مقالات

غدر الأقارب.. ظلمٌ يرتدي ثوب العائلة! بقلم: أ/ هبة شاهين

غدر الأقارب.. ظلمٌ يرتدي ثوب العائلة!

 

بقلم: أ/ هبة شاهين – الإسكندرية

ليس كل ظلم يأتي من غريب؛ فبعض الجراح يصنعها قريب يعرف تفاصيل حياتك، ويحفظ نقاط ضعفك، ثم يستخدمها يومًا ضدك، أو يقف متفرجًا بينما يفعل الآخرون ذلك.

والأشد قسوة أن ترى من يعرف الحقيقة يبالغ في إكرام من ظلمك، ويلاطفه ويمازحه، بينما يتعامل معك وكأنك المخطئ، أو كأن وجعك لا يستحق حتى السؤال عنه!

فليس المطلوب أن يعادي الناس من اختلفت معه، ولكن ليس من العدل أن يتحول الظلم إلى أمر عادي، وأن يشعر المسيء بأن الجميع يسانده، بينما يُترك المظلوم وحيدًا في مواجهة رواية صُنعت ضده.

ومن أبشع الصور داخل بعض العائلات تلك التحالفات الخفية التي تُقام ضد أخ أو أخت أو قريب، بل قد تمتد إلى أسرة كاملة؛ فتُتداول الأحاديث بالباطل، وتُفسَّر المواقف وفق الأهواء، وتُستدعى أخطاء الماضي، حتى يصبح المظلوم متهمًا في أعين الجميع، لا لثبوت خطئه، بل لأن الآخرين اتفقوا على إدانته.

إنها محاكمة بلا قاضٍ، وإدانة بلا دليل، وعقوبة اجتماعية قد يشارك فيها أشخاص لم يسمعوا الحقيقة كاملة!

والإنصاف يقتضي أن ندرك أن المظلوم ليس معصومًا من الخطأ، وأن القرابة لا تجعل أحدًا على حق دائمًا؛ لكن الخطأ لا يُعالج بالتشهير، ولا بتعبئة العائلة ضد شخص، ولا بحرمانه من حقه في أن تُسمع روايته.

وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى معنى عظيم حين قال: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، فلما سُئل عن نصر الظالم، بيّن أن نصره يكون بمنعه من الظلم.

فالمحبة الحقيقية ليست أن نبرر للقريب كل أفعاله، وإنما أن نمنعه من التمادي، وأن نقول له كلمة الحق ولو لم تعجبه.

فصلة الرحم عبادة، لكنها ليست تصريحًا بالإساءة، والوفاء لا يعني التواطؤ على الظلم، والعفو لا يعني أن يُجبر المظلوم على قبول الأذى.

وماذا يفعل المظلوم؟

إذا وجدت نفسك يومًا في مواجهة تحالف عائلي ضدك،

¤ فلا تجعل الخذلان يدفعك إلى تصرفات تزيد جراحك. وضّح موقفك بهدوء لمن يريد أن يفهم، ولا تستنزف نفسك في تبريرها لمن حسم حكمه مسبقًا.

¤تمسّك بالحقيقة، ولا ترد التشويه بتشويه، واحتفظ بما يثبت حقك إذا تطور الأمر إلى تهديد أو تشهير أو اعتداء على حقوقك. ¤وضع حدودًا واضحة لمن يؤذيك؛ فصلة الرحم لا تعني السماح بالإهانة المتكررة، كما أن حماية كرامتك لا تستلزم بالضرورة القطيعة.

وراجع نفسك بصدق؛ اعتذر عما أخطأت فيه، لكن لا تحمل نفسك مسؤولية أخطاء الآخرين.

¤ واترك باب الإصلاح مفتوحًا حين توجد نية صادقة للاعتراف بالخطأ ووقف الأذى، دون أن تسمح لضغط العائلة أن يفرض عليك مصالحة شكلية تعيدك إلى دائرة المعاناة.

فالعفو فضيلة، لكنه لا يلغي الحقوق، والتسامح لا يعني استعادة الثقة بلا ضمانات، وصلة الرحم لا تفرض عليك البقاء في علاقة تستنزف كرامتك وأمانك.

ولا تجعل حياتك معلقة بانتظار اعتراف الجميع بظلمك؛

فقد لا تستطيع تغيير الرواية التي يرددونها، لكنك تستطيع أن تحمي نفسك، وتحفظ أخلاقك، وتواصل حياتك دون أن تسمح للأذى بأن يحولك إلى نسخة ممن آذوك.

وفي النهاية

، فإن العائلة التي تتستر على الظلم حفاظًا على صورتها، قد تحافظ على شكل الترابط أمام الناس، لكنها تهدم الثقة في داخلها. أما العائلة التي تمتلك الشجاعة لمواجهة الخطأ والإنصاف دون محاباة، فهي التي تستحق أن تُسمى عائلة.

فإذا لم تستطع رفع الظلم عن إنسان، فلا تكن سببًا في زيادته، ولا تجعل قرابتك من المسيء أقوى من ضميرك.

لأن القرابة قد تجمع الأسماء تحت سقف واحد، لكن العدل وحده هو الذي يجمع القلوب.

وأعظم الوفاء ليس أن تقف مع قريبك لأنه قريبك، بل أن تمنعه من الاساءة لأنه إنسان، وأن تنصف صاحب الحق لأن الحق أحق أن يُتَّبع.

 

زر الذهاب إلى الأعلى