تفتح قضية الاستعانة بالأموات بابًا لمراجعة ما استقر في وجدان كثير من المسلمين من معتقدات تناقلتها الأجيال، حتى أصبحت عند بعضهم حقائق لا تقبل السؤال: طلب المدد من أصحاب الأضرحة، وانتظار الشفاء والرزق والنجاة على أيدي مَن فارقوا الحياة.
وفي ضوء أطروحات المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، يبرز السؤال: كيف نقرأ القرآن الذي يدعونا إلى التوكل على الله، ثم نعلّق قضاء حاجاتنا بأموات لا يملكون لأنفسهم عودة إلى الحياة؟
تضعنا الآيتان أمام ميزان واضح: ما الذي يملكه مَن تتوجه إليه بطلب الغوث؟ وما قدرته على الاستجابة؟ فلا شهرة الاسم، ولا كثرة الأتباع، ولا الحكايات المتوارثة تمنح إنسانًا قدرة على التصرف في أقدار الناس.
والخلل يبدأ حين تتحول محبة الصالحين إلى إسناد قدرات غيبية إليهم، وحين يتحول قبر الإنسان إلى باب يُعتقد أن الشفاء والرزق والفرج تمر من خلاله. فالانتفاع بسيرة إنسان صالح يكون بمواصلة إحسانه، والاقتداء بعمله النافع، والدعاء له؛ أما طلب التصرف منه فيما لا يملكه، فيجعل المحبة مدخلًا إلى الوهم.
وقد كشف القرآن منطق اتخاذ الوسطاء حين نقل قول مَن اتخذوا من دون الله أولياء:
وهنا يجب أن ننتبه إلى أن الرغبة في التقرب إلى الله لا تكفي وحدها لتصحيح الوسيلة؛ إذ ينبغي أن نراجع الوسيلة نفسها على هدي كتابه. فقد أخبرنا سبحانه بقربه:
فما الذي يدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأنه يحتاج إلى صاحب قبر ليرفع حاجته إلى الله؟ وكيف يصبح المخلوق في وجدانه أقرب إليه من ربه الذي خلقه ويعلم حاجته؟
لقد انبهرت أمتنا بالأموات حتى غفلت عن قيمة الأحياء. فقد تُبذل الأموال لتعظيم الأضرحة، بينما يحتاج إنسان بجوارها إلى دواء أو طعام أو تعليم. وقد يُنسب إلى صاحب القبر إنقاذ الملهوف، بينما يقف الملهوف أمامنا فلا يجد مَن يغيثه.
إن هذه المفارقة تكشف اختلالًا في ترتيب مسؤولياتنا؛ فنحن مطالبون بأن نكون عونًا لبعضنا، وأن تتحول الرحمة إلى فعل، وأن يصل الإحسان إلى صاحبه. وإكرام ذكرى الصالحين يثمر حين يدفعنا إلى خدمة الناس، وحماية الضعيف، وإغاثة المحتاج.
كما أن انتظار الحلول من الأموات قد يعطّل مسؤولية الإنسان عن واقعه؛ فينتظر الشفاء دون الأخذ بأسباب العلاج، أو الرزق دون سعي، أو زوال الظلم دون عمل لإقامة العدل. وبذلك تتحول حاجته إلى منفذ يستغله مَن يروّجون الحكايات ويبيعون الوعود.
أما التوكل على الله فيمنح الإنسان قوة على السعي وتحمل المسؤولية:
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾
[النجم: ٣٩].
ومواجهة هذه المعتقدات تتطلب بيانًا واضحًا ورحمة بالناس؛ فكثيرون ورثوها منذ الصغر، وتلقوها بوصفها تعبيرًا عن محبة الصالحين. ومسؤولية الإصلاح أن تفتح لهم باب التفكير، وتكشف مواضع الخلط والاستغلال، وتعيد الثقة بعقولهم وقدرتهم على المراجعة.
وهذا ما يمنح العودة إلى القرآن ضرورتها في مشروع مؤسسة رسالة السلام العالمية: تحرير الوعي من تقديس البشر، وإحياء المقاصد العليا من رحمة وعدل وسلام، حتى يتوجه الإنسان برجائه إلى الله، وبجهده إلى إعمار الحياة.
لقد رحل الصالحون وبقيت مسؤوليتنا نحن الأحياء. فلنحمل ما تركوه من خير إلى الناس، ولنجعل توكلنا على مَن لا تنتهي حياته، ولا تنقطع رحمته: