حين يتحول الحزم إلى إهانة بقلم: محمود سعيد برغش
حين يتحول الحزم إلى إهانة بقلم: محمود سعيد برغش

حين يتحول الحزم إلى إهانة
بقلم: محمود سعيد برغش
في أي دولة تحترم العمل والعلم، يبقى المهندس رمزًا للعقل الذي يبني، والعامل رمزًا للعرق الذي يصنع، والمسؤول الحقيقي هو من يعرف كيف يدير الجميع باحترام قبل الأوامر.
لكن ما حدث مؤخرًا من الفريق كامل الوزير تجاه أحد المهندسين أمام الكاميرات، فتح بابًا واسعًا للنقاش، ليس فقط عن الواقعة نفسها، بل عن الطريقة التي أصبح يُدار بها بعض المسؤولين للمشهد العام.
قد يختلف الناس حول أداء الوزير، فهناك من يراه رجلًا يعمل بلا توقف، ويقود مشروعات ضخمة بسرعة وحسم، وهناك من ينتقد أسلوبه الحاد في التعامل. لكن ما لا يختلف عليه أصحاب الضمير، أن الكرامة الإنسانية لا يجب أن تُهان مهما كانت الضغوط أو الأخطاء.
المهندس الذي وقف يشرح مشروعًا لم يكن عدوًا للدولة، ولم يكن خصمًا سياسيًا، بل كان يؤدي عمله تحت ضغط الكاميرات والمسؤولين والحضور. وربما أخطأ، وربما ارتبك، لكن هل يكون الرد بالإحراج العلني؟ وهل أصبحت القسوة أسلوب إدارة طبيعيًا حتى أمام الناس؟
إن أخطر ما في المشهد ليس كلمة قيلت وانتهت، بل الرسالة التي تصل لكل موظف ومهندس وشاب يعمل في صمت: هل أصبح الخوف أهم من الاحترام؟ وهل المطلوب تنفيذ الأوامر فقط، أم الحفاظ على إنسانية من يعملون؟
الدول لا تُبنى بالصوت المرتفع وحده، بل تُبنى بالعدل، والاحترام، وإعطاء كل إنسان قيمته. فالمهندس الذي يُهان اليوم أمام الجميع، قد يكون هو نفسه من سهر ليالٍ طويلة كي ينجز مشروعًا تتحدث عنه الدولة غدًا بفخر.
لسنا ضد الحزم، فالحزم مطلوب، خاصة في ملفات ضخمة تمس حياة ملايين المواطنين. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الحزم والإهانة، بين الإدارة والضغط النفسي، بين تصحيح الخطأ وكسر الإنسان.
والمجتمعات التي تخاف فيها العقول من الخطأ، تتحول تدريجيًا إلى مجتمعات صامتة، تخفي الإبداع خوفًا من العقاب العلني أو السخرية أو الإهانة.
في النهاية… المسؤول الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد الطرق والكباري والمصانع، بل يُقاس أيضًا بكيفية تعامله مع البشر. فالإنجاز يبقى… لكن الكلمة الجارحة أيضًا لا تُنسى.





