للكذب ثلاثة أرجل… لكنه لا يمشي طويلًا
بقلم: ممدوح عكاشة
للكذب ثلاثة أرجل، إذا اكتملت له استطاع أن يمشي بين الناس، وأن يطرق الأبواب، وأن يتسلل إلى العقول حتى يظنه البعض حقيقة.
الرجل الأولى: أن تجيد الكذب…
فليس كل كاذب محترفًا؛ فهناك من يكذب فتفضحه كلماته، وهناك من ينسج الكذبة بعناية، ويخلط فيها شيئًا من الحقيقة بكثير من الوهم، حتى تبدو لمن يسمعها قابلة للتصديق.
والرجل الثانية: أن تجد حولك من يكرر الكذبة دون أن يسأل: هل هي حقيقة؟
هؤلاء لا يصنعون الكذبة، لكنهم يمنحونها عمرًا أطول. يرددون ما سمعوه، وينقلون ما قيل لهم، حتى تتحول الإشاعة من جملة عابرة إلى “حقيقة” متداولة في أذهان من لم يبحثوا ولم يتثبتوا.
أما الرجل الثالثة، فهي الأخطر:
أن يكون هناك من يعرف الحقيقة، لكنه يختار الصمت.
الصمت هنا ليس دائمًا حيادًا، فقد يكون خوفًا، أو مصلحة، أو رغبة في تجنب المواجهة. وحين يصمت من يعرف الحقيقة، يجد الكذب طريقه ممهدًا، ويجد الكاذب مساحة أكبر للحركة، بينما يبقى صاحب الحقيقة واقفًا في مكانه يتفرج.
وهنا تكمن المأساة…
فالكذبة لا تنتصر دائمًا لأنها قوية، وإنما قد تنتصر لأن الحقيقة تُترك وحيدة.
قد يستطيع الإنسان أن يكذب على شخص، وربما على مجموعة من الناس، لكنه من الصعب أن يخدع الجميع إلى الأبد؛ لأن الحقيقة مهما تأخرت، تظل تملك شيئًا لا يملكه الكذب: أنها لا تحتاج إلى من يجمّلها كل يوم.
الكذب يحتاج إلى روايات جديدة، وتبريرات متتالية، وأشخاص يرددونه، وآخرين يخافون من كشفه.
أما الحقيقة، فقد يكفيها موقف واحد صادق، أو وثيقة واحدة، أو شهادة إنسان قرر في لحظة ما أن يقول: “هذا لم يحدث.”
لذلك، ليست مواجهة الكذب مسؤولية من وقع عليه فقط، بل مسؤولية كل من يعرف الحقيقة.
فإذا كنت تعرف أن الكلام كذب، فلا تساعده على الانتشار بالصمت.
وإذا لم تكن متأكدًا، فلا تكن بوقًا لما لا تعرف.
وإذا ظهرت الحقيقة، فلا تجعل اعترافك بها مرتبطًا بمصلحتك.
لا تكن الرجل الثانية التي تكرر الكذبة، ولا الرجل الثالثة التي تمنحها شرعية الصمت.
وفي النهاية، قد يمشي الكذب بثلاث أرجل، لكنه يظل كسيحًا أمام حقيقة ثابتة.
فالحقيقة قد تتأخر… لكنها حين تصل، لا تحتاج إلى دعاية.








