أدب وثقافة

حين ظهر برقوق.. بقلم / محمد مصطفى كامل

حين ظهر برقوق

 

بقلم / محمد مصطفى كامل

حين ظهر برقوق

من فوضى أبناء قلاوون إلى صعود المماليك الشراكسة

في المقال السابق، تركنا دولة المماليك بعد وفاة السلطان الناصر محمد، ذلك السلطان الذي استطاع خلال فترة حكمه الطويلة أن يجعل العرش يبدو أكثر ثباتًا مما كان عليه في سنوات الاضطراب السابقة.

لكن وفاة الناصر كشفت شيئًا مهمًا.

لقد كان الناصر محمد قد نجح في السيطرة على الأمراء، وإعادة ترتيب الجيش، وإحكام قبضته على الدولة، حتى بدا أن السلطنة أصبحت أقوى من الأشخاص الذين يتنازعون عليها.

لكن ما إن غاب الرجل حتى ظهر السؤال الذي كان مؤجلًا:

هل كانت قوة الدولة في مؤسساتها… أم في شخص السلطان؟

جاءت الإجابة سريعًا.

فبعد وفاة الناصر سنة 1341م، تعاقب أبناؤه وأحفاده على العرش، بينما أصبحت القوة الحقيقية في كثير من الأحيان بأيدي كبار الأمراء.

ولم يعد السلطان دائمًا هو الرجل الذي يحكم.

أحيانًا كان مجرد الاسم الذي يجلس على العرش.

وأحيانًا كان طفلًا لا يستطيع حتى أن يفهم الصراع الذي يدور حوله.

وبمرور العقود، بدأ شيء آخر يتغير داخل دولة المماليك نفسها.

فالمماليك الذين كانوا قد جاؤوا في أجيال سابقة من سهوب القبجاق وبلاد الترك، بدأ يزداد بينهم القادمون من منطقة أخرى:

بلاد القوقاز.

ومن بين هؤلاء سيظهر رجل لم يكن في البداية أكثر من مملوك أجنبي ،

ثم أميرًا ، ثم صاحب نفوذ ،

ثم سلطانًا.

وكان اسمه:

برقوق.

بعد الناصر محمد لم يعد العرش مستقرًا

كان الناصر محمد قد ترك وراءه أبناءً كثيرين، لكن كثرة الأبناء لم تكن تعني قوة البيت الحاكم.

فقد دخلت السلطنة بعد وفاته في سلسلة من التغييرات السريعة.

تولى ابنه المنصور أبو بكر، ثم عُزل بعد أشهر قليلة وقُتل.

وجاء بعده الأشرف كجك، وكان طفلًا، فأصبح العرش مرة أخرى في يد سلطان لا يملك القدرة على إدارة دولة واسعة تمتد من مصر إلى الشام والحجاز.

ثم عاد الصراع بين الأمراء.

وتوالى السلاطين.

وكان كل تغيير في القلعة يعني أن مجموعة جديدة من الأمراء قد صعدت، وأن مجموعة أخرى قد خسرت نفوذها.

ومع مرور السنوات، أصبح واضحًا أن مشكلة الدولة لم تعد مجرد ضعف سلطان بعينه.

لقد أصبح نظام انتقال السلطة نفسه مأزومًا.

فالمماليك لم يكونوا أسرة حاكمة بالمعنى التقليدي.

السلطان لا يورث ابنه بالضرورة.

والأمير القوي يستطيع أن يخلع سلطانًا ويأتي بآخر.

والجيش ليس مجرد مؤسسة تنفذ أوامر السلطان، بل هو القوة التي تستطيع أن تصنع السلطان نفسه.

وهنا بدأت دولة المماليك تدخل مرحلة جديدة.

يلبغا، الرجل الذي كان يستطيع أن يصنع السلطان

في ستينيات القرن الرابع عشر ظهر اسم من أخطر أسماء تلك المرحلة:

يلبغا العمري.

كان يلبغا من كبار الأمراء، واستطاع أن يبني لنفسه قوة كبيرة من المماليك الذين اشتراهم وربّاهم في خدمته.

وتذكر المصادر أنه امتلك في ستينيات القرن الرابع عشر عددًا ضخمًا من المماليك، وأصبح من أكثر رجال الدولة نفوذًا.

وهنا تكمن أهمية قصته.

فيلبغا لم يكن مجرد أمير قوي.

لقد كان نموذجًا جديدًا للرجل الذي يستطيع أن يبني داخل الدولة دولةً صغيرة من الرجال الموالين له.

