أدب وثقافةقصص قصيرة

«حِكْمَةُ الحُبِّ: المواقفُ تُثبِتُ قيمةَ الرِّجالِ»

حِكْمَةٌ وَمَوْعِظَةٌ (7)

حِكْمَةٌ وَمَوْعِظَةٌ (7)

«حِكْمَةُ الحُبِّ: المواقفُ تُثبِتُ قيمةَ الرِّجالِ»

 

بقلم د. محمود طه

كان هناك شابٌّ يُدعى محمّد، شابٌّ جميلٌ ومكافح، فقد والديه وهو في المرحلة الإعدادية، فاضطر إلى النزول للعمل في أحد محالّ السوبر ماركت، حتى ينفق على شقيقتيه.

كان لمحمّد أختان، ندى وهناء، وكان بالنسبة إليهما الأخ والأب والسند، بعد الله عز وجل.

ظلّ محمّد يكدّ ويعمل، ولم يفكّر في نفسه يومًا، بل كان كلّ همّه أن يوفّر لشقيقتيه حياةً كريمة. واستمرّ في العمل حتى تخرّجتا من الجامعة.

أصبحت هناء معلّمة، بينما عملت ندى طبيبة. وبعد ذلك تمّت خطبتهما وتزوّجتا.

وطوال هذه السنوات، لم يفكّر محمّد في الزواج أو في مستقبله، فقد كان يرى أن سعادة شقيقتيه أهمّ من كل شيء.

وفي أحد الأيام، دخلت فتاة تُدعى نور إلى السوبر ماركت لشراء بعض الأشياء. وكانت هذه أوّل مرة تأتي فيها إلى المكان، رغم أن السوبر ماركت يقع بجوار العمارة التي تسكن بها.

كانت نور قد عاشت معظم حياتها في دول الخليج، لكنها عادت أخيرًا إلى بلدها. وكانت أحوال أسرتها المادية قد تحسّنت كثيرًا، إلا أنهم احتفظوا بشقّتهم القديمة في أحد أحياء السيدة زينب؛ لما تحمله من ذكريات جميلة.

انتهت نور من شراء حاجاتها، وتوجّهت إلى محمّد لتحاسب.

وفي تلك اللحظة، التقت عيناهما.

شعرت نور براحة غريبة تجاهه، بينما شعر محمّد بانجذابٍ لم يفهمه.

قالت وهي تبتسم:

— شكرًا يا…

فقال محمّد:

— محمّد.

ابتسمت وقالت:

— شكرًا يا محمّد. أنا نور، ساكنة في العمارة اللي جنبكم، وهزهقكم من كتر ما هاجي هنا!

ضحك محمّد وقال:

— لا طبعًا، تنوّرينا في أي وقت. المكان مكانك.

ابتسما، وانتهى اللقاء.

لكنّه لم يكن لقاءً عابرًا…

فمن نظرةٍ بدأت الحكاية، ومن ابتسامةٍ وُلدت قصة حب.

بعد أن عادت نور إلى شقّتها، وجدت نفسها شاردة في محمّد، وظلّت تفكّر فيه دون أن تعرف السبب.

ثم قالت لنفسها:

— مالك يا نور؟

وردّت على نفسها:

— مش عارفة… بس حاسّة إني أعرفه من زمان!

وفجأة، طرق والدها، الحاج سلطان، باب غرفتها.

كان الحاج سلطان من الأثرياء، وكانت نور ابنته الوحيدة وكلّ حياته، خاصة بعد وفاة زوجته. لم يكن يريد من الدنيا سوى أن يرى ابنته سعيدة.

وفي اليوم التالي، عادت نور إلى السوبر ماركت، وسلّمت على محمّد، ثم قالت:

— ممكن آخد رقمك؟ لو فيه حاجات عاوزاها، ممكن تجهّزها لي؟

قال محمّد:

— طبعًا.

وأعطاها رقمه، وأخذ رقمها أيضًا.

وفي المساء، اتصلت به.

قال:

— ألو، أستاذة نور؟

ضحكت وقالت:

— أستاذة إيه؟! أنا نور بس!

قال:

— تمام يا نور، عاوزة أجهّز لك حاجات؟

قالت:

— لا، أنا بس كنت بتأكّد إن الرقم اتسجّل صح.

ثم صمتت قليلًا وقالت:

— وبصراحة… مش عارفة.

فقال محمّد:

— ولا أنا.

تعجّبت نور من إجابته، وقالت:

— إنت فاهم أنا كنت عاوزة أقول إيه؟

قال:

— آه… بصراحة، من يوم ما شفتك، وصورتك ما بتغيبش عن بالي.

ابتسمت نور، وامتلأت عيناها بالفرحة، وقالت:

— ولا أنا يا محمّد… أنا حاسّة براحة كبيرة معاك.

ومن هنا تطوّرت الحكاية، وتحولت النظرة إلى إعجاب، والإعجاب إلى حب، حتى أصبحت بينهما قصة جميلة.

وبعد أن تقاربا أكثر، قرّر محمّد أن يطلب نور من والدها.

