الدين و الحياة

زمن حفظ الأمانة وكثرة الأُمناء بقلم / محمـــد الدكـــروري

زمن حفظ الأمانة وكثرة الأُمناء

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

يحتاج المسلم إلى مدارسة الحديث عن الأمانة وفهمه، وإطالة النظر فيه في زمن اشتعلت فيه الفتن، وإنتشر فيه القول على الله تعالى بلا علم، وساد أصحاب الشح المطاع، والهوى المتبع، والدنيا المؤثرة، وأصبح إعجاب كل ذي رأي برأيه ظاهرة مشاهدة إذ يحاكم كثير من الناس دين الله تعالى المحكم، وشريعته المنزلة إلى رأيهم الأعوج، وهواهم المائل، وإن الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يخبر أنه أدرك زمن حفظ الأمانة وكثرة الأُمناء.

وذلك في صدر الإسلام وسببه أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتعلمون الإيمان كما يتعلمون القرآن، ويتعاهدون زيادته بالأعمال الصالحة، وقال جندب بن عبدالله رضي الله عنه “كنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم غلمانا حزاورة، أي مراهقين تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا” وقال أبو عبدالرحمن السلمي حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقترئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا فعلمنا العلم والعمل” وبهذه الموازنة نما الإيمان والعلم سويا، فعلمهم يزيد في إيمانهم، وإيمانهم يهذب علمهم ويوجهه الوجهة الصحيحة، ذلك أن العلم بلا إيمان يؤدي إلى الإفتيات على الشريعة.

والتحايل لإسقاطها، وإيجاد المخارج الشيطانية لأهواء الناس ورغباتهم، فتكون مهمة صاحبه حينئذ القضاء على الإيمان، وتبديل أحكام الشريعة، وإسقاط الواجبات بالرخص، وإباحة المحرمات بالحيل، وهو ما انتشر في هذا الزمن من بعض المضلين الذين خانوا ربهم ودينهم وأمانتهم، وغشوا الناس ولم ينصحوا لهم، وما أجدرنا أن نخاف أشد الخوف من رفع الأمانة من قلوبنا، وأن نتعاهد بقاءها وقوتها فينا بالعلم النافع والعمل الصالح، وإجتناب المحرمات، وكثرة الدعاء بالثبات على الحق، ولا سيّما مع رؤية كثير من الناكصين على أعقابهم، المبدلين لدينهم، المتبعين لأهوائهم، وإن الأمانة تحتاج إلى شرح وبيان، فهي صفة توجب على المرء الإحتفاظ بما إستحفظه وأداءه إلى أهله، ومظهر هذه الصفة في الإختلاط والتعامل مع الغير.

ونحن نعلم أن الإنسان مهما كان شأنه لا يستطيع أن يعيش حياته وحده، بل لابد له ممن يؤازره فيها، فهو في حاجة دائما إلى غيره يخالطه ويعامله وتنشأ له معه علاقات إستكمالا لاحتياجات حياته، فللعبد مع الله علاقة، وللعبد مع أخيه الإنسان علاقة، أما علاقة العبد بالله، فحاجته الماسة إلى الله في كل شيء لأن الله مصدر كل شيء، وخالق كل شيء، وبيده أمر كل شيء ” ألا له الخلق والأمر ” فاتقوا الله تعالى وراقبوه مراقبة من يعلم أن ربه يسمعه ويراه ثم لنعلم معاشر المؤمنين أننا في هذه الحياة في دار عمل وسنلقى الله جلا وعلا يوم القيامة في دار الحساب والجزاء ومن أحسن في هذه الحياة الدنيا لقيا ثمرة إحسانه يوم القيامة، ومن أساء لقيا مغبة إساءته يوم القيامة.

والواجب على العاقل أن يجاهد نفسه على تحقيق الإحسان في عبادة الخالق جلا وعلا وفي معاملته لخلق الله يرجوا بذلك رحمة الله وثوابه وكريم موعوده والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من إتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

زر الذهاب إلى الأعلى