وهذا هو قلب النظام المملوكي.

فالمملوك الذي يشتريه الأمير صغيرًا، ثم يدربه ويقربه ويرقيه، يصبح في النهاية رجلًا مدينًا له بولائه.

وبالتالي، فإن الأمير الذي يمتلك عددًا كبيرًا من المماليك لا يمتلك الثروة وحدها.

بل يمتلك:

رجالًا.

وسلاحًا.

ونفوذًا.

وشبكة ولاء.

وقد كان من بين مماليك يلبغا رجل سيظهر اسمه بعد سنوات على عرش مصر والشام.

كان اسمه:

برقوق.

شَعبَان السلطان الذي حاول أن يتحرر من قبضة الأمراء

في سنة 1363م وصل إلى السلطنة الأشرف شعبان الثاني، وكان لا يزال صغير السن.

لكن شعبان لم يكن مجرد سلطان طفل طوال حياته.

ومع تقدمه في العمر، حاول أن يمارس سلطته بصورة أكثر استقلالًا عن الأمراء.

وهنا بدأ الصدام.

كان السلطان يريد أن يكون سلطانًا بالفعل.

بينما كان كبار الأمراء يريدون أن تبقى السلطنة في النهاية تحت سيطرتهم.

وكان يلبغا واحدًا من أهم رجال المرحلة.

ثم حدث ما لم يكن متوقعًا.

تحالف السلطان مع خصوم يلبغا، وانفجرت المواجهة.

وفي سنة 1366م انتهى نفوذ يلبغا بعد تمرد داخل صفوف مماليكه، وقُتل على أيدي رجاله بعد أن انقلبوا عليه، في صراع يكشف إلى أي درجة أصبح المملوك الذي يصنع قوة الأمير قادرًا أيضًا على إسقاطه.

وهنا يجب أن نتوقف.

لأن الرجل الذي مات لم يكن هو النهاية.

بل ترك وراءه مجموعة ضخمة من المماليك.

وكان هؤلاء المماليك يحملون خبرة عسكرية وسياسية، ويعرفون دهاليز الحكم، ويعرف بعضهم بعضًا، وسيكون لهم دور كبير في تشكيل المرحلة القادمة.

ومن بينهم ، برقوق.

من مملوك إلى أمير

لم يكن برقوق من أبناء الأسر الحاكمة.

ولم يرث إمارة.

ولم يصل إلى مصر حاملًا لقبًا كبيرًا.

كان مملوكًا شركسي الأصل، وصل إلى مصر، ودخل في خدمة يلبغا العمري، وهناك بدأ صعوده داخل المؤسسة العسكرية المملوكية.

وهنا تظهر واحدة من أغرب مفارقات التاريخ المملوكي.

الدولة التي قامت أصلًا على المماليك، أصبحت تفتح الطريق أمام مملوك جديد ليصعد داخلها، ثم يصبح هو نفسه صاحب القرار.

لم يكن برقوق وحده.

كان معه مملوك شركسي آخر اسمه بركة.

وكلاهما ارتبط بشبكة مماليك يلبغا.

ومع مرور الوقت، بدأ نفوذ هؤلاء الرجال يتزايد.

لم يكن الأمر مجرد تغيير أسماء في الجيش.

كان هناك تحول أعمق يحدث في بنية النخبة العسكرية.

فبعد عقود طويلة من هيمنة المماليك ذوي الأصول التركية والقبجاقية، بدأ المماليك القادمون من القوقاز يزدادون عددًا ونفوذًا.

وهذا التحول سيصبح أكثر وضوحًا في العقود التالية.

وقد اعتبر المؤرخون ثمانينيات القرن الرابع عشر نقطة فاصلة تقليدية بين العصر المملوكي المبكر والعصر المملوكي المتأخر، بسبب انتقال الثقل في النخبة العسكرية من المماليك ذوي الأصول التركية إلى الشراكسة.

لكن التحول لم يحدث في يوم واحد.

كان يتشكل ببطء داخل الثكنات.

وفي بيوت الأمراء.

وفي سوق شراء المماليك.

وفي الصراعات التي كانت تجري داخل القلعة.

شَعبَان يسقط… وبرقوق يقترب

استمر الأشرف شعبان في السلطنة حتى سنة 1377م.

ثم انتهى حكمه في صراع دموي.

وبعده تولى ابنه المنصور علي، وكان طفلًا أيضًا.

