مقالات

ما بعد نتنياهو.. هل سقط الرجل أم بدأت معركة إعادة تشكيل إسرائيل والمنطقة؟

ما بعد نتنياهو..

هل سقط الرجل أم بدأت معركة إعادة تشكيل إسرائيل والمنطقة؟

 

بقلم: أ/ هبة شاهين – الإسكندرية

ليست كل هزيمة سياسية نهايةً لصاحبها، وليست كل خسارة انتخابية انتقالًا حتميًا إلى السلام. ففي الشرق الأوسط،
قد يتغير رئيس الحكومة بينما تبقى السياسات التي صنعت الأزمات قائمة، وقد يسقط تحالف حاكم دون أن تسقط معه أفكاره أو حساباته الأمنية.

من هنا، لا ينبغي قراءة ما جرى في الانتخابات الإسرائيلية باعتباره مجرد اختبار لمستقبل بنيامين نتنياهو، بل باعتباره اختبارًا لاتجاه إسرائيل بعد حرب غزة، ولحدود العلاقة مع واشنطن، وللفارق بين تغيير الوجوه وتغيير السياسات.

أولًا: هل هُزم نتنياهو فعلًا؟

حتى 28 أكتوبر 2026، تشير استطلاعات الخروج والنتائج الأولية إلى انتكاسة واضحة لمعسكر نتنياهو، لكنها لا تحسم انتقال السلطة إلى منافسه غادي آيزنكوت. فقد تقاربت تقديرات المعسكرين، ولم يظهر أي منهما طريقًا مضمونًا إلى أغلبية الـ61 مقعدًا اللازمة لحكم الكنيست المؤلف من 120 مقعدًا. وتظل النتائج النهائية والمفاوضات الائتلافية عاملين حاسمين في تحديد من سيشكل الحكومة.

《هذه هي النقطة التي ينبغي ألا تغيب عن المشهد》

التراجع الانتخابي لا يساوي تلقائيًا خسارة رئاسة الحكومة. فالنظام الإسرائيلي يقوم على التحالفات، وقد يمتلك حزب مقاعد أكثر من منافسيه دون أن يتمكن من تشكيل حكومة، بينما يستطيع معسكر آخر جمع أغلبية عبر تفاهمات مع أحزاب أصغر.
ومع ذلك، فإن تراجع معسكر نتنياهو، إذا تأكد نهائيًا، يحمل دلالة سياسية مهمة؛ إذ يعكس حجم الانقسام حول إدارته للحرب، والإخفاقات الأمنية التي سبقت هجوم 7 أكتوبر 2023، والعلاقة المتوترة مع قطاعات من المجتمع الإسرائيلي، فضلًا عن قضايا التجنيد والفساد ومستقبل الدولة ومؤسساتها.

لقد جعل نتنياهو من الأمن عنوانًا رئيسيًا لشرعيته السياسية، ولذلك فإن أي تراجع في الثقة بقدرته على تحقيق الأمن يضرب جوهر روايته أمام الناخب الإسرائيلي.
لكن علينا التمييز بين رفض نتنياهو شخصيًا، ورفض التيار اليميني، ورفض الحرب بصورتها الحالية؛ فهذه ثلاثة أمور متداخلة، لكنها ليست متطابقة بالضرورة.

ثانيًا: هل ينتظر نتنياهو السجن؟

هنا تتقاطع السياسة مع القضاء، ولكن دون أن يصبح أحدهما بديلًا عن الآخر. يواجه نتنياهو محاكمة جنائية في إسرائيل على خلفية اتهامات بالفساد، وهو ينفي ارتكاب مخالفات. وخسارة منصبه قد تقلل قدرته السياسية على التأثير في المناخ المحيط بقضيته، لكنها لا تعني صدور حكم بالإدانة أو دخول السجن بصورة تلقائية. فالمسار الجنائي تحكمه الأدلة والإجراءات القضائية ونتيجة المحاكمة، لا نتيجة الانتخابات وحدها.

وهناك مسار قانوني دولي منفصل، يتمثل في مذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو على خلفية اتهامات مرتبطة بالحرب في غزة. وهذه المذكرة ليست حكمًا بالإدانة، كما أن آثارها القانونية تختلف عن آثار المحاكمة الإسرائيلية، وترتبط بتنفيذ الدول المعنية لالتزاماتها القانونية.

إذًا، لا يصح القول إن نتنياهو لا يصح افتراض أن بقاءه السياسي يحصّنه إلى الأبد.

فالاحتمال الواقعي هو أن خسارة الحكم قد تفتح مرحلة أكثر تعقيدًا بالنسبة إليه، تتراجع فيها أدواته السياسية، بينما تستمر الإجراءات القانونية وفق مساراتها المستقلة. وقد تصبح المساومات بشأن العفو أو التسويات موضوعًا سياسيًا، لكن لا يجوز التعامل معها باعتبارها قرارًا محسومًا أو نتيجة مضمونة.

والدرس الأهم أن المحاسبة الحقيقية لا تتحقق بمجرد خروج مسؤول من منصبه؛ بل بقدرة المؤسسات على تطبيق القانون دون انتقائية، سواء كان المتهم حاكمًا أو معارضًا.

ثالثًا: ماذا يعني صعود غادي آيزنكوت؟

آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق وزعيم حزب «ياشار»، يقدم نفسه باعتباره بديلًا لقيادة نتنياهو، مستندًا إلى خبرته العسكرية وانتقاداته لطريقة إدارة الحرب. لكنه ليس ممثلًا لتيار يