صفعة سلوفينيا للضمير العالمي: كيف كشفت ازدواجية الغرب بين سربرينيتسا وغزة؟

صفعة سلوفينيا للضمير العالمي: كيف كشفت ازدواجية الغرب بين سربرينيتسا وغزة؟
في عالمٍ تسوده الازدواجية الأخلاقية، وتُطبق فيه العدالة بميزانين، يبرز صوتٌ شجاع ليكسر حاجز الصمت المريب. صوتٌ من قلب أوروبا، قادم من رئيسة سلوفينيا ناتاشا بيرك موزار، ليعرّي زيف الشعارات الغربية حول حقوق الإنسان والعدالة. تصريحها ليس مجرد كلمات عابرة، بل هو صفعة مدوية على وجه ضمير عالمي خفت صوته، وتخاذل أمام أبشع صور الإبادة الجماعية. إنها كلماتٌ تضع النقاط على الحروف، وتُعيد للأشياء أسماءها الحقيقية، في زمنٍ تُحاول فيه الآلة الإعلامية الغربية طمس الحقائق وتزيين القبح.
العدالة الانتقائية: سربرينيتسا وغزة
قالت رئيسة سلوفينيا كلمتها بوضوح لا لبس فيه، مشيرة إلى التناقض الصارخ في تعامل المجتمع الدولي مع جرائم الإبادة. فبينما تحرك العالم وحاكم مرتكبي مجزرة سربرينيتسا البشعة، نجد اليوم من يدافع ويقبل الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة. هذا التباين في المواقف يكشف عن حقيقة مرة: أن العدالة الدولية لم تعد مبدأً شاملاً، بل أصبحت أداة سياسية تُستخدم حسب المصالح. فكيف يُمكن للعالم أن ينسى أن حقوق الإنسان والكرامة ليست حكرًا على منطقة أو شعب دون آخر؟ هذا التخاذل أمام المجاعة الرسمية في غزة، وأمام القتل والتهجير، هو وصمة عار على جبين كل من يدّعي الدفاع عن القيم الإنسانية.
آلية التناقض: كيف يبرر الغرب أخلاقياً قبوله بمجزرة غزة؟
وراء هذا التناقض الصارخ، تكمن آلة أيديولوجية وإعلامية جبارة تعمل على إعادة تعريف المفاهيم نفسها. فـ”الإرهاب” يُصبح مقاومة، و”الدفاع عن النفس” يتحول إلى إبادة، و”حقوق الإنسان” تُختزل في هوية الضحية. الغرب لا ينكر الجريمة في غزة فحسب، بل يشرعنها عبر خطاب مُعقد يخلق “الضحية التفضيلية” و”المجازر المقبولة”. إنها ليست مجرد ازدواجية، بل هي نظام هيمنة قائم على احتكار تعريف الشر والخير، والحق والباطل. السؤال الأصعب: كيف يمكن كسر هذه الآلة التبريرية التي تسمح للضمير العالمي بالنوم “amidst ” أي في خضم أصوات القصف؟.
مواقف أوروبية متغيرة: بوادر صحوة؟
على الرغم من الصمت الرسمي الأوروبي، إلا أن هناك أصواتًا بدأت تتعالى وتكسر هذا الجمود. فمواقف سلوفينيا ليست وحيدة، بل تتبعها خطوات من دول أخرى مثل بلجيكا. وزير الخارجية البلجيكي أعلن عن نية بلاده الاعتراف بدولة فلسطين وفرض عقوبات صارمة على الحكومة الإسرائيلية، بالإضافة إلى التصويت على تعليق التعاون مع إسرائيل على المستوى الأوروبي. هذه المواقف تشير إلى تحول لافت في الرأي العام الأوروبي، الذي لم يعد يتقبل سياسة العدوان والتدمير. موجة الاعترافات المتسارعة بدولة فلسطين، من دول كانت تعتبر حليفة لإسرائيل، هي مؤشر على أن الضمير العالمي بدأ يستيقظ، وأن سياسة ازدواجية المعايير لم تعد مقبولة.
لا فائدة من السلام دون شريك
الصوت القطري، ممثلاً في المتحدث باسم الخارجية، كان حاسماً في تحليل الوضع الراهن. فقد أكد أن لا جدوى من انتظار عملية سلام مع طرف إسرائيلي لا يريد السلام، بل يتجه نحو التصعيد واحتلال غزة. هذا الاحتلال، الذي يخطط له جيش الاحتلال الإسرائيلي، يهدد الجميع بمن فيهم الرهائن، ويزيد الوضع تعقيدًا. هذه الرؤية الصريحة تتفق مع مطالب المفوضة الأوروبية التي أشارت إلى ضرورة فرض عقوبات على إسرائيل، وهو ما يؤكد أن هناك إجماعًا دوليًا متزايدًا على أن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب شريك جاد للسلام.
أصوات من الداخل الإسرائيلي: مقاومة للجنون
لم تقتصر أصوات الاحتجاج على الخارج، بل بدأت تظهر من داخل الكيان الإسرائيلي نفسه. حركة “جنود من أجل الأسرى” أعلنت بجرأة عن رفضها الامتثال للخدمة العسكرية، لأنها ستؤدي إلى مقتل المختطفين وتخدم مصالح الحكومة فقط. هذا الرفض هو صرخة من قلب المجتمع الإسرائيلي، تؤكد أن هناك من يدرك أن الحرب الحالية لا تخدم إلا أجندات سياسية معينة على حساب أرواح الأبرياء، سواء من الفلسطينيين أو حتى الإسرائيليين أنفسهم. هذه الأصوات الداخلية، وإن كانت قليلة، تُمثل بارقة أمل في وسط الظلام، وتؤكد أن الضمير الإنساني لا يزال يقاوم جنون الحرب.
ختامًا: لعنة غزة تُلاحق الجميع
إن تصريح رئيسة سلوفينيا ليس مجرد خبر عابر، بل هو شهادة تاريخية تُسجل في سجلات الإنسانية. هي تذكير مؤلم بأن الدم الذي يُراق في غزة ليس مجرد أرقام، بل هو لعنة ستُلاحق كل من صمت، وتخاذل، وبارك، وتجاهل. لقد حان الوقت لأن يدرك العالم أن الأمان والسلام لن يتحققا إلا إذا كانا للجميع، وأن العدالة لا تتجزأ. إن الدماء البريئة التي أُزهقت في غزة لن تذهب هباءً، بل ستكون وقودًا لصحوة عالمية، وإعادة تعريف للقيم الإنسانية التي حادت عنها القوى الكبرى.
ويبدو أن الصحوة لن تأتي من قمة النظام العالمي، بل من هامشه. من سلوفينيا إلى بلجيكا، ومن الاحتجاجات الداخلية إلى الاعترافات المتسارعة بدولة فلسطين، فإن أسس نظام الهيمنة القديم تهتز. تصريح رئيسة سلوفينيا لم يفضح التناقض فحسب، بل أطلق رصاصة الرحمة على شرعية نظام عالمي لم يعد بإمكانه إخفاء عريه. المساءلة قادمة، والشعوب تُحاسب الآن من يقف في الجانب الخطأ من التاريخ.





