أدب وثقافة

نافذة على روح الحرف. غادة عثمان من “أغدًا ألقاك” إلى “مئة وعشرون صباحًا”.

نافذة على روح الحرف.

غادة عثمان من “أغدًا ألقاك” إلى “مئة وعشرون صباحًا”

 

كتب: مصطفى العقاد

تتأتى الكتابة الحقيقية حين تسكن روح الكاتب وتغدو هواجسه مداداً، وتلك هي سمة القاصة والروائية “غادة عثمان”، التي خطت خطواتها الأولى في عالم السرد الروائي برواية “أغدًا ألقاك”؛ العمل الذي مثّل وميض أمل وبريق بداية انبثق ليبشر بكاتبة تحمل في جعبتها مشروعاً أدبياً واعداً. فقد اتخذت الرواية من تفاصيل النفس البشرية وتناقضاتها منطلقاً، حائزةً على صدى طيب وتقدير نقدي وجماهيري مهد الطريق لمسيرة لاحقة تتسم بالوعي والتجريب, أبعد غورًا وأكثر رحابة.

لم تكتفِ “غادة عثمان” بضفاف الرواية الفسيحة، بل غاصت بجهد دؤوب نحو فن القصة القصيرة، مؤمنةً بأن الإيجاز مكمن الإعجاز.

وقد أثمر هذا التوغل عن مجموعتها القصصية المميزة “الذين خرجوا عن النص”، التي تنتمي بجدارة إلى رحاب الأدب الفلسفي والنفسي؛ وهو لون أدبي عسر المراس يتطلب لغة رصينة و”مشرط جراح” يفكك خبايا النفس ومواقف الاختيار والتمرد. لقد جاءت النصوص لتلامس أسئلة الوجود والحرية وتطرح رؤى تعنى بمن غردوا خارج السرب وواجهوا مرارة الخروج عن المألوف.

وامتدادًا لهذا النبض الإبداعي المتجدد، تترقب الساحة الأدبية صدور نوفيلا جديدة لها تحمل عنوان “مئة وعشرون صباحًا”، وهي العمل الذي أترقبه وقبل طرحه أؤكد أنه سيعكس النضج الذي رأيته يزدهر, وسردية ستحسم أن مرور التجربتين السابقتين كانتا كالجسور الممهدة التي عبرها قلمها نحو مجد تستحقه… وهذا ما غمرني حين قرأت ما لخصته عن فلسفة العمل وتكثيفه الشعوري بعبارتها الآسرة: “البيوت لا تموت حين يغيب أهلها، بل حين تكف نوافذها عن انتظار الشمس، ويغادر مطبخها دفء الخبز، ويبرد فنجان القهوة في انتظار يد لن تعود”

واتخذته بعين اعتبار دون قراءة نقدية, أنه عتبة نصية دالة تنبض بالشجن وتكشف عن قدرة فائقة بالقبض على أدق التفاصيل اليومية وتحويلها إلى رموز إنسانية خالدة. وسننتظر بقية سطورها.

تتجلى مهارات “غادة عثمان” الفذة في قبضتها المحكمة على أدوات الجذب والسرد، إذ تمتلك لغة قوية مترعة بالصور البلاغية والعمق الدلالي، لغة توازن بحرفية بين رهافة الحس وصرامة الفكرة.

ولعل نجاح بداياتها في رواية “أغدًا ألقاك” واختيار دار النشر لها ضمن كوكبة من الكتاب المتميزين لطرح عملها الأخير، جاء كشهادة استحقاق على ثبات الخطى ووعي المسار. وماذا سينتج مداد كاتبة تعشق الحرف بوصفه وطنًا, وتتنقل بين أجناس الأدب باقتدار كمن يعيد صياغة العالم بريشة الأدب الأصيل؛ بدءًا من الرواية الواسعة، مرورًا بمضايق القصة القصيرة الفلسفية، وصولًا إلى آفاق “النوفيلا” المحكمة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى