سمبسون … والمنجمون الجدد! …
حين يتحول ادعاء معرفة المستقبل إلى تجارة بالعقول
بقلم د/ طارق هلال
ماذا لو أخبرك أحدهم أنه يعرف ما سيحدث غداً؟ هل ستصدقه … أم ستبحث عن الدليل؟
اليوم، لم يعد التنبؤ بالمستقبل حكراً على المنجمين، بل أصبح صناعة رقمية يتداولها الملايين عبر مقاطع الفيديو ومنشورات مواقع التواصل، مستندة إلى مسلسل “سمبسون”، أو إلى أشخاص يزعمون امتلاك رؤى استثنائية.
لكن… هل نحن أمام حقائق تستحق التصديق، أم أمام واحدة من أخطر ألعاب التأثير على العقول في العصر الرقمي؟
#منذ سنوات، ومع كل حدث عالمي كبير، تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بصور ومقاطع تؤكد أن مسلسل “سمبسون” تنبأ بما حدث قبل وقوعه. مرة عن رئيس دولة، ومرة عن وباء، وأخرى عن حرب أو كارثة، حتى أصبح البعض يعتقد أن هناك من يمتلك مفاتيح المستقبل.
#لكن قبل أن نصدق هذه الادعاءات، علينا أن نفهم كيف يعمل عقل الإنسان عند التعامل مع مثل هذه القصص، فالمسلسل الذي عرضت منه مئات الحلقات على مدار أكثر من ثلاثة عقود تناول آلاف الأفكار والاحتمالات الساخرة. ومن الطبيعي جداً أن يتشابه بعضها مع أحداث وقعت لاحقا، بينما تنسى آلاف المشاهد الأخرى التي لم يحدث منها شيء.
#وهنا تظهر أخطر خدعة عقلية تعرف باسم التحيز التأكيدي، إذ يبحث الإنسان عن الأدلة التي تؤيد ما يريد تصديقه، ويتجاهل كل ما يخالفه. ولم يتوقف الأمر عند “سمبسون”، بل ظهرت موجة جديدة من المنجمين وصناع المحتوى الذين يروجون لأنفسهم باعتبارهم أصحاب رؤى أو قدرات خارقة على معرفة المستقبل.
#يعتمد هؤلاء على أساليب نفسية معروفة، فيطلقون توقعات عامة تحتمل عشرات التفسيرات، ثم إذا تحقق جزء صغير منها أعلنوا أنهم أصابوا، أما مئات التوقعات الخاطئة فلا يتحدث عنها أحد. إنها لعبة قديمة، لكن أدواتها أصبحت أكثر تأثيراً بفضل وسائل التواصل الاجتماعي.
#ولهذا جاء الموروث العربي الشهير ليختصر الحقيقة في كلمات قليلة: “كذب المنجمون ولو صدقوا”. فقد يوافق كلام أحدهم حدثاً معيناً بالمصادفة، لكن المصادفة لا تصنع علماً، ولا تمنح صاحبها القدرة على رؤية الغيب.
#وفي العقيدة الإسلامية تبقى الحقيقة واضحة لا لبس فيها، فالغيب المطلق لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، وكل من يدعي امتلاك مفاتيحه إنما يبني شهرته على الفضول والخوف والرغبة الإنسانية في الاطمئنان إلى المستقبل.
#والأخطر من ذلك أن بعض الجهات تستغل هذه الظاهرة لتوجيه الرأي العام، أو نشر الخوف، أو التأثير في الأسواق، أو التلاعب بالحالة النفسية للشعوب، عبر صناعة شائعات تبدو وكأنها “نبوءات”. فكلما صدق الناس أن المستقبل معروف مسبقاً، أصبح من السهل توجيه قراراتهم وسلوكهم. فالتأثير في العقول يبدأ غالباً بزرع القناعة، لا بفرض الحقيقة.
#إن معركة الوعي اليوم لم تعد تقتصر على مواجهة الأخبار الكاذبة، بل أصبحت مواجهة للأوهام المصنوعة بعناية، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تنبأ سمبسون بالمستقبل؟ بل، لماذا نريد نحن أن نصدق أنه فعل؟ إن الأمم التي تبني مستقبلها لا تنتظر منجماً يخبرها بما سيحدث، ولا مسلسلاً يرسم لها الغد، بل تصنع مستقبلها بالعلم، والتخطيط، والعمل، ووعي الإنسان.
#فليس كل ما ينتشر حقيقة، وليس كل ما يبدو إعجازاً إلا خدعة أُحسن تسويقها.
#إن المستقبل لا يعرفه أحد، لكنه يصنع كل يوم. وما يصنعه ليس المنجمون ولا الرسوم المتحركة، بل العلم، والعمل، والإرادة، ووعي الشعوب. ولهذا ستبقى الحقيقة دائماً أقوى من الوهم … مهما بدا الوهم مقنعاً






