رواية ميراث الخطيئة
بقلم : عماد نويجي
الفصل العاشر ( نصف الحقيقة )
لم تكن أمينة تنوي الذهاب إلى بيت يوسف
لكنها ظلت طوال الليل ترى وجه عبد الستار في أحلامها وتسمع صوته وهو يقول لها إن الصمت الذي بدأ لحماية الناس صار سببا في خرابهم
وفي الصباح ارتدت عباءتها وذهبت إلى البيت القديم
استقبلها يوسف بدهشة
قال
خير يا حاجة أمينة
جلست أمامه دون أن ترفع عينيها
أنا جاية أقول لك حاجة كان لازم تتقال من زمان
أحضر يوسف كوبا من الماء ووضعه أمامها
اتفضلي
لكنها لم تمد يدها إليه
سألت
إنت لقيت ورق أبوك
تجمد يوسف
عرفتِ منين
لأن اسمي كان موجود فيه
أخرج يوسف الورقة ووضعها أمامها
أريد أن أفهم كل شيء
أغمضت أمينة عينيها طويلا ثم بدأت تتحدث
قبل أكثر من ثلاثين عاما كان عبد الستار رجلا شابا يعمل مع سالم البدري في تجارة الأراضي وكانا صديقين قبل أن يكونا شريكين
كان سالم يثق به ثقة كاملة حتى إنه ترك له مسؤولية بعض المعاملات حين سافر إلى القاهرة لإنهاء صفقة كبيرة
وفي تلك الفترة دخل فؤاد الشربيني إلى حياتهما
كان فؤاد شابا فقيرا يعمل وسيطا بين التجار لكنه اكتشف أن المال يمكن أن يأتي أسرع إذا عرف كيف يستغل ثقة الناس
أقنع عبد الستار بأن تغيير بعض العقود سيمنحهم فرصة لشراء أراض بأسعار منخفضة ثم بيعها بعد ارتفاع قيمتها
رفض سالم الفكرة حين عاد
لكن العقود كانت قد تغيرت بالفعل
بدأت المشاجرات وانقسم الشركاء ثم ظهرت مستندات تدين سالم وحده
قالت أمينة وهي تبكي
أنا كنت شاهدة على جزء من اللي حصل
ليه ما شهدتيش بالحقيقة
لأن فؤاد هددني بابني الصغير وكان وقتها مريضا ومحتاج علاج وأنا ما كانش عندي فلوس
نظر إليها يوسف بصدمة
وأبويا
عبد الستار كان خايف على تجارته وعلى أولاده وخاف إن اعترافه يضيع كل حاجة بناها
لكنها لم تبرئه
كان عارف إنه بيظلم سالم وسكت
صمتت قليلا ثم أضافت
بعد ما دخل سالم السجن حاول عبد الستار يساعد بنته ليلى من بعيد وكان يبعث لها فلوس من غير ما تعرف الحقيقة كاملة
شعر يوسف أن الحكاية أصبحت أكثر قسوة مما تخيل
سألها
وسالم مات
هزت أمينة رأسها
ما أعرفش
آخر مرة سمعت عنه كانت بعد خروجه من السجن بسنين وقالوا إنه سافر بعيد
لكن قبل ما يختفي ساب ورق عند عبد الستار
أي ورق
أجابت بصوت خافت
نسخة من العقود الأصلية
نهض يوسف وفتح الأدراج واحدا بعد الآخر
لم يجد شيئا
قالت أمينة
يمكن الورق اتنقل لمكان تاني
أمسك يوسف بالرسالة
وأنا لازم ألاقيه
وقبل أن تغادر أمينة التفتت إليه وقالت
يا بني أبوك ما كانش شرير لكنه خاف على نفسه أكتر ما خاف على المظلوم
ويمكن دي كانت خطيئته الأكبر
خرجت أمينة من البيت وهي تشعر بأن حملا ثقيلا بدأ يخف عن قلبها لكنه لم يختف
أما يوسف فظل واقفا أمام النافذة يفكر في سالم البدري
رجل خسر بيته وسمعته وحريته بسبب خيانة مجموعة من الأشخاص
لكن إذا كانت العقود الأصلية لا تزال موجودة فربما لم تنته الحكاية بعد
وفي آخر الشارع كان رجل مسن يجلس داخل سيارة قديمة يراقب بيت عبد الستار
وحين خرجت أمينة من الباب تابعها بعينيه
ثم أخرج من جيبه صورة قديمة لعبد الستار وفؤاد والأستاذ جلال وسالم البدري
كان وجهه يحمل آثار سنوات طويلة من الألم
همس لنفسه
اتأخرتوا أوي في قول الحقيقة
ثم طلب من السائق أن يتحرك
كان سالم البدري قد عاد أخيرا إلى القرية
لكن أحدا لم يكن يعلم بعد أن الرجل الذي ظنوا أن الزمن ابتلعه كان يحمل الدليل الوحيد القادر على إسقاط الجميع








