رؤية نقدية في رواية “شبح إلدوريت” للأديبة د. إيمان مرزوق
رؤية نقدية في رواية “شبح إلدوريت” للأديبة د. إيمان مرزوق
بقلم: مصطفى العقاد
تتميّز الأديبة د/ إيمان مرزوق بقدرة لافتة على اختيار الأسماء، سواء لمؤلفاتها أو لشخصيات أعمالها الأدبية، إذ تلتقط الدلالة في صفائها دون تكلّف لتصوغ سردًا يجمع بين عمق الطرح الإنساني وكثافة الترميز. في هذا العمل تتكئ على بنية تقوم على تفكيك اليقين بما يفسح المجال أمام تعدد التأويلات، حيث نسجت خيوط نصّ قام على التشابك بصراعات ظاهرة وأخرى خفيّة.
حدثٍ عابر – حادث سير – يكشف شبكة معقدة من الجرائم لتتحول الواقعة إلى حكاية كبيرة تفضح عالم من الغموض, اشتباك نصيّ مع قضية أخلاقية شائكة, تظهر تحوّلات القيم في ظل هيمنة التكنولوجيا, وبتصعيد الحبكة التي تبدو في ظاهرها حادثًا عرضيًا تصنع مدخلًا إلى العديد من الأسرار.
تنتمي الرواية إلى نمط السرد متعدد الأصوات(Polyphonic Narrative)، حيث تتناوب الشخصيات على رواية الحدث، أسلوب يمنح النص ثراءً دلاليًا ويكسر مركزية الراوي العليم. هذا النمط يذكّر بتجارب روائية عالمية , تُنسب إلى تقاليد روائية رسّخها “فيودور دوستويفسكي” وطوّرها لاحقًا “ويليام فوكنر”، وهذا يوفر زوايا نظرية متباينة, تكشف الحقيقة تدريجيًا, وتُبقي القارئ في حالة يقظة وتأويل مستمر, إذ تتشكّل الحقائق عبر تداخل الروايات الجزئية دون أن يهيمن صوت واحد عليها. وقد أحسنت الكاتبة توظيف هذا الأسلوب دون أن تقع في فخ التشتيت، إذ جاءت الأصوات السردية متماسكة تخدم الحبكة ولا تربكها.
تبدأ الرواية بحادث تصادم, وسرعان ما يدخل القارئ في دائرة من الشك والتساؤل. هذا المدخل السردي الذكي يؤسس لما يمكن تسميته بـ”اقتصاد التشويق”، حيث لا تُمنح المعلومات دفعة واحدة. وفي تنقلات الفصول تأتي الخاتمة بنهايات مشوّقة (Cliffhangers) لتجعل كل فصل وحدة جذب مستقلة تدفع إلى الاستمرار دون انقطاع. هذه التقنية تعكس حرفية واضحة في إدارة الإيقاع السردي, مما يجعل الرواية تسير بنمط ظاهره هادئ، لكنه مشحون بغموض داخلي, وتتصاعد الأحداث بتتابع ومنطقية محكمة يساعد علة كشف خيوط القضية تدريجيًا وشبكة عالمية للاتجار بالأعضاء، وشخصيات تبدو في ظاهرها خيّرة وفي ممارسات خفية؛مظلمة يكمن الشر.
مستوى اللغة: اعتمدت الكاتبة أسلوبًا معاصرًا يتسم بالاقتصاد والوضوح دون أن يفرّط في العمق الدلالي أو الإخلال بالمعنى, مما يجعل النص قابلًا للتلقي دون إرهاق ذهني, وفي الوقت ذاته محتفظًا بعمق الحبكة. لغة “تشير ولا تُرهق”، تترك مساحات للتأويل، تبتعد عن الزخرفة المفرطة، وهذا يجعلها – مناسبة لطبيعة الموضوع- , معالجة رشيقة لا خطابية وتلك المهارة تتمكن منها بقوة. كما أن السرد جاء متدفقًا، يخدم الأحداث بشكل منطقي دون قفزات مربكة. وهو ما يُحسب للعمل من ناحية البناء الفني.
أما من حيث المضمون. فالرواية تطرح قضية الاتجار في الأعضاء البشرية، وقد ربطتها بعالم التكنولوجيا, خاصة تطبيقات التواصل, وضربت المثل بـ “تيك توك”, إذ يُستخدم كوسيط خفي لتمرير الصفقات. وذكرت الكاتبة تداول الرموز (الحيتان، الدببة، الأسود) كنوع من الدعم في إسقاط سيميائي ذكي أظهر جانب الاقتصاد الرقمي المظلم. هذا التوظيف يفتح أفقًا نقديًا مهمًا حول خطورة سوء الاستخدام غير الواعي للتكنولوجيا وتحولها إلى أداة للاستغلال.