مرة أخرى عاد السؤال القديم:

من يحكم؟

السلطان الطفل؟

أم الأمير الذي يملك الجيش؟

وكانت الإجابة واضحة.

فقد أصبح كبار الأمراء أصحاب الكلمة الحقيقية.

وفي هذه البيئة صعد برقوق بسرعة.

وفي سنة 1378م تولى منصب أتابك العساكر، أي الرجل الذي يقود الجيش، وهو منصب يجعل صاحبه واحدًا من أقوى رجال الدولة.

ولم يكن برقوق ينظر إلى منصبه على أنه نهاية الطريق.

كان يعرف أن القوة في دولة المماليك لا تكمن في اللقب وحده.

بل في عدد الرجال الذين يقفون خلف صاحب اللقب.

ولذلك بدأ يبني شبكته الخاصة.

ثم دخل في صراع مع منافسيه.

ومن أهم هؤلاء الأمير بركة.

وانتهى الصراع بخروج بركة من دائرة القوة، بينما أصبح برقوق الرجل الأقوى في القاهرة.

وفي مايو سنة 1381م مات السلطان المنصور علي.

وكان وريثه أخوه الأصغر الصالح حاجي.

طفل آخر.

سلطان آخر.

وعرش آخر يحتاج إلى رجل يحكم باسمه.

وهنا لم يعد برقوق مجرد أمير قوي.

لقد أصبح الرجل الذي تدور حوله السلطنة.

حين جلس المملوك خلف العرش

كان الصالح حاجي صغيرًا.

وكان برقوق صاحب النفوذ الفعلي.

لكن المشكلة أن الأمراء لم يكونوا جميعًا مستعدين لتسليم السلطنة إليه.

فالمماليك الذين اعتادوا أن يصنعوا السلاطين كانوا يخشون الآن أن يصنعوا سلطانًا لا يستطيعون خلعه.

وكان برقوق يعرف ذلك.

لذلك انتظر.

راقب موازين القوى.

قرب رجاله.

وأضعف خصومه.

ثم جاءت اللحظة.

في سنة 1382م خُلع الصالح حاجي.

وصعد برقوق إلى العرش.

وتولى لقب:

الملك الظاهر سيف الدين برقوق.

كان هذا الحدث أكبر من مجرد انتقال سلطان إلى سلطان.

لأن الرجل الذي جلس على العرش لم يكن من نسل الناصر محمد.

ولم يكن من أبناء البيت القلاووني.

كان مملوكًا شركسي الأصل.

وبصعوده بدأت مرحلة جديدة في تاريخ دولة المماليك.

فقد أصبح برقوق أول سلطان من السلاطين الشراكسة، وارتبط عهده ببداية ما يعرف اصطلاحًا بعصر المماليك البرجية أو الشراكسة.

لكن لا ينبغي أن نفهم هذا التحول على أنه انقلاب مفاجئ أنهى كل ما سبقه.

فالسلطنة بقيت هي نفسها.

والجيش بقي هو الجيش.

والنظام الإداري لم يختف.

والقاهرة بقيت عاصمة الدولة.

وإنما تغير ميزان القوة داخل الطبقة المملوكية الحاكمة.

وهذا هو الأهم.

لماذا كان صعود برقوق أخطر من مجرد تغيير سلطان؟

لأن برقوق لم يصعد من فراغ.

لقد صعد من قلب النظام نفسه.

النظام الذي كان يشتري المملوك صغيرًا، ثم يدربه، ثم يمنحه رتبة، ثم يجعله أميرًا، ثم قد يضعه في النهاية على العرش.

وبذلك أصبح واضحًا أن السلطنة المملوكية لا تحتاج إلى نسب ملكي.

بل تحتاج إلى:

قوة عسكرية، وشبكة ولاء، وذكاء سياسي، وقدرة على البقاء.

لكن برقوق اكتشف سريعًا أن الوصول إلى العرش شيء ، والاحتفاظ به شيء آخر.

ففي سنة 1389م اندلعت ثورة قوية في بلاد الشام ضد حكمه، وبرز فيها أميران هما منتاش ويلبغا الناصري.

وتقدمت المعارضة من الشام نحو مصر.

وجد برقوق نفسه أمام خطر حقيقي.

ولم يجد أمامه سوى التراجع.

فخلع نفسه من السلطنة، وعاد الصالح حاجي إلى العرش مرة أخرى.

وهكذا بدا للحظة أن تجربة برقوق انتهت.

