مقالات

رؤية المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي في فلسفة المال والإنفاق

مجدى طنطاوى يكتب عن* *رؤية المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي في فلسفة المال والإنفاق*

*مجدى طنطاوى يكتب عن*

*رؤية المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي في فلسفة المال والإنفاق*

*كيف أعاد القرآن بناء العلاقة بين الإنسان والثروة وجعل العدالة أساس الحضارة*

 

لا يتوقف طرح المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي عند حدود الحديث عن المال بوصفه قضية اقتصادية أو اجتماعية وإنما يتجاوز ذلك إلى إعادة بناء المفهوم كله انطلاقا من القرآن الكريم فالرؤية التي يقدمها لا تنطلق من نظريات الاقتصاد التقليدية ولا من الصراع بين الطبقات ولا من فلسفات السوق الحر أو هيمنة الدولة وإنما من سؤال أكثر عمقا وهو ما المكانة الحقيقية للمال في حياة الإنسان كما أرادها الله في كتابه الكريم

ومن هنا يذهب الشرفاء إلى أن الأزمة التي يعيشها العالم ليست أزمة إنتاج ولا أزمة موارد وإنما أزمة فهم لوظيفة المال ورسالة الإنسان فالقرآن في نظره لا يجعل المال محور الحياة وإنما يجعل الإنسان هو المحور ويجعل المال أداة لتحقيق الكرامة الإنسانية وإقامة العدل ونشر الرحمة بين الناس

وفي هذا السياق يقدم المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي قراءة مختلفة لمعنى الحضارة نفسها فالحضارات في ميزان القرآن ليست بما تملكه من ذهب وفضة ولا بما تشيده من أبراج وأسوار ولا بما تختزنه مصارفها من أرقام تتجاوز الخيال وإنما بما تستطيع أن تصنعه من إنسان كريم يشعر أن الله لم يخلقه ليكون رقما في سوق ولا ترسا في آلة ولا ضحية لجشع الأقوياء وإنما خلقه خليفة في الأرض يحمل رسالة العمران ويشارك في صناعة الخير

ومن هذا المنطلق يرى أن التحول الأخطر في تاريخ البشرية بدأ يوم تحول المال من وسيلة لخدمة الإنسان إلى غاية يلهث الإنسان خلفها ففي تلك اللحظة تبدلت الموازين وأصبحت قيمة الإنسان تقاس بما يملك لا بما يقدم وبما يحتكر لا بما يعمر وبما يجمع لا بما يمنح ومن هنا بدأت الصراعات الكبرى التي لم يكن سببها ندرة الموارد بقدر ما كانت نتيجة غياب الضمير وانهيار مفهوم الأمانة

 

ويؤكد الشرفاء أن الواقع المعاصر يقدم أوضح دليل على ذلك فالأرض ما زالت قادرة على إنتاج ما يكفي الجميع والمخازن ممتلئة بالخيرات والعلم بلغ آفاقا لم تعرفها الإنسانية من قبل ومع ذلك يتزايد عدد الجائعين والمحرومين والمشردين وهذا في نظره دليل على أن المشكلة ليست في السماء التي لم تبخل بخيراتها وإنما في الإنسان الذي بخل بعدالته

ومن أبرز ما يميز هذه الرؤية أنها تعيد تعريف الملكية نفسها فالقرآن لا يعترف بفكرة الملكية المطلقة التي تجعل الإنسان يتصرف في المال وكأنه ملك دائم له وإنما يقرر أن المال لله وأن الإنسان مجرد مستخلف فيه يؤدي أمانته ثم يرحل

 

قال تعالى

﴿ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ النور 33

 

وقال سبحانه

﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ الحديد 7

 

ويرى الشرفاء أن هاتين الآيتين تمثلان ثورة فكرية حقيقية في فهم العلاقة بين الإنسان والمال لأنهما تنزعان عن الإنسان وهم الملكية المطلقة وتضعانه أمام حقيقة الاستخلاف فما بين يديه ليس ملكا أبديا وإنما أمانة مؤقتة سيحاسب على طريقة إدارتها قبل أن يحاسب على مقدارها

وانطلاقا من هذا الفهم يؤكد أن العطاء لا يصبح تفضلا من الغني على الفقير وإنما يصبح أداء لحق فرضه الله في المال نفسه ولذلك لم يستخدم القرآن لغة الإحسان عند الحديث عن المحتاجين وإنما استخدم لغة الحق

 

قال تعالى

﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ الذاريات 19

 

وقال سبحانه

﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ۝ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ المعارج 24 25

 

ويعتبر الشرفاء أن هذه الآيات تنقل قضية التكافل من دائرة المشاعر إلى دائرة الالتزام فالحق لا يمنح إذا شاء صاحبه ولا يؤجل إذا ضاق الوقت ولا يرتبط بالمواسم وإنما يؤدى لأنه حق ثابت لا يسقط وهذه الفكرة في تقديره كفيلة بإعادة بناء الفلسفة الاقتصادية على أساس الكرامة الإنسانية بدلا من ثقافة المنح والعطايا

وفي تحليله لمسار الحضارات يرى أن المجتمعات لا تنهار عندما يقل المال وإنما عندما يتركز في أيد قليلة حتى يتحول إلى وسيلة للهيمنة وصناعة النفوذ واحتكار القرار فالمال إذا توقف عن الحركة تعطلت الحياة وإذا دار بين الناس ازدهرت التجارة والإنتاج واستقرت المجتمعات

ومن هنا يربط الشرفاء بين هذه الحقيقة وبين القاعدة القرآنية الخالدة

 

﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ﴾ الحشر 7

 

