بقلم: عبد المجيد عبوبي
شغف عصيٌّ على الترويض.. الصدمة في زمن التيه والرقمية
يقف الشاب العربي اليوم في مواجهة صدمة حضارية ونفسية غير مسبوقة؛ تتكسر فيها الأحلام يوماً بعد يوم أمام مشاهد متلاحقة تدمي الضمير، من مأساة فلسطين المستمرة، إلى شباب المغرب وشمال إفريقيا الذين يفضلون المخاطرة بركوب البحر والهجرة على الاستسلام لأفق مسدود. وفي المقابل، يواجه شباب الخليج العربي صدمة من نوع آخر؛ فخلف مظاهر الوفرة المادية والطفرة العمرانية، تعيش الأجيال الجديدة هشاشة في القيم والسياسة، جراء الاندفاع النفعي والانسياق خلف النمط الاستهلاكي، ليصبح الجميع سواسية في الشعور بالتيه والاغتراب.
تتضاعف هذه الصدمة مع عالم يتغير كل لحظة تحت ضربات الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية؛ حيث يتسع الفارق بين عالم غربي يملك التكنولوجيا والوضوح المعياري، وعالم شرقي يغرق في عدم التوازن السياسي والخواء الروحي.
يشير علماء النفس وعلم الاجتماع المعاصرون، مثل زيغمونت بومان صاحب نظرية “الحداثة السائلة”، إلى أن جيل اليوم يعيش في بيئة فاقدة للثبات، تذوب فيها المفاهيم الصلبة لتستبدل بالاستهلاك اللحظي، مما يحول الحياة إلى ركض متواصل بلا غاية أو أمان وجودي.
أولاً: الحرية أصل التكريم وشرط الإرادة
وسط هذه الصدمة، تبرز الحاجة لإعادة إرساء البوصلة المفقودة، وترسيخ استقلالية الفكر وحرية الاختيار ضد التبعية والانسياق للجمع دون تفكير.
هذا المبدأ هو أصل الحرية الذاتية؛ فلا تسمح لخوارزميات التكنولوجيا ولا لهشاشة الواقع أو قيم الوفرة السطحية أن تسلبك وعيك وكرامتك. وفي هذا السياق، يرى مفكر الرقمنة وعلم النفس الاجتماعي المعاصر مايكل هاريس أن مواجهة السيولة الرقمية لا تكون بالاستسلام لها، بل بالقدرة على العزلة الواعية، وتطوير التفكير النقدي المستقل الذي يحمي العقل من خوارزميات التوجيه والتسطيح.
ثانياً: العدالة الاجتماعية وصناعة المعنى
تتحقق العدالة وتتحدد البوصلة عندما يحول الفرد قدراته إلى قيمة ملموسة تُفرض على الواقع:
مبدأ استحقاق السعي: يرتكز المعنى على العدالة المباشرة بين الجهد والنتيجة؛ فبناء المهارة والقيمة الحقيقية هما السلاح الأكثر عدالة لمواجهة الهشاشة السياسية والتسطيح القيمي.
إثبات الذات في العالم الرقمي: تؤكد عالمة النفس المعاصرة شيري توركل (في جامعة MIT) أن الشغف الحقيقي في العصر الرقمي ليس بالركض خلف المظاهر أو التفاعل اللحظي، بل بامتلاك مهارات عميقة وصناعة قيمة ذات أثر إنساني ملموس.
ثالثاً: بوصلة العمل للشباب العربي
حَرّر مفهوم النجاح من الاستهلاك والمادة: الثراء المادي أو البيئة المترفة لا تمنح المعنى؛ بل المعنى يتشكل من المبادئ والوعي والأثر الذي تتركه.
استغل الثورة الرقمية لصالحك: بدلاً من استهلاك التكنولوجيا كأداة للهروب، استخدمها كجسر للتعلم الذاتي وبناء القوة الفكرية والمعرفية المستقلة العابرة للحدود.
صناعة الأمل كفعل مقاومة: الشغف في زمن الصدمة والهشاشة ليس رفاهية، بل هو قرار واعٍ بالثبات على القيم، والقبض على البوصلة بثبات.
التغلب على التيه لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى جيل يدرك قيمة كرامته الإنسانية، ويواجه صدمة الواقع بالوعي، ممتلكاً شجاعة السعي اليومي لبناء مستقبله بيده.








