يكن مجرد اختراع متأخر، لكن في الوقت نفسه تختلف الروايات في تفسير حجم هذا التعاون وطبيعته، كما أن بعض المؤرخين المحدثين شككوا في الصورة التي جعلت الرجل وحده مسؤولًا عن الكارثة.
وهذا مهم.
لأن بغداد لم تسقط بسبب رجل واحد.
سقطت دولة كانت تعاني من ضعف عسكري وسياسي عميق، أمام قوة عسكرية هائلة جاءت وهي مصممة على إسقاطها.
لكن ابن العلقمي كان بالفعل داخل دائرة القرار.
ولهذا فإن تجاهل وجوده يجعل القصة ناقصة.
المستعصم، الخليفة أمام العاصفة
كان المستعصم في موقف بالغ الصعوبة.
هولاكو يطلب الخضوع.
والجيش العباسي ليس بالقوة التي تسمح له بمواجهة الجيش المغولي في معركة مفتوحة.
وكان داخل البلاط نفسه اختلاف في تقدير الخطر.
بعض رجال الدولة كانوا يرون أن بغداد يجب أن تستعد.
والخليفة لم يكن يملك في النهاية جيشًا يقارب القوة التي كان يمكن أن تحشدها بغداد في عصورها السابقة.
وهنا كان السؤال:
هل تقاوم بغداد؟
أم تتفاوض؟
أم تحاول شراء الوقت؟
لكن هولاكو لم يكن يبحث عن تسوية تحفظ للخليفة سلطانه.
كان يريد إخضاع بغداد.
وفي أواخر سنة 1257 بدأت القوات المغولية تتجه نحو المدينة.
الطريق إلى بغداد
تقدمت الجيوش المغولية من أكثر من اتجاه.
وفي يناير 1258 وقعت اشتباكات خارج بغداد.
وكانت إحدى الضربات القاسية التي تعرضت لها القوات المدافعة أن المغول استطاعوا استخدام المياه والتضاريس لإغراق مواقع للقوات العباسية، ثم تابعوا تقدمهم نحو المدينة.
وبحلول أواخر يناير أصبح الحصار فعليًا.
بدأت آلات الحصار المغولية تضرب الأسوار.
وكانت هذه نقطة قوة أساسية في الجيوش المغولية.
فالمغول لم يكونوا مجرد فرسان يهاجمون بالسيوف.
كان معهم مهندسون وخبراء حصار، واستفادوا من خبرات شعوب خضعت لهم.
وبدأت أسوار بغداد تتعرض لضغط لا تستطيع المدينة احتماله طويلًا.
ثلاثة عشر يومًا هزت العالم
بدأ الحصار في أواخر يناير.
وفي أوائل فبراير تمكن المغول من إحداث اختراقات في دفاعات المدينة والسيطرة على أجزاء من الأسوار.
وبدأت المقاومة تتراجع.
ثم جاءت اللحظة التي لم تعد فيها بغداد قادرة على الاستمرار.
في 10 فبراير 1258م خرج المستعصم واستسلم.
وبعد أيام قليلة دخل المغول المدينة وبدأت أعمال النهب والقتل والدمار.
وهنا انتهى شيء عمره أكثر من خمسة قرون.
الخلافة العباسية في بغداد.
النهاية
قُتل المستعصم.
لكن تفاصيل مقتله نفسها اختلفت فيها الروايات التاريخية اختلافًا كبيرًا، ولذلك لا ينبغي أن نقدم إحدى الروايات المتأخرة وكأنها حقيقة قطعية.
أما بغداد، فدخلت مرحلة سوداء من تاريخها.
وقعت أعمال قتل ونهب وحرق واسعة.
وتختلف المصادر اختلافًا كبيرًا في تقدير أعداد القتلى، ولذلك فإن الأرقام الضخمة التي تذكرها بعض الروايات لا يمكن التعامل معها باعتبارها إحصاءً دقيقًا.
لكن الرقم ليس هو القضية.
القضية أن مدينة كانت عاصمة الخلافة العباسية لأكثر من خمسة قرون أصبحت تحت حكم المغول.
وهنا حدث شيء أخطر من سقوط مدينة.
سقطت صورة كانت تبدو ثابتة في عقل العالم الإسلامي.
الخلافة العباسية نفسها سقطت في بغداد.
ابن العلقمي بعد السقوط
وهنا يعود اسم الرجل الذي تركناه قبل قليل.
ابن العلقمي.
فهو لم يكن خارج المشهد عندما سقطت بغداد.
بل كان في قلبه.
ولهذا ظل اسمه منذ ذلك العصر مرتبطًا بالسؤال:
هل ساعد الرجل المغول فعلًا؟
أم أن سقوط بغداد كان نتيجة ضعف دولة بأكملها، ثم جاءت الاتهامات تبحث عن رجل تحملّه مسؤولية الكارثة؟
لا يمكن أن نغلق هذا الملف بجملة واحدة.
لكن المؤكد أن الرجل كان وزيرًا في البلاط العباسي، وأن صلته بالمغول أصبحت موضوعًا للروايات والاتهامات منذ زمن قريب من السقوط نفسه.
وهذا وحده يكفي لكي نقول:
كان ابن العلقمي جزءًا من قصة بغداد، لكنه لم يكن قصة بغداد كلها.
ومن بغداد بدأت الطريق إلى الشام
هنا يجب ألا نقفز مباشرة إلى سنة 1260م.