ويرى أن هذه الآية ليست توجيها اقتصاديا عابرا وإنما قانون حضاري دائم يحمي المجتمعات من الانقسام والانفجار فحين تنحصر الثروة في دائرة ضيقة تتسع دوائر الفقر ويتولد الشعور بالظلم وتضعف الثقة بين أبناء المجتمع ويصبح الأمن نفسه مهددا

وفي المقابل يوضح الشرفاء أن القرآن لا يحارب الغنى ولا يدعو إلى الفقر وإنما يحارب عبودية المال فالفرق كبير بين إنسان يملك المال وإنسان يملكه المال ولهذا يركز القرآن على تحرير النفس من الشح قبل الحديث عن حجم الثروة

 

قال تعالى

﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ الحشر 9

 

ويفسر الشرفاء هذه الآية بأن الشح ليس حالة مالية وإنما مرض أخلاقي يجعل الإنسان أسيرا لما يملك ويعيش خائفا من فقدانه حتى يتحول المال إلى سيد يتحكم في قراراته وسلوكه ولذلك يصبح الإنفاق وسيلة لتحرير الإنسان من عبودية المادة قبل أن يكون وسيلة لإغاثة المحتاج

 

قال تعالى

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا ﴾ التوبة 103

 

فالإنسان حين يعطي يتحرر من الأنانية ويتخلص من وهم أن ما يملكه هو مصدر أمنه الحقيقي

ويذهب الشرفاء إلى أن العالم المعاصر يتحدث كثيرا عن التنمية المستدامة وعن العدالة الاجتماعية وعن حقوق الإنسان لكنه يغفل الأساس الأخلاقي الذي يحفظ هذه المبادئ فقد استطاع الإنسان أن يغزو الفضاء وأن يحقق إنجازات علمية مذهلة لكنه لم يستطع أن يقضي على الجوع أو أن يضمن لكل إنسان حياة كريمة لأن الأزمة في جوهرها أزمة ضمير وليست أزمة إمكانات

ولهذا يؤكد أن القرآن يعيد تعريف النجاح نفسه فالنجاح ليس في حجم الثروة التي يتركها الإنسان وراءه وإنما في مقدار الخير الذي يتركه للناس والعدل الذي يسهم في إقامته والرحمة التي ينشرها في المجتمع

 

قال تعالى

﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ التوبة 34

 

ويرى الشرفاء أن الكنز في المفهوم القرآني ليس مجرد الادخار المشروع وإنما احتباس المال عن أداء وظيفته الاجتماعية والإنسانية وتحويله إلى وسيلة لتعطيل الحقوق وإغلاق أبواب الخير

 

قال تعالى

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ۝ فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ۝ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾ الماعون 1 3

 

ومن خلال هذه الآيات يقرر أن الإيمان في القرآن ليس شعارات ولا طقوسا منفصلة عن الواقع وإنما سلوك عملي يظهر في حماية اليتيم ورعاية المحتاج وصيانة كرامة الإنسان

 

قال تعالى

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ﴾ المائدة 2

 

وقال سبحانه

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ الحجرات 10

 

ويؤكد الشرفاء أن هذه الأخوة ليست علاقة عاطفية مؤقتة وإنما قاعدة حضارية تجعل الإنسان مسؤولا عن مجتمعه كما هو مسؤول عن نفسه

 

قال تعالى

 

﴿ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ﴾ البقرة 261

 

وقال سبحانه

 

﴿ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ سبأ 39

 

ويفسر الشرفاء هذه السنابل بأنها ليست مجرد مضاعفة مادية وإنما مضاعفة للأمن والاستقرار والثقة والمحبة داخل المجتمع فكل مال يتحرك في طريق الخير يمنع أسباب الجريمة واليأس والكراهية ويصنع بيئة أكثر استقرارا للجميع

 

ثم ينتقل الشرفاء إلى بيان أن القرآن يجعل الإنفاق طريق النجاة من الهلاك الفردي والمجتمعي

 

قال تعالى

 

﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ البقرة 195

 

ويرى أن التهلكة المقصودة لا تتمثل في الإنفاق وإنما في تعطيل المال عن أداء رسالته فحين يمتنع الناس عن أداء الحقوق وتتجمد الثروة في أيدي فئة قليلة تتسع الفجوة الاجتماعية ويصبح المجتمع كله معرضا للتفكك

 

قال تعالى

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ ۝ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ۝ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ ۝ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ ﴾ الليل 5 10

 

ويعتبر الشرفاء أن هذه الآيات تقدم قانونا قرآنيا ثابتا يؤكد أن البذل يفتح أبواب اليسر وأن البخل يقود إلى العسر مهما ظن الإنسان أنه يحافظ على ثروته

 

وفي ختام هذه الرؤية يتبين أن المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي لا يقدم قراءة وعظية لقضية المال بقدر ما يقدم مشروعا حضاريا متكاملا يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والثروة على ضوء القرآن الكريم فالإنسان في هذه الرؤية هو الغاية والمال وسيلة والعدالة فريضة والرحمة أساس العمران

ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لهذا الطرح لا تكمن في كونه دعوة إلى الإنفاق فحسب وإنما في كونه إعادة تأسيس لفلسفة الحضارة نفسها حضارة يكون فيها المال خادما للإنسان لا سيدا عليه وتصبح فيها الثروة أداة لبناء الكرامة الإنسانية لا وسيلة للاحتكار والسيطرة وعندما يدرك الإنسان أن ما في يده أمانة وأن حق المحتاجين عهد بينه وبين ربه وأن الإنفاق هو استثمار في أمن المجتمع واستقراره عندها فقط يبدأ التاريخ في كتابة فصل جديد عنوانه العدل ورسالة صفحاته الرحمة وخاتمته كرامة الإنسان كما أرادها الله للعالمين

زر الذهاب إلى الأعلى