صدى مصرمقالاتمنوعات

حين يتحول الاختلاف إلى هدم… يصبح الوطن هو الضحية

هي دي مصر يا عبلة

 حين يتحول الاختلاف إلى هدم… يصبح الوطن هو الضحية

 

بقلم دكتور/ طارق هلال

هناك أفلام تنتهي بانتهاء المشهد الأخير، وهناك أفلام تظل بعض جملها حاضرة في

الذاكرة، لأنها لم تكن مجرد حوار بين أبطال الفيلم، وإنما اختزلت معنى أكبر من الحكاية نفسها.

#ومن بين هذه الجمل التي بقيت في وجدان المصريين، تلك العبارة الشهيرة في فيلم «الصعود إلى الهاوية»: “هي دي مصر يا عبلة”.

عبلة، الشخصية التي جسدتها مديحة كامل، لم تكن مجرد امرأة وقعت في طريق خاطئ، وإنما كانت نموذجاً للإنسان الذي اختار أن يضع نفسه في خدمة طرف آخر على حساب وطنه، حتى أصبحت الخيانة بالنسبة إليها طريقاً له ثمن، وكانت النهاية لحظة مواجهة بالحقيقة.

#وعندما عادت إلى مصر، لم تكن ترى مجرد مدينة أو شوارع أو مبانٍ. كانت ترى وطناً حاولت أن تؤذيه، وتعود إليه في اللحظة التي انكشفت فيها الحقيقة.

ولهذا بقيت الجملة. هي” دي مصر يا عبلة”. وكأن مصر في تلك اللحظة لم تكن مكاناً، وإنما كانت سؤالاً أخلاقياً: ماذا فعلتِ بهذا الوطن؟ وماذا فعل الوطن بكِ؟

واليوم، وبعد عقود من إنتاج الفيلم، تبدلت الظروف وتغيرت الأدوات، لكن السؤال نفسه ما زال صالحاً.

فالوطن لا يطلب من أبنائه أن يتفقوا في كل شيء، ولا أن يتوقفوا عن النقد، ولا أن يغلقوا عقولهم أمام الأخطاء. بالعكس، فالنقد الصادق ضرورة، والاختلاف حق، والنصيحة واجب، والمطالبة بالإصلاح جزء من بناء الدول.

#لكن هناك فارقاً كبيراً بين من يختلف لكي يصلح، ومن يختلف لكي يهدم. بين من ينتقد لأنه يريد الأفضل لبلده، ومن يتصيد كل أزمة لكي يحولها إلى وقود للفوضى. بين من يرى الخطأ فيشير إليه، ومن يبحث عن أي خطأ ليقول إن الوطن كله فاشل. وبين من يختلف مع قرار أو سياسة، ومن يتمنى أن تفشل الدولة نفسها حتى يثبت أنه كان على حق.

هنا تبدأ المشكلة.

#فالخيانة ليست دائماً صورة واضحة يمكن الإمساك بها. أحياناً تأتي في صورة معلومة كاذبة، أو شائعة يتم تداولها مع معرفة صاحبها بأنها غير صحيحة، أو تحريض على الفوضى، أو تشويه متعمد لكل إنجاز، أو تبرير لإضعاف مؤسسات الدولة، أو استدعاء الخارج للتدخل في الشأن الداخلي، أو تحويل أزمات الوطن إلى مادة للشماتة والاحتفال.

#وقد يختلف الأشخاص في تبرير أفعالهم، لكن النتيجة واحدة عندما يصبح الهدف هو إضعاف الوطن. وهنا يجب أن ننتبه إلى خطورة الزمن الذي نعيش فيه.

#فلم تعد الحرب على الدول تحتاج دائماً إلى جيوش تتحرك عبر الحدود. هناك حروب تستهدف وعي الإنسان، وثقته في بلده، وإيمانه بقدرته على المستقبل. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن لجملة واحدة غير مسؤولة أن تصل إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق، ويمكن لمقطع مجتزأ أن يصنع حالة غضب، ويمكن لشائعة أن تتحول إلى أزمة قبل أن تصل الحقيقة إلى الناس.

#ولهذا فإن حماية الوطن اليوم لا تعني فقط حماية الحدود. إنها أيضاً حماية الوعي. لكن علينا في الوقت نفسه ألا نقع في الخطأ المقابل، فنضع كل منتقد في خانة الخيانة. فهذا ظلم للحقيقة قبل أن يكون ظلماً للناس.

#مصر دولة كبيرة، وتاريخها أكبر من أن تخاف من النقد، وشعبها الذي تحمل الكثير يستطيع أن يميز بين من يريد الإصلاح ومن يريد الهدم.

