قصص قصيرة

كتاب شهد الايام (الاستاذ محمود والروحانيات : بقلم الدكتور غزالي 

كتاب شهد الايام (الاستاذ محمود والروحانيات :بقلم الدكتور غزالي 

كتاب شهد الايام (الاستاذ محمود والروحانيات :بقلم الدكتور غزالي

 

ازداد طوفان العلم ووجد مجرى واسعا داخل الأفهام و القلوب الخصبة فالقى الينا زبد الروحانيات التي كان يحملها الاستاذ محمود من أهل العلم الربانيين في كل يوم خميس و صبيحة يوم الجمعة يذهب الى الاقصر لساحة الامام الطيب حيث النفحات الإلهية وغذاء الارواح فتقام حلقات ذكر الله والصلاة على النبي صل الله عليه وسلم وقراءة القرآن الى منتصف ليل الجمعة و قيام الليل والتهجد و صلاة الفجر يتبعها الذكر الى شروق الشمس ثم الاستماع الى خطبة الجمعة في مسجد الامام الطيب وصلاة الجمعة وبعدها التكليف بأداء ورد الجمعة من الذكر والصلاة على النبي صل الله عليه وسلم ثم السلام على الشيخ الطيب ووداعه والعودة إلى الاشراف محملا بروحانيات نورانية وبالمودة في القربى لال البيت

 

و عند لقائنا يوم السبت نجد شخصا اخر ازداد سماحة واشراقا ولينا وحبا تكاد عيناه لا تجف من الدموع لسانه رطبا رائحته اطيب من المسك كفه تتمنى ان تلمسها يرى بنور البصيرة رق فراق وعمل فاشتاق وعرف فاغنرف ولزم الطريق يقص علينا ما حدث معه في ساحة الامام الطيب و البشر يتساقط من لسانه كفطرات الماء العذب ويتحدث عن شيخه وامامه الامام الطيب بخشوع و بارق العبارات واجمل الالفاظ يحدثنا عنه انه رجل طيب لا يتكلم الا في ذكر الله او الصلاة على النبي صل الله عليه وسلم او توجيها ونصحا لا يخوض في امور الدنيا وياتيه المريدين والمحبين من كل مكان وبكل المستويات الاجتماعية يلتمسون من علمه وتوجيهاته و اهل الاقصر يذوبون فيه حبا وكرامة لانه طيب العشرة وجميل الأخلاق وكريم اليد يطعم الاف الزائرين من اطيب الطعام يجلس مع الجميع كأنه واحد منهم يسألهم عن احوالهم وبلادهم ويحملهم بالعلم والنصائح

 

كان استاذنا ذو حظوة عند الشيخ الطيب يساله عن حاله وعمله وإذا غاب الاستاذ محمود عن الساحة اسبوع يسال الشيخ الطيب عنه وعن سبب غيابه واستاذنا لا يخفي سرا عنه وعن أحواله واهل بيته حتى أحوال تلاميذه يحدثه بها فقد كان يتابع حفظنا لمنظومة اسماء الله الحسنى وعن المحافظة على الصلاة واداء صلاة الجمعة وكبغية تحصيلنا للعلم والقراءة والحساب كانت هذه الروحانيات تصل الينا عن طريق مشعل النور الذي يوقده وينيره الاستاذ محمود و استمر استاذنا يكمل ابيات منظومة اسماء الله الحسنى كل يوم بيتين يردد ونحفظ خلفه ويسعد المكان و الزمان بهذه الطلعات البهية حتى ختم استاذنا هذه الاسماء المباركات قبل نهاية السنة الثالثة بشهر وكان يوما مشهودا اقام احتفال داخل الفصل تضمن دعاء القنوت اللهم اهدنا فيمن هديت وحمد الله عشر مرات و الصلاة على النبي صل الله عليه وسلم عشر مرات والدعاء للشيخ الدردير وللشيخ الطيب ولنا بالتوفيق والنجاح والتفوق و اعطى كل واحد قطعة حلوة و سواك من ساحة الشيخ الطيب وقال اسماؤكم في كتاب مرقوم عند رب العالمين وساحتفظ بها انتم ابنائي واتعشم فيكم مشروع علماء اجلاء لا تخذلوني يوما بنسيان هذه العلوم وداوموا عليها وانشروها فهي امانة في رقابكم كما اوصيكم بالجد والاجتهاد في المواد الدراسية وطالما نحن مع بعض سنتابع كل يوم تسميع جزء من منظومة اسماء الله الحسنى

