صفقة الصفحة الواحدة : هُدنة الضرورة أم إعادة تموضع أستراتيجي .؟

صفقة الصفحة الواحدة : هُدنة الضرورة أم إعادة تموضع أستراتيجي .؟
بقلم : طه حسن الأركوازي
في لحظة إقليمية مُشبعة بالتوتر وتقاطعات المصالح ، برزت تسريبات عن مذكرة تفاهم “أمريكية-إيرانية” مُختصرة وُصفت بأنها “صفقة من صفحة واحدة” تحمل في ظاهرها وعداً بوقف التصعيد ، وفي باطنها أسئلة عميقة حول طبيعة التنازلات وحدودها وأستدامتها .
المعلومات التي تداولتها منصات إعلامية أمريكية من بينها “أكسيوس”تضعنا أمام مُقاربة تفاوضية غير تقليدية ، تُفضل الإنجاز السريع على الاتفاقات الشاملة طويلة الأمد ، في سياق سباق مع الزمن لتفادي أنزلاق أوسع في الإقليم .
فوفق ما تسرّب تتجه هذه المذكرة إلى مُعالجة النقاط الأكثر إلحاحاً وهو خفض التصعيد العسكري ، وإعادة فتح الممرات البحرية في “مضيق هرمز” وأحتواء الملف النووي الإيراني عبر ترتيبات رقابية معززة .
هذا النمط من الاتفاقات المُصغّرة ليس جديداً في الأدبيات الدبلوماسية ، إذ تلجأ إليه القوى الكُبرى عندما تتعقّد ملفات التفاوض الشامل ، كما تُشير تقديرات مراكز دراسات وأبحاث دولية أن الاتفاقات المرحلية قد تُستخدم كأدوات لشراء الوقت وإدارة المخاطر ، لا لحلّها جذرياً .
الشق البحري من التفاهم يكتسب أهمية خاصة ، إذ أن أي تهديد مُستمر في “مُضيق هرمز” ينعكس فوراً على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية ، وقد بدا ذلك واضحاً في تفاعل الأسواق مع التسريبات ، حيثُ هبطت أسعار النفط بشكل ملحوظ في مُؤشر على حساسية الاقتصاد العالمي لأي أفراج لو كان هشاً ، فإعادة فتح الممرات خلال فترة زمنية محدودة تُمثل أختباراً عملياً لجدية الطرفين ، لكنها في الوقت ذاته تبقى رهينة بمدى التزام الفاعلين غير المُباشرين في الإقليم .
أما في الملف النووي ، فإن الحديث عن تعليق التخصيب وخضوعه لنظام تفتيش دولي مُعزز يُعيد إلى الواجهة نموذج “الوكالة الدولية للطاقة الذرية” الذي طالما كان محور الثقة والشك في آنٍ معاً ، فبينما ترى بعض الدوائر الغربية أن توسيع صلاحيات التفتيش قد يُشكّل ضمانة مرحلية ، تُحذر قِراءات أُخرى من أن أي التزام غير مُؤسس على أتفاق قانوني شامل قد يكون عرضة للتراجع عند أول أختبار سياسي أو أمني .
في المقابل ، يبرز عنصر رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المالية الإيرانية كأحد أكثر البنود حساسية ، فهذه الخطوة إن تحققت لا تعني فقط إنعاشاً أقتصادياً لطهران ، بل تعكس أيضاً تحوّلاً في أولويات واشنطن ، من سياسة الضغط الأقصى إلى إدارة التوازن .
غير أن هذا التحول لا يمكن فصله عن الضغوط المُتزامنة التي تواجهها إيران سواء عبر العقوبات المُستمرة أو من خلال التهديدات الأمنية المُرتبطة بالصراع مع أسرائيل وهو ما يجعل أي أفراج أقتصادي مشروطاً بسلوك إقليمي أكثر أنضباطاً وفق الرؤية الأمريكية .
لكن اللافت في هذه المُقاربة هو طابعها البراغماتي المُرتبط بإدارة الأزمات أكثر من حلّها ، فالإدارة المرتبطة بالرئيس ترامب ، كما تُظهر تجارب سابقة ، تميل إلى الصفقات السريعة ذات النتائج المُباشرة حتى وإن أفتقرت إلى العُمق المُؤسسي الذي يضمن أستدامتها .
وهذا ما يُفسّر الاعتماد على قنوات تفاوض غير تقليدية وشخصيات قريبة من دوائر القرار في محاولة لتجاوز التعقيدات البيروقراطية والدبلوماسية الكلاسيكية .
غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً لا يتعلق ببنود الصفقة بقدر ما يتعلق بتداعياتها الإقليمية ، فدول الخليج ، التي كانت في قلب مُعادلة “الردع والاحتواء” ، قد تجد نفسها أمام واقع جديد يُعاد فيه ترتيب الأولويات دون مُشاركتها المُباشرة في صياغة التفاهم هذه النقطة تحديداً تثير نقاشاً واسعاً في الأوساط البحثية ، حيث تشير تقديرات المعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس” إلى أن أي تفاهم ثُنائي لا يُأخذ في الحسبان هواجس الشركاء الإقليميين قد يخلق فجوات في منظومة الأمن الجماعي حتى لو ساهم مُؤقتاً في خفض التصعيد .
في المحصلة .. تبدو “صفقة الصفحة الواحدة” أقرب إلى هُدنة تكتيكية منها إلى تسوية أستراتيجية ، فهي تعكس إدراكاً مُتبادلاً لكُلفة المُواجهة المفتوحة ، لكنها في الوقت ذاته لا تُعالج جذور الصراع المُرتبطة بالنفوذ الإقليمي ، والبرنامج النووي ، وشبكة التحالفات المُتشابكة نجاحها إن تحقق سيُقاس بقُدرتها على الصمود أمام الاختبارات الأولى لا بمُجرد توقيعها المنطقة ، في هذه اللحظة لا تقف على أعتاب سلام دائم ، بل على مُفترق طرق بين أحتواء مُؤقت للتوتر أو إعادة إنتاجه بصيغ أكثر تعقيداً . وبين هذا وذاك ، تبقى الحقيقة الأبرز أن التوازنات في الشرق الأوسط لم تعد تُحسم بالحروب فقط ، ولا تُدار بالاتفاقات التقليدية وحدها ، بل بمزيج دقيق من الردع والتفاهم ، حيث كُل هدنة تحمل في طياتها أحتمالات السلام كما تحمل بذور جولة جديدة من الصراع …!