تتجلّى السيميائية في الرواية عبر عدد من الرموز والمستويات المركزية أبرزها “إلدوريت” بالوصف هو فضاءً مزدوج الدلالة: كرمز يبدو واعدًا لكنه يخفي شبكة فساد كبيرة, مكانًا جغرافيًا من جهة “مدينة تقع بغرب كينيا”, مجاز لعالم خفي تُدار فيه الصفقات من جهة أخرى. كما يبرز “الشبح” كشخصية مجهولة بوصفه دلالة على القوى غير المرئية التي تتحكم في مصاير الأفراد. وتكشف هذه البنية الرمزية عن وعي الكاتبة بأهمية البعد الدلالي في النص، حيث لا تُقدَّم الأحداث بوصفها وقائع فحسب، وإنما هي علامات قابلة للتأويل. والشخصيات التي تحمل أسماء دالة (عهد، يوسف، حكيم) وغيرها, تعكس أخلاقيات متعددة ومفارقات قدرية. وهنا أشير إلى ميزة الكاتبة, هي دائمًا تحسن اختيار أسماء شخصياتها, وتنسجم مع أدوارها ودلالاتها النفسية. وهو ما يعكس خبرتها السردية الواعية بأثر الاسم في تشكيل التلقي.
الجانب الإنساني: تطرح الرواية سؤالًا أخلاقيًا عميقًا حول الاستغلال. كما في شخصية “حامد المنسي” الضحية وصاحب القضية, كأداة يجسدها نموذج الإنسان المستغل تحت ضغوط الحاجة. هذا التحول لا يُقدَّم بوصفه انحرافًا فرديًا، وإنما نتيجة بنية معقدة. وبرزت النصوص عنه دون التجاوز في السرد وحول قضيته إلى مساءلة تدين الواقع. ومن نقاط القوة في الرواية هو البعد الإنساني عند الضحية والذي حوله إلى الشريك القسري, وهذا يطرح سؤالًا عميقًا حول حدود المسؤولية الفردية في ظل الإكراه.
كما يُحسب للرواية تقييم الأدوار البارزة للشخصيات غير مصرية, منها من ساهم بتحقيق العدالة بدافع إنساني لا ينتظر المقابل، ومنها هو أساس المنظومة بدافع الاتجار والفساد الأخلاقي. هذا الطرح جاء كمساهمة أدبية جريئة. وأما عن التخاطب جاء عبر تطبيقات تترجم الكلمات, إذ كان “حامد المنسي” لا يفهم لغة البلد ولكنه اجتاز التواصل, وبواسطة التكنولوجيا, الوجه الأمثل للتطوير والذي يجب أن يتبع.
أما عن مجرى الحبكة، فقد برز ذكاء المحامية “عهد” ومعاونيها في الإيقاع بالشبكة من خلال حيلة محكمة – دون مساس سيادة القانون- تشبه طبيعة الصراع, وتُظهر أن المواجهة الحاسمة لا تكن عشوائية وإنما الدافع هو الإصرار. نقطة تحوّل درامية كشفت عن وعيها القانوني, لم تفقد الرواية توازنها بينما عزز دور مصداقية المهنة الرفيعة, ومنحها بعدًا واقعيًا. ولكن بعض التحولات الدرامية رغم منطقيتها إلّا أنها ذكرت بإيقاع سريع نسبيًا, ولم تأخذ قدرها الكافي وإظهارها بشكل أعمق, رغم سقوط هذا الجانب إلا أنه لم يفكك الحبكة.
تسير الرواية بنمط هادئ نسبيًا، لكن هذا الهدوء لم يضمن التنبؤ بالنهايات المتوقعة لأي شخصية بالراوية، إذ تأتي ضمن المفاجئات “النهاية المفتوحة”, وتُعد من أبرز عناصر قوتها. فالنهاية لا تقدم إجابات قاطعة وإنما تترك القارئ في حالة تأمل ومساحة أكبر للتأويل دون تقديم حل حتمي, هذه التقنية تعزّز من فاعلية النص وتعكس وعيًا سرديًا يهتم بإشراك القارئ في إنتاج المعنى إذ تتركه في حالة ما بعد الانتهاء, وتؤكد أن القضايا المطروحة لا يمكن حسمها سرديًا بسهولة.
في المجمل، يمكن القول إن رواية “شبح إلدوريت” جمعت بين التشويق والطرح الأخلاقي، تقديم نقد معاصر لواقع معقد, تقاطع التكنولوجيا مع الجريمة، والإنسان مع ضعفه. رسالته واضحة: توخ الحذر من الانزلاق خلف وهم الحلول السريعة، خاصة تلك التي يروجونها عبر وسائل التواصل, وقد تخفي وراءها عوالم مظلمة. رواية تُحسب لكاتبتها من حيث البناء و الجرأة على الطرح والقدرة على إدارة الغموض بين تعدد الشخوص، مع احتفاظها بخيط إنساني يجعلها قريبة من وجدان القارئ، رغم قسوة موضوعها.