 

العجيب بعد هذه الكلمات الجميع أخذته عبرات البكاء واقشعرت الابدان وتسرب الينا حزن عميق برغم فرحة الختام بأسماء رب الانام لكننا شعرنا ان هذه الايام الاخيرة من الصف الثالث الابتدائي و لن نرى مثلها مرة أخرى فهي ايام الوداع الأخيرة لمشاعل النور والهدى وبمثابة نعي مبكر لشهد الايام وصرنا لا نترك لحظة تمر علينا والاستاذ محمود واقف بيننا الا و نكحل أعيننا من طلعته السنية ولسان الحال والمقال يردد،:

يا جميل الوجه انت الهدى

ومن مقلتيك وقلبك وعلمك فؤادي اهندى وماذا سيفعل بعدك قلبي الجريح بعد حبك وعنايتك والهنا والرضا

امنن علي بوصل او سؤال حتى لا نتيه في القنا

عند الخروج من المدرسة يركب الاستاذ محمود حماره ليسافر الى بلده واذا بالفصل كله يلتف حوله وهو يركب حماره ليشق طريق الزمان منتقلا لمكان اخر مخلفنا بعده يودعنا كل يوم تدريبا على الوداع الاكبر ونحن نبخل ان ينقضي اليوم خوفا الا يعود مثله مع هذا الكريم اما انا فقد كنت اسبق زملائي و لا اذهب معهم لوداعه وانتظره عند بابور النور حيث كان طريقه لبلده يمر بطريق بيتنا فإذا وصل إلي بحماره اسرعت ومشيت خلفه فعندما يراني يمسك بلجام حماره ويجعله هادئا فامشي بجواره يقول لي براحتك انا معك انت عامل ايه اقول له كويس يا استاذ واختلس النظرات اليه حبا واحتراما فيتحدث معي الى كرم ابو عثمان مقابل بيتنا ثم اودعه باكيا فيوقف حماره وينزل تعالى يا حبيبي لا تبك غدا ساراك باذن الله يوميا على هذا الحال والايام اسرع من البرق واجمل من الشهد وانتهت ايام الصف الثالث وانتزعت معها آهات الشوق وطيف الأحبة فلم نر استاذنا محمود الذكر والعلم والاخلاق مرة أخرى و هطلت عيوننا منذ ذلك الحين دمعا حارا ومازالت فكلما ذكرته لا املك عيناي شوقا أفديه بنفسي بنظرة واحدة الى هذا الحبيب والصديق والعالم الرباني الذي احببنا بصدق وربانا بايمان وشملنا بكرم واوصانا بحلم حقا:

اذا رزقت بمن يحبك صادقا

حافظ عليه فمثله لا يوجد

يكفيك قلب واحد عن أمة

تحظى به بعد الغناء وتسعد

لقد رزقنا الله بهذا القلب الصادق ولن نجد مثله مرة أخرى وقد كفانا قلبه عن قلوب أمة فكان سببا في إزالة عنائنا واهدى الينا الفرح والسرور في الدنيا على طبق ذهبيي كقطعة حلوى وها نحن نننظر لقاءه والسعادة معه عند مليك مقتدر جزاك الله خيرا معلمي والى لقاء مع الصف الرابع الابتدائي لكم مني كل تقدير واحترام

.د.الغزالي

زر الذهاب إلى الأعلى