خطبة حجة الوداع. بقلم / محمد مصطفى كامل
بقلم / محمد مصطفى كامل
في حياة العظماء لحظات يدرك فيها التاريخ أن الرحلة تقترب من نهايتها. ليست لأن المشروع ضعف. ولا لأن الرسالة فقدت تأثيرها. بل لأن المهمة التي بدأوها شارفت على الاكتمال. وعندها تصبح الكلمات أكثر أهمية من المعارك. وتصبح الوصايا أكثر بقاءً من الانتصارات. فالقادة يصنعون الأحداث.
أما الرسالات فتصنع ما يبقى بعد رحيل أصحابها. ولهذا لم تكن حجة الوداع مجرد رحلة حج. بل كانت اللقاء الأخير تقريبًا بين النبي صلى الله عليه وسلم والأمة التي أمضى أكثر من ثلاثة وعشرين عامًا يبنيها. وكانت الجزيرة العربية كلها تستعد لسماع الرسالة الأخيرة.
خطبة حجة الوداع
حين ألقى النبي صلى الله عليه وسلم خطابه الأخير إلى أمة اكتمل بناؤها.
في التاريخ خطب كثيرة. وخلف كل أمة كلمات تركها قادتها للأجيال. لكن القليل من تلك الكلمات كُتب له أن يبقى حيًا بعد قرون طويلة كما بقيت كلمات النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. لأنها لم تكن خطاب نصر. ولا خطاب سلطة.
ولا إعلانًا لمشروع سياسي جديد. بل كانت خلاصة رحلة كاملة. رحلة بدأت في غار حراء. ومرت بسنوات الدعوة السرية. والاضطهاد. والحصار. والهجرة. والحروب. وبناء الدولة. وفتح مكة.
ثم انتهت هنا. في مشهد اجتمع فيه عشرات الآلاف من المسلمين حول الرجل الذي غيّر وجه الجزيرة العربية. كانت السنة العاشرة للهجرة. وكان الإسلام قد انتشر في معظم أنحاء الجزيرة. والوفود تأتي من كل مكان. والدولة أصبحت أكثر استقرارًا من أي وقت مضى.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدرك ما لا يدركه كثيرون. أن اكتمال الرسالة يعني اقتراب انتهاء مهمته. ولهذا حملت تلك الرحلة معنى مختلفًا. فلم تكن مجرد أداء لفريضة الحج. بل كانت إعلانًا عمليًا عن اكتمال البناء. ولأول مرة شاهد المسلمون مناسك الحج مكتملة كما أرادها الإسلام. وشاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم يقود الأمة في أعظم تجمع عرفته الجزيرة حتى ذلك الوقت.
لكن اللحظة الأهم جاءت عندما وقف في عرفات. هناك حيث لا قصور. ولا عروش. ولا مظاهر سلطة. فقط قائد وأمة. ورسالة تقترب من اكتمالها.
وهنا ألقى النبي صلى الله عليه وسلم خطبته التي ستتحول إلى واحدة من أهم الوثائق الإنسانية في التاريخ. ولعل أول ما يلفت الانتباه فيها أنه لم يتحدث عن الفتوحات. ولم يتحدث عن الانتصارات العسكرية. ولم يفاخر بما تحقق خلال السنوات الماضية. بل تحدث عن الإنسان. عن الدماء. والحقوق. والعدالة. والكرامة. وكأنه يريد أن يقول للأمة إن قيمة الرسالة ليست فيما فتحته من أراضٍ. بل فيما تبنيه من قيم. فأعلن حرمة الدماء والأموال والأعراض.
في مجتمع كان يعرف الثأر والانتقام والحروب القبلية منذ قرون. وأعلن إلغاء كثير من ممارسات الجاهلية التي كرست الظلم والانقسام. وكأن الرسالة كانت تعيد صياغة المجتمع من جديد. لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك. ففي واحدة من أكثر اللحظات تقدمًا في تاريخ ذلك العصر تحدث عن حقوق النساء وواجبات الرجال.
ووضع أسس العلاقة الأسرية على قواعد المسؤولية والرحمة والعدل. في زمن كانت المرأة في كثير من المجتمعات تُعامل باعتبارها جزءًا من الممتلكات لا شريكًا في الحياة. ثم جاءت الرسالة التي تجاوزت حدود القبيلة والعرق والنسب. حين أكد أن الناس جميعًا من أصل واحد. وأن التفاضل الحقيقي لا يكون باللون ولا بالنسب ولا بالقبيلة. بل بالتقوى والعمل الصالح.
وكان ذلك إعلانًا ثوريًا بكل المقاييس في مجتمع قامت بنيته الاجتماعية لقرون طويلة على العصبية والانتماءات القبلية. ولم تكن هذه الكلمات مجرد مبادئ نظرية. بل كانت إعلانًا عن شكل المجتمع الذي أراد الإسلام بناءه. مجتمع يتجاوز الانقسامات التقليدية دون أن يفقد هويته. ويؤسس لوحدة تقوم على القيم لا على العصبيات. ثم جاءت اللحظة التي شعر فيها كثير من الصحابة أن شيئًا مختلفًا يحدث.
حين نزل قول الله تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ كانت الآية بالنسبة لكثيرين إعلان اكتمال الرسالة. أما بعض أصحاب البصيرة فقد رأوا فيها معنى آخر. رأوا فيها إشارة إلى أن المهمة التي بدأت قبل ثلاثة وعشرين عامًا شارفت على نهايتها. ولذلك لم تكن مشاعر الفرح وحدها حاضرة. بل كان هناك شعور خفي بأن زمنًا كاملًا يقترب من إسدال ستاره الأخير.
وبعد انتهاء الحج عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. لكن الأحداث بدأت تأخذ منحى مختلفًا. فالرجل الذي قاد الأمة في أصعب مراحلها. والذي واجه الحصار والاضطهاد والحروب. بدأ يهيئ أصحابه بطريقة غير مباشرة لمرحلة ما بعده.
وكان يدرك أن الرسالات العظيمة لا تُقاس فقط بما يفعله مؤسسوها. بل بقدرتها على الاستمرار بعد رحيلهم. ولهذا كان التحدي الأكبر أمام المسلمين لم يعد مواجهة قريش. ولا التصدي للأحزاب. ولا بناء الدولة. بل الحفاظ على ما بُني بعد غياب القائد الذي جمع كل تلك المراحل في شخصه.
وهنا بدأ التاريخ يقترب من واحدة من أكثر لحظاته تأثيرًا وحزنًا. فالجزيرة التي توحدت. والدولة التي استقرت. والرسالة التي اكتملت. كانت تستعد لامتحان لم تعرفه من قبل. امتحان الفقد. امتحان الرحيل. امتحان السؤال الأصعب في حياة كل أمة .
ماذا يحدث عندما يغيب المؤسس؟ وهكذا لم تكن حجة الوداع نهاية رحلة الحج فقط. بل كانت المقدمة الأخيرة لفصل سيهز العالم الإسلامي كله. الفصل الذي ستبكي فيه المدينة. وترتجف فيه القلوب. ويواجه المسلمون لأول مرة الحياة دون نبيهم صلى الله عليه وسلم. ذلك هو الفصل القادم .
حين توقف قلب المدينة النابض، كيف واجه المسلمون رحيل النبي صلى الله عليه وسلم؟






