مقالات

في ظلال البندقية وراديو “أبو حجازي”: قراءة في أدبية الذاكرة التاريخية

 

بقلم د/ شيرين العدوي
طالعت أمس نصا للأستاذ الدكتور عصام حمزة أستاذ الفكر الياباني والأستاذ بعدة جامعات أجنبية من ضمنهم جامعة طوكيو الدولية. وقد جذب النص عددا كبيرا من أصدقاء صفحته معلقين عليه. فمن فترة طويلة لم نقرأ نصا بشريا يحمل الوطن بين ضلوعه معبرا بصدق عن اللحظات البينية التي تحمل هم الوطن وفرحته في نفس اللحظة.
​يشكل النص شهادة إنسانية تنصهر فيها اللحظة الذاتية بالحدث القومي، حيث تتجاوز حدود التوثيق المباشر لتلتقي بجماليات السرد السيري والشفهي.
​أولًا: من الفضاء المحلي إلى أفق التاريخ
يبدأ النص بتحديد جغرافي دقيق (دمياط، الشارع الجديد، صيدلية التعاون، دكان أبو حجازي)، وهو ما ينقل الحدث من إطاره الرسمي العام إلى معيش اليومي. لم تعد الساحة حربًا بعيدة في سيناء فحسب، بل أصبحت تجربة تمشي على أقدامها في شوارع أقاليم مصر. هكذا يتشكل “التاريخ من أسفل”، حيث تتداخل تفاصيل الحياة العادية مع لحظات التحول الكبرى.
​ثانيًا: عسكرة اليومي وأزمة الأجيال
يكشف النص عن المناخ الاجتماعي والنفسي الذي أعقب عام 1967:
​حسية التفاصيل: إن الوقوف عند أجزاء السلاح وطريقة سحب الأقسام وضغطة الزناد يجاوز التوصيف الفني؛ إنه يعكس هيئة مجتمع كامل أعاد تنظيم حياته اليومية استعدادًا لليوم الموعود.
​حوار الأجيال: يتجلى البعد النفسي في المشهد القصير مع الأستاذ “السعيد”، حيث يلتقي غضب جيل شاب لم يكتمل صباه بإنهاك جيل كامل عايش النكسة. وتأتي عبارة الأستاذ (“البركة فيكم أنتم”) لتعبر عن التسليم الرمزي بالمسؤولية قبل ساعات قليلة من انفجار الموقف.
​ثالثًا: تجربة اللحظة والتطهر النفسي
تتدرج الحركة في النص عبر نقلة حسية مفاجئة:
​التحول السمعي والحركي: من هدوء الطريق المشحون بظمأ الصيام إلى الانفجار الصوتي القادم من راديو بائع الصحف، ثم التغير الفوري في السلوك البشري.
​ذوبان الفوارق: في لحظة سريعة، تلاشت المسافات العمرية والاجتماعية التي كانت قائمة بين الطالب وأستاذه قبل دقائق، ليحل محلها قفز مشترك وعناق تلقائي.
​الانفراج النفسي: يمثل المشهد لحظة انغسال اجتماعي ونفسي من ثقل سنوات الصمت والغضب، ليصبح صوت البيان الأول أسبق إلى الروح من مدفع الإفطار. إن النص علي بساطته للوهلة الأولي يعبر عن عمق الوطن وعصبه.
وهذا هو النص
بقلم ا.د عصام حمزة
كنت في بداية سنة الثانوية العامة بمدرسة دمياط الثانوية العسكرية، وكان العام الدراسي في أسابيعه الأولى. وكانت التربية العسكرية قد بدأ تطبيقها لأول مرة منذ العام الماضي فقط؛ تدربنا فيه على استعمال البندقية “حكيم”، وبعدها بندقية نصف آلية فكنا نسحب الأجزاء قبل الطلقة الأولى، ثم تخرج الطلقات الأربع التالية مع كل لمسة للزناد. كانت تقديراتي جيدة في اختبارات الرماية، إلى جانب الاختبارات النظرية، ولذلك تُرُقِّيتُ من عريف إلى رقيب بثلاثة أشرطة حمراء على الزي الرمادي. واُختِرتُ مع عدد غير كبير للتدريب على بندقية جديدة كانت من طراز “ستين” (Sten) البريطانية؛ لها ماسورة قصيرة بها ثقوب ودون أخمص (دبشك)، كنا نثبتها في حديدة القايش، وتتسع خزنتها لتسع طلقات، منها ثمانٍ في الخزنة وطلقة في الماسورة، تنطلق الرصاصات التسع بضغطة واحدة على الزناد.
​في رمضان تُختَزل ساعات الدراسة وكذلك وقت الفسحة، وكان زملاؤنا المسيحيون يحرصون على ألا يأكلوا أو يشربوا أمامنا، وكانوا ينتظرون حتى يعودوا إلى بيوتهم.
​كان بيتي في الطرف الآخر من المدينة التي لم يكن العمران قد امتد فيها كما هو الآن، وكنت أقطع المسافة سيرًا في ساعة إلا قليلاً. بعد خمس دقائق تقريبًا وعلى ناصية تقاطع الكورنيش والشارع الجديد (كما كنا نسميه)، وأمام صيدلية التعاون، التقيت بالأستاذ “السعيد”، وكان موظفاً كبيراً في ديوان المحافظة، لكنه انْتُدِب لتدريس اللغة الإنجليزية لفصلنا في السنة الأولى فقط ثم عاد لعمله بالمحافظة. ورغم قصر المدة وفارق العمر، كانت علاقته بنا طيبة وتسمح بالنقاش، حييته وتحدثنا قليلاً عن أحوالي، ثم عن الأحوال العامة وحالة الضباب التي تخفي كل ملامح المستقبل. وفي عبارات منفعلة لفتًى لم يكمل السابعة عشرة، ألقيت باللوم على جيله محملًا إياهم مسؤولية ما نحن فيه، مما جعله ينهي الحديث بالعبارة المعتادة لإغلاق أي نقاش: “البركة فيكم أنتم، تعملوا اللي ما قدرناش نعمله”.
​قبل أن أصافحه مودعًا، جاءنا من دكان “أبو حجازي” بائع الصحف على الجانب الآخر صوت المذياع يملأ فضاء الطريق، يذيع بيان القوات المسلحة بأن قواتنا المسلحة نجحت في عبور قناة السويس وتشتبك مع قوات العدو على طول خط المواجهة. لم أنتبه إلا ونحن نتقافز في الهواء غير عابئين بفارق العمر ولا باختلاف الكتلة الجسدية، نتبادل التهاني ببهجة تفوق أي عيد عرفناه من قبل. عدنا ركضًا كلٌّ إلى منزله، ولا أشك في أن كل بيت في مصر كان ينتظر بيانات القوات المسلحة أكثر من انتظاره لمدفع إفطار ذلك اليوم قبل 53 عاماً.
​كل عيد نصر ومصر ونحن جميعًا بخير وسلام ومنصورون على الدوام.

زر الذهاب إلى الأعلى