ذهب إلى الحاج سلطان، وقال له:

— يا عمي، أنا بحب نور، ووعد مني إني هحاول أعيشها مرتاحة. هشتغل ليل ونهار، ولو أقدر أجيب لها نجمة من السما، هجيبها.

نظر إليه الحاج سلطان وقال:

— كلامك جميل يا محمّد، وأنا بحترم الشاب المكافح اللي زيك. لكن، للأسف، ظروفك مختلفة عن ظروفنا، وأنا خايف إنك ما تقدرش توفّر لنور المستوى اللي اتعودت عليه.

ثم أضاف:

— نور قطعة مني، وهي كل ما أملك، ومش قادر أشوفها تعيش حياة صعبة.

حزن محمّد، وقال:

— شكرًا يا عمي.

ثم انصرف.

وبعد قليل، دخلت نور على والدها وسألته:

— إيه يا بابا؟ وافقت؟

قال:

— لا طبعًا يا نور. إزاي تفكّري في شاب بالمستوى ده؟

قالت:

— بس يا بابا، هو بيحبني وأنا كمان بحبه.

قال والدها:

— حب إيه يا بنتي؟ الحب لوحده مش هيعيشكِ بالمستوى اللي إنتِ متعوّدة عليه.

فقالت نور:

— أنا راضية يا بابا، وعمري ما هتخلّى عن محمّد. ولو بتحبني فعلًا، وافق.

قال الحاج سلطان:

— اصرفي نظرك عن الموضوع ده يا نور.

خرجت نور من عنده وهي حزينة، واتصلت بمحمّد.

قال لها:

— بابا عنده حق. هو شايف إن ظروفي مش مناسبة لكم.

قالت:

— من أولها بتستسلم يا محمّد؟! حبّنا أقوى من كل الظروف.

قال:

— أنا مش قادر أعيش من غيرك، لكن والدك شايف إن ظروفي لا تناسبك.

قالت:

— مالكش دعوة. أنا هتصرّف. وبعدين… مش ناوي تعرّفني على أخواتك؟

ابتسم محمّد وقال:

— إن شاء الله، أكيد.

وأغلق الهاتف.

وفي تلك الليلة، حدث أمر لم يكن في الحسبان.

اندلع حريق كبير في العمارة التي تقيم فيها نور.

وصلت سيارات الإطفاء، وصعد محمّد مسرعًا إلى شقّة نور. حاول كسر الباب، وحين فتحه وجد النيران تحيط بها.

كان والد نور خارج المنزل، ولم يكن يعلم بما يحدث.

دخل محمّد وسط النيران، وتمكّن من إنقاذ نور، التي أصابها الاختناق بسبب الدخان.

حملها، وأسرع بها إلى المستشفى.

وعندما عاد والدها، أخبره البواب أن محمّد هو من أنقذ نور ونقلها إلى المستشفى.

ذهب الحاج سلطان فورًا إلى المستشفى، وهناك رأى محمّد يقف بجوار نور.

في تلك اللحظة، أدرك والدها حقيقةً لم يرها من قبل.

هذا الشاب لم يحب نور بالكلام فقط، بل خاطر بحياته من أجلها.

أدرك أن محمّد رجلٌ يمكن الاعتماد عليه، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، وإنما بما يفعله عندما يحتاجه من يحب.

قرر الحاج سلطان أن يشتري السوبر ماركت ويهبه لمحمّد.

لكن محمّد رفض وقال:

— لا يا عمي، ده مش من تعبي.

فقال الحاج سلطان:

— اعتبره مشروعًا لك، وسدّد ثمنه لي من أرباحه على مدى السنوات القادمة.

ثم نظر إليه وقال:

— يا ابني، سامحني. أنا ظلمتك. أنت فعلًا رجل بجد، وأقدر أعتمد عليك، وهكون مطمئنًا على ابنتي وهي معك.

ثم قال:

— وأنا موافق على زواجك من نور.

فرح محمّد ونور، وتم تحديد موعد الزواج.

وتزوّج محمّد من نور، حبيبته التي كاد أن يفقدها في لحظة، لكن حبّه الصادق، وكفاحه، ومواقفه، كانت أقوى من كل الظروف.

وهكذا استطاع محمّد أن يتخطّى كل العثرات التي واجهته، حتى وصل إلى ما أراد.

العِبْرَةُ وَالمَوْعِظَةُ

لا تحكم على الإنسان من خلال مظهره، أو ظروفه المادية، أو مستواه المعيشي؛ فالقيمة الحقيقية للإنسان تظهر في مواقفه وصدق أفعاله.

قد يملك الإنسان الكثير من المال، لكنه يفتقد الأخلاق والمواقف التي تُثبت طيب أصله.

وقد لا يملك الإنسان الكثير، لكنه يملك قلبًا صادقًا، وخلقًا كريمًا، وإرادةً تجعله قادرًا على تحمّل المسؤولية والوقوف بجوار من يحب.

فالمواقف هي التي تكشف معادن الرجال، والحب ليس كلامًا يُقال؛ فالكلام وحده ليس مقياسًا للحب، وإنما المقياس الحقيقي هو ما يقدّمه الإنسان لمن يحب من صدقٍ وتضحيةٍ ووفاء.

 

زر الذهاب إلى الأعلى