عرب وعالم
غرة ماي العيد العالمي للشغل والشغالين

كتبت د. ليلى الهمامي
عيد يذكّرنا بأن الحضارة الإنسانية كانت عن العمل ! كانت يعني أصبحت، يعني وجدت، بفضل العمل. الإنسان البدائي، على اختلاف تشكيلاته، اجتهد لتحويل الطبيعة الى معطى ثقافي، أي إلى منتوج إنساني.
لا نزال نواجه إشكاليات العمل. لا نزال نواجه المفاهيم السلبية للعمل، من اغتراب ومن تشتت فكري وذهني، وما إلى هنالك من تداعيات إجتماعية، ذَكَرتها أدبيات الفكر الإنساني منذ “زولا”، والكتابات الإشتراكية الداعية إلى المساواة والعدالة…
نحن كعرب، لا نزال نواجه إشكالية العمل كقيمة، لا نزال نسعى، على الأقل في مستوى قطاع معين من النخبة، الى ترسيخ وتثبيت العمل كقيمة.
أكيد أن المجتمعات العربية متفاوتة ومتباعدة في علاقتها بالعمل. العمل في معنى الإنتاج، في معنى خلق الثروة. ليس من التقاليد ولا من القيم الراسخة في المجتمعات العربية، باعتبار الموروث البدوي، باعتبار الموروث الريفي، باعتبار أن الإقتصاديات العربية لم تكن اقتصاديات إنتاج على الشاكلة الرأسمالية..، إلا تحت إطار الإختراق الإستعماري.
لكن اليوم لا نزال نواجه إشكالية العمل كقيمة. نحن نواجه اشكاليه الكسل، نواجه إشكالية التحيل، نواجه إشكالية السعي في أنماط سلوكية هجينة الى تسجيل الأرباح دون عمل.
هذه تقريبا ملامح المجتمع العربي الراهن. مجتمع فيه انحراف قيمي خطير. هذا الانحراف خطير من حيث أن الحلم لدى الأجيال الصاعدة حلم الثروات السهلة، تحقيق وكسب الثروات السهلة. وهذا في حد ذاته خطير باعتبار أن الثروة كغاية مشروعة لكل فرد داخل المجتمع، من المفروض أن يقترن كسبُها بالعمل والإضافة… إلى حد الآن، ولكي لا أعمم بطريقة ظالمة، عدا جزء من النخب الإقتصادية، وخاصة في القطاع الخاص، التي تشتغل وتناضل يوميا من أجل كسب رهان الربح والنجاعة، والربح عبر النجاعة، الأغلبية لا تزال خارج سياق منطق النجاعة والجدوى، في معنى طرق التصرف، المتصل بمناهج الانتاج. لا نزال خارج ديناميكية الصراع والمنافسة الدولية كما هي بين الاقتصاديات الكبرى.
لكن علينا أن ننتبه إلى أمر آخر، وهو أننا بصدد منعطف خطير داخل هذه المجتمعات، زرعته وولّدته الشعبوية : مسألة شيطنة الثروة ، مسألة تقديس الفقر !!!!!
وهذه انحرافات أقول بأنها مرضية. المفروض أن ندعو وأن نعمل من أجل أن تكون الثروة حلم الجميع وإمكان الجميع، وواقع الجميع، شريطة الإستحقاق، شريطة الكفاءة، شريطة الاقتدار. لكن، لا أن نشيطن الثروة، لا أن نقدّس الفقر !!!!!
هذه منعطفات الشعبوية التي اكتسحت المجتمعات العربية، جراء الفشل؛ فشل سياسي، وفشل اجتماعي، وفشل اقتصادي في علاقة بمسألة توزيع الثروة وبالتوزيع العادل للثروة…
لكن، توزيع الثروة والتوزيع العادل للثروة يفترض أولا خلق الثروة. نحن بصدد مجتمعات كفّت عن خلق الثروة. نحن بصدد مجتمعات تدعو الى الكفاف في الفقر، والاكتفاء بالمردود الأدنى، وذلك بالطبع، في سياق تأزّم منظومات الإنتاج، وفي سياق أيضا إفلاس القطاع العام، في عموم البلدان العربية.
ما هي أسباب إفلاس القطاع العام؟
بكل تاكيد، هي نظرية العطالة السلبية لعدالة اجتماعية مزعومة؛ قطاع عام يكتض بالإنتدابات العشوائية، قطاع عام غير منتج، قطاع عام لا يعتمد مقياس الجدوى، قطاع عام لا تُكافَأ فيه الكفاءات، لا تُكافَأ فيه المردوديات…
عندما نصلح القطاع العام، عندما يتعايش القطاع العام في إطار منافسة صحّية مع القطاع الخاص، عندها يمكن القول بأن المجتمعات العربية تستعيد توازنها، التوازن في المعنى الإستراتيجي التوازن في المعنى الإجتماعي… عندها يمكن الحديث عن مسألة أساسية وحيوية، وهي المعادلة بين النجاعة الإقتصادية والعدالة الإجتماعية.