#فالمواطن الذي يقول: هذا القرار يحتاج إلى مراجعة، ليس خائناً. ومن يقول: هذا المشروع يحتاج إلى تحسين، ليس خائناً. ومن يطالب بمزيد من العدالة أو الكفاءة أو الشفافية، لا يصبح خائناً لمجرد أنه انتقد.

#الوطنية ليست أن نصفق لكل شيء. الوطنية أن نختلف ونحن نضع مصلحة الوطن أمام أعيننا. أن ننتقد ونحن نبحث عن الحل. أن نغضب من الخطأ، لكن لا نفرح بسقوط بلدنا. أن نختلف مع الحكومة، لكن لا نكره الدولة. أن نطالب بالإصلاح، لكن لا نشارك في الهدم.

#وهنا تحديداً يظهر الفارق بين المواطن والمعول. المواطن قد يختلف، لكنه يظل جزءاً من البناء. أما من يجعل من كل أزمة فرصة لهدم الثقة، ومن كل مشكلة ذريعة لإشعال الفوضى، ومن كل خلاف مدخلاً للاستقواء بالخارج، فإنه لا يعود مجرد مختلف في الرأي.

#لأن الأوطان لا تبنى بالنوايا وحدها، وإنما بالمواقف. والتاريخ لا يسأل الإنسان فقط: ماذا كنت تقول؟ بل يسأله أيضاً: ماذا فعلت عندما كان وطنك يمر بأزمة؟ هل ساعدت على تجاوزها؟ هل قدمت حلاً؟ هل وقفت إلى جوار بلدك؟  أم كنت تنتظر سقوطه لتثبت صحة موقفك؟

وهنا تعود إلينا عبلة مرة أخرى. ليس المقصود أن نعيش أسرى لفيلم قديم، وإنما أن نفهم الدرس الذي تركه لنا.

#فالإنسان قد يختلف مع وطنه في قضية، وقد يغضب من مسؤول، وقد يرفض سياسة، وكل ذلك يمكن أن يكون طبيعياً.

#لكن عندما يتحول الأمر إلى مشاركة واعية في إضعاف الوطن، أو تبرير هدمه، أو الاستعانة بمن يريد به سوءاً، فإن المسألة تنتقل من الاختلاف إلى شيء آخر. شيء اسمه الخيانة. وقد تتغير الأدوات، وتتغير الشعارات، وتتغير التبريرات، لكن الخيانة تظل خيانة.

#والأخطر أن بعض الناس قد لا يدركون أنهم أصبحوا جزءاً من عملية هدم أكبر منهم. يعيدون نشر ما يصل إليهم، ويصدقون ما يوافق غضبهم، ويهاجمون كل ما هو مصري لمجرد أنه صادر عن الدولة، ثم يكتشفون متأخرين أن ما ظنوه معركة سياسية كان في الحقيقة استهدافاً لوطن كامل.

#وهنا يجب أن تكون لدينا قاعدة بسيطة: انتقد كما تشاء، اختلف كما تشاء، طالب بالإصلاح كما تشاء… لكن لا تهدم وطنك. ولا تمنح أعداءه ما عجزوا عن الحصول عليه بأنفسهم.

#لأن الدولة يمكن إصلاح مؤسساتها، وتصحيح سياساتها، وتغيير مسؤوليها، ومراجعة قراراتها. أما الوطن نفسه، فلا يوجد له بديل. مصر ليست حكومة تتغير، ولا مسؤولاً يأتي ويغادر، ولا حزباً يصعد أو يهبط.

#مصر هي الأرض والتاريخ والنيل والناس والذاكرة والمستقبل. وهي قبل كل ذلك شعب عاش أزمات وحروباً وتحولات، وتحمل، وساند، ودعم، وأصلح، ودفع الثمن، ثم عاد ليبني ويحتفل بالحياة من جديد.

#ولهذا فإن الدرس الحقيقي من «الصعود إلى الهاوية» ليس أن نبحث عن «عبلة» جديدة، وإنما أن نرفض أن نصبح جميعاً جزءاً من أي طريق يقود إلى الهاوية.

#وفي النهاية، سيبقى السؤال الذي لا يحتاج إلى إجابة طويلة: إذا حاولت يوماً أن تهدم وطنك، أو ساعدت من يريد هدمه، ثم عدت لترى مصر واقفة كما كانت، رغم كل ما مر بها… فماذا ستقول لك مصر؟

#ربما لن تحتاج إلى أكثر من جملة واحدة:

“#بصى يا عبلة … ده النيل … وده الهرم … وهي دي مصر يا عبلة”.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى