حين يخذلنا العالم تبقى الأم. إسراء محمد
حين يخذلنا العالم تبقى الأم
بقلم :إٍسراء محمد
في لحظةٍ ما, سيخذُلك كل شيء. الأصدقاء الذين ظننتهم سندًا, الأماكن التي اعتبرتها وطنًا والأيام التي راهنت عليها طويلًا. في لحظةٍ ما ستقف وحيدًا تُعيد حساباتك وتكتشف أن كل ما ظننته ثابتًا كان مؤقتًا, إلا شيء واحد فقط. قلب أمك ذلك القلب الذي لم يتغير منذ أول مرة حملتك فيها, ولم يتبدل رغم كل ما تغيّر فيك ولم يتعب من حبك حتى حين أتعبته.
الأم ليست مجرد إنسانة في حياتك, هي الاستثناء الوحيد في عالم مليء بالقواعد القاسية. هي الشيء الوحيد الذي لا يخضع للمنطق, ولا يتأثر بالظروف, ولا يعرف معنى “الاكتفاء. هي التي تحبك في أسوأ حالاتك, وتراك أفضل مما أنت عليه وتؤمن بك حتى حين تفقد أنت إيمانك بنفسك..
في هذا العالم قد تجد من يصفق لك حين تنجح, لكن من يبقى بجانبك حين تسقط هي أمك, قد تجد من يشاركك ضحكتك, لكن من يبكي لأجلك في صمت هي أمك. قد تجد من يقول لك أنا معك, لكن من يكون معك فعلًا دون أن يقول, هي أمك.
كبرنا وظننا أننا أصبحنا أقوى, أننا لم نعد بحاجة إلى ذلك الحضن, ولا إلى تلك الكلمات البسيطة التي كانت تطمئننا, لكن الحقيقة التي نحاول الهروب منها أننا لم نكبر بقدر ما ابتعدنا, وأننا لم نستغنِ بل تعلّمنا كيف نخفي احتياجنا, نؤجل مكالماتها, نختصر حديثها, نمرّ على وجودها مرور العابرين وكأنها ستبقى دائمًا هناك تنتظرنا لكن ماذا لو لم تبقَ؟, ماذا لو جاء يوم نبحث فيه عن صوتها فلا نجده؟ عن دعائها فلا نسمعه؟ عن يدها فلا تمسك بأيدينا؟, ماذا لو أدركنا متأخرين, أننا كنا نملك العالم كله في صورة أم ولم ننتبه؟.
الأم لا تطلب الكثير, لا تنتظر هدايا فاخرة ولا كلمات منمقة, هي فقط تريد أن تشعر أنها ما زالت في قلبك, كما كنت أنت دائمًا في قلبها, تريد أن تطمئن عليك, أن تسمع صوتك, أن تراك بخير حتى وإن كانت هي ليست بخير. كم مرة أخفت ألمها حتى لا تقلقك؟, كم مرة ابتسمت وهي متعبة؟, كم مرة قالت أنا بخير وهي ليست كذلك؟. الأم لا تشتكي لأنها تعرف أن شكواها ستكسرنا, فتختار أن تتحمل وحدها كي نبقى نحن بخير.
وفي عيد الأم نحاول أن نكون أفضل, نحاول أن نعوّض, نحاول أن نقول كل ما لم نقله لكن الحقيقة المؤلمة, أن يومًا واحدًا لا يكفي وأن عمرًا كاملًا قد لا يكفي.
عيد الأم ليس احتفالًا, بل جرس إنذار. إنذار بأن هناك قلبًا يضعف مع الوقت, وأن هناك يدًا قد لا تبقى ممدودة إلى الأبد. وأن هناك فرصة إن ضاعت لن تعود, إن كانت أمك الآن بجانبك فأنت تملك نعمة لا تُقدّر بثمن, لا تؤجلها, لا تؤجل حبك, لا تؤجل اهتمامك, لا تؤجل كلمة “بحبك”. فبعض الكلمات إن تأخرت فقدت معناها اقترب منها اجلس بجوارها دون سبب اسألها عن يومها استمع لها وكأنك تسمعها لأول مرة فربما تكون هذه اللحظة هي كل ما ستتذكره لاحقًا وإن كانت بعيدة فالقلب لا يعترف بالمسافات اتصل اطمئن اجعلها تشعر أنها ما زالت أولويتك لا آخر اهتماماتك
وإن كانت غاضبة فلا شيء في هذا العالم يستحق أن تخسر قلب أمك من أجله اعتذر ليس لأنك مخطئ دائمًا بل لأن وجودها أهم من أن تثبت أنك على حق أما إن كانت في السماء فهناك حكاية أخرى حكاية لا تُقال بل تُشعر حكاية شخصٍ يتظاهر بالقوة طوال اليوم ثم يضعف ليلًا لأنه اشتاق لصوتٍ لن يعود لمن فقد أمه.
نعلم أن عيد الأم ليس يومًا سعيدًا, بل يوم يوقظ كل شيء. الذكريات, الحنين, والفراغ الذي لا يملأه أحد, لكن ربما كل دعاء يصلها, كل صدقة تُهدى لها, كل دمعة تخرج شوقًا إليها, هي رسالة تقول “ما زلتِ هنا ولم ترحلي”. الأم لا تغيب هي فقط تسكن مكانًا لا نراه
وفي النهاية لن تكفي الكلمات لن يكفي هذا المقال ولن تكفي كل لغات العالم لتصف ما تعنيه “الأم” لكن يكفي أن ندرك قبل فوات الأوان أن أعظم حب في حياتنا كان أمامنا طوال الوقت وأننا كنا نملكه دون أن نشعر بقيمته كما يجب فلا تنتظر لا تؤجل لا تفترض أن الوقت ما زال طويلًا اذهب الآن وقل لها“أنا بحبك.” فربما تكون هذه الكلمة هي الشيء الوحيد الذي كانت تنتظره منذ زمن طويل