فهناك مرحلة كاملة بين بغداد ودمشق.
بعد سقوط بغداد لم يتوقف المشروع المغولي.
أصبحت بلاد الشام هي المرحلة التالية.
وفي السنوات التالية تقدمت القوات المغولية غربًا.
وفي سنة 1260م سقطت حلب.
ثم جاءت دمشق.
وفي مارس 1260م دخلها المغول، بينما كانت القوى الأيوبية في الشام تعاني من الانقسام والضعف.
وهنا يجب أن نتوقف لحظة.
لأننا أصبحنا أمام خريطة جديدة تمامًا.
العراق سقط.
بغداد سقطت.
حلب سقطت.
دمشق أصبحت تحت السيطرة المغولية.
والطريق جنوبًا بدأ ينفتح.
وماذا بقي؟
مصر.
وهنا نعود مرة أخرى إلى القاهرة.
إلى الرجل الذي تركناه في المقال السابق.
سيف الدين قطز.
لكن قطز لم يكن أمامه مغول بغداد وحدهم.
كان أمامه عالم انهار أمامهم.
كان عليه أن ينظر إلى الخريطة.
العراق تحت المغول.
الشام يتساقط.
دمشق في أيديهم.
وحلب سقطت.
فماذا بعد؟
القاهرة؟
كان السؤال واضحًا.
إذا وصل المغول إلى مصر، فلن تكون هناك قوة إسلامية كبرى في المنطقة يمكنها إيقافهم.
ولهذا لم يكن أمام قطز رفاهية الانتظار.
لكن قطز لم يكن وحده
كان هناك رجل آخر عاد إلى المشهد:
ركن الدين بيبرس.
الرجل الذي عرفناه من قبل في المنصورة.
والذي أصبح الآن جزءًا أساسيًا من القوة المملوكية التي ستواجه المغول.
وهنا تتقاطع خيوط القصة.
قطز يحتاج إلى قائد عسكري قوي.
وبيبرس يحتاج إلى مواجهة الخطر الأكبر.
والخلافات القديمة بين المماليك أصبحت أقل أهمية أمام عدو يهدد الجميع.
لقد تغيرت المعادلة.
لم تعد القضية:
من يحكم مصر؟
بل:
هل تبقى مصر أصلًا؟
من بغداد إلى عين جالوت
وهنا نفهم لماذا لم تكن عين جالوت معركة ظهرت فجأة.
لم تبدأ القصة في صباح المعركة.
بدأت يوم سقطت بغداد.
فالخوف الذي صنعه المغول في بغداد كان هو نفسه السلاح الذي كان على قطز أن يهزمه قبل أن يهزم جيشهم.
كان عليه أن يقنع المماليك بأن المغول يمكن هزيمتهم.
وهذا لم يكن أمرًا بسيطًا.
فالجميع رأى ما حدث في بغداد.
ورأى ما حدث في حلب.
ورأى ما حدث في دمشق.
لكن التاريخ كان يخفي مفاجأة.
هولاكو نفسه لن يبقى في الشام.
وسيترك وراءه جيشًا بقيادة كتبغا.
وسيكون على قطز أن يقرر:
هل ينتظرهم في مصر؟
أم يخرج إليهم؟
وهنا تبدأ واحدة من أخطر اللحظات في تاريخ المماليك.
لحظة تحولت فيها مصر من دولة مهددة،إلى دولة قررت أن تذهب إلى العدو.
ومن وراء الستار…
لم تسقط بغداد لأن سورها كان ضعيفًا فقط.
ولم تنتصر المغول لأن سيوفهم كانت أقوى فقط.
فالدول لا تسقط في لحظة الحصار وحدها.
أحيانًا تبدأ نهايتها قبل أن يصل العدو إلى أبوابها:
حين يضعف الجيش.
حين ينقسم القرار.
حين يصبح الخلاف الداخلي أخطر من العدو الخارجي.
وحين يعتقد الناس أن سقوط الآخرين قدر لا يمكن تغييره.
لكن سقوط بغداد لم يكن نهاية التاريخ الإسلامي.
كان بداية امتحان جديد.
وفي القاهرة كان رجل يستعد ليقول:
ليس بالضرورة أن تسقط مصر كما سقطت بغداد.
وهكذا نقترب من عين جالوت.
لكن قبل أن نصل إلى الميدان، علينا أن نفهم شيئًا مهمًا:
لماذا ترك هولاكو الشام؟
ومن هو كتبغا؟
وكيف استطاع قطز أن يجمع المماليك والأمراء حول قرار الخروج من مصر؟
وكيف تحولت الهزيمة التي عاشها العالم الإسلامي في بغداد إلى المعركة التي سيتعلم فيها المغول لأول مرة أن العاصفة يمكن أن تنكسر؟
في المقال القادم:
حين وقف قطز أمام المغول
عين جالوت اليوم الذي اكتشف فيه المغول أن العاصفة يمكن أن تنكسر
ملحوظه هامه.
اعتمدت في هذا المقال على عدد من المصادر والدراسات التاريخية، مع مراعاة التمييز بين الأخبار التي اتفقت عليها المصادر وبين الروايات المختلف في تفاصيلها، ومن ذلك ما تناول سقوط بغداد وعصر هولاكو، ودراسة حديثة متخصصة في شخصية مؤيد الدين ابن العلقمي وعلاقته بالمغول.