لكن الرجل لم يكن قد انتهى.

لقد خرج من القاهرة.

وتوجه إلى الكرك.

ومن هناك بدأ يبني طريق العودة.

السلطان الذي عاد من الكرك

كان من السهل أن يختفي برقوق في الكرك.

لكن الكرك لم تكن نهاية الطريق بالنسبة إليه.

كان لديه رجال وأنصار، وكان يعرف أن خصومه في القاهرة ليسوا كتلة واحدة.

وهذه نقطة مهمة في السياسة المملوكية:

عدوك اليوم قد يصبح عدو عدوك غدًا.

سرعان ما بدأت الخلافات بين خصوم برقوق أنفسهم.

وانقسمت القوى التي أطاحت به.

وبينما كانت القاهرة تغلي بالصراع، كان برقوق ينتظر اللحظة المناسبة.

ثم تحرك.

عاد أنصاره إلى القاهرة.

وسقط الصالح حاجي مرة أخرى.

وفي سنة 1390م عاد برقوق إلى السلطنة للمرة الثانية.

وهذه المرة لم يعد مجرد أمير استطاع الوصول إلى العرش.

بل أصبح الرجل الذي أثبت أنه قادر على استعادته بعد أن فقده.

وهنا بدأت سلطته تأخذ شكلًا أكثر ثباتًا.

من وراء الستار…

لم يكن ظهور برقوق حادثة منفصلة عن كل ما سبق.

فلو نظرنا إلى الصورة كاملة، سنجد أن الطريق إليه بدأ منذ سنوات طويلة.

بدأ عندما أصبحت السلطنة تعتمد على المماليك بوصفهم عماد الجيش.

ثم بدأ كبار المماليك يبنون لأنفسهم شبكات خاصة من الأتباع.

ثم أصبح الأمراء قادرين على خلع السلاطين وتنصيب غيرهم.

ثم أصبح أبناء الناصر محمد يتعاقبون على العرش دون أن يستطيع كثير منهم السيطرة على رجال الدولة.

ثم ظهر يلبغا.

ثم ظهر المماليك الذين كانوا في خدمته.

ثم ظهر بينهم رجل اسمه برقوق.

وهكذا لم يسقط البيت القلاووني في معركة واحدة.

بل تآكلت قدرته على الحكم عامًا بعد عام.

حتى جاء رجل من خارج الأسرة

فجلس على العرش.

والأهم من ذلك أن صعود برقوق كشف تحولًا أعمق:

الدولة المملوكية كانت قد دخلت عصرًا جديدًا.

عصر ستصبح فيه العناصر الشركسية أكثر حضورًا في قلب السلطة، وسيستمر نفوذهم في مصر والشام لأكثر من قرن وربع، حتى سقوط السلطنة المملوكية أمام العثمانيين سنة 1517م.

لكن برقوق لم يرث دولة هادئة.

فقد ورث دولة مرهقة من الصراعات الداخلية، وتعيش تحت ضغط الطاعون المتكرر، وتواجه تغيرات اقتصادية وسياسية واسعة.

وفوق كل ذلك كان في الشرق رجل آخر بدأ يصعد.

رجل سيأتي ذكره بقوة بعد سنوات.

تيمورلنك.

لكن تيمور لم يكن قد طرق أبواب الشام بعد.

والسلطان برقوق كان لا يزال أمامه سنوات ليبني سلطته، ويعيد ترتيب الدولة، ويواجه أخطر اختبار يمكن أن يواجهه سلطان:

هل يستطيع أن يجعل الدولة أقوى من صراع الأمراء؟

ذلك هو السؤال الذي سيقودنا إلى الفصل التالي ،

حين واجه برقوق العاصفة القادمة من الشرق.

مصادر تاريخية للاستئناس

اعتمد بناء هذا المقال وتسلسل أحداثه على ما تذكره المصادر التاريخية عن سلاطين المماليك في القرن الثامن الهجري، وخاصة أخبار المرحلة من وفاة الناصر محمد إلى صعود برقوق، مع الاستفادة من الدراسات الحديثة في تاريخ المماليك والتحول من الهيمنة التركية إلى الشركسية.

ومن أهم ما يمكن الرجوع إليه:

المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك.

ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة.

ابن حجر العسقلاني، إنباء الغمر بأبناء العمر.

بيتر هولت، الشرق الأوسط في العصور الوسطى.

روبرت إروين، المشرق الإسلامي في العصور الوسطى.

 

زر الذهاب إلى الأعلى