في “ظل الدرفش” لا تكتب مريم هرموش رواية بالمعنى التقليدي، بل تنحت لوحة من صمتٍ طويل، ظلالٍ كثيفة، وأسئلة لا تجرؤ على النطق بصوتٍ عالٍ. الدرفش في التراث هو الراية، العَلَم الذي يُرفع في المعركة ليُعرف منه موضع الجند ومقتلهم. لكن رواية هرموش تقلب المعنى: فالدرفش هنا ليس راية نصر، بل ظلٌّ يلاحق أبطالها. ظلٌ للغياب، للسلطة، للتاريخ الذي لم يُكتب، وللنساء اللواتي عِشنَ على هامش السرد الكبير.
1. جغرافيا الظل .. المكان في الرواية ليس خلفية. بل هو بطل. تختار هرموش فضاءً عراقيا مخنوقاً بين الجبل والمدينة، بين القديم الذي لا يرحل والحديث الذي لا يصل.
البيوت هنا جدرانها سميكة، لكن الأسرار أسمك. الشوارع ضيقة، لكن الضيق الحقي في الصدور.
“ظل الدرفش” هو ذلك المكان الرمادي الذي تقف فيه الشخصيات: لا هي في النور فتُرى، ولا في العتمة فتُنسى. منطقة بينية، تماماً مثل مصائر النساء في الرواية.
2. نساء يحملن الراية ولا أحد يراهن: أبرز ما في الرواية هو صوتها النسوي الذي لا يصرخ. بطلات مريم لا يخطبن في الساحات. يتهامسن. يخيطن الجرح بإبرة صبر، ويخبئن الدموع في ثنايا المنديل.
“هرموش” لا تقدم ضحية ساذجة ولا ثائرة صارخة. تقدم امرأة “متصدعة” ببلاغة: متعلمة لكن مقيدة، واعية لكنها تعرف ثمن الوعي، تحب لكنها تخاف أن يكون الحب تهمة.
الرواية تسأل سؤالاً موجعاً: ماذا يحدث حين تكون الراية “الدرفش” مرفوعة باسم العائلة، القبيلة، الشرف.. لكن المرأة نفسها تقف في الظل، لا تحت الراية بل تحت ثِقَلها؟
3. اللغة: شِعرٌ متنكر في زي السرد.. هذا هو أسلوب مريم هرموش فهو لا يركض، ولكن يمشي على مهل، مثل امرأة تحمل إناء ماء فوق رأسها وتخشى أن ينسكب منها.
جملها قصيرة لكنها محمّلة. استعاراتها منسوجة من البيئة: الطين، النسيج، الزيت، الدخان. هي لا “تشرح” الألم، بل تجعلك تشمه. حين تصف صمت بطلة أمام أبيها، لا تقول “كانت خائفة”. تقول: “بلعت لسانها كما تبتلع التمرة بلا مضغ، لئلا يُرى الأثر على وجهها”. هذه بلاغة الجسد، لا بلاغة الخطابة.
4. فكرة الدرفش: من يملك السرد؟
اسم الرواية هو مفتاحها. الدرفش يُرفع في الحروب ليُحدد من المنتصر.
وفي مجتمعاتنا، من يملك الدرفش هو من يملك حق الرواية. يكتب التاريخ، يسمي الأشياء، يحدد من الشريف ومن الساقط.
”ظل الدرفش” إذن هو حكاية من لم يُرفع لهم درفش.
حكاية من عاشوا في ظل رواية غيرهم.
رواية مريم هي محاولة لسحب هؤلاء من الظل إلى السطر الأول، دون ضجيج، دون شعارات.. فقط بالحقيقة.
هى رواية للنجاة لا للانتصارلا تمنحك “ظل الدرفش” نهاية سعيدة تشفيك. بل هى تمنحك شيئاً أندر: الاعتراف.. اعتراف بأن هناك ظلالاً كثيرة ما زالت تلاحقنا، وأن الكتابة هي أول خطوة للخروج منها.
مريم هرموش لا ترفع درفشاً جديداً. هي تطفئ الضوء المسلط على الراية، لكي نرى أخيراً الوجوه التي كانت مختبئة في الظل.
“ظل الدرفش” ليست رواية تُقرأ. هي رواية تُحتمل. ثم تُحتضن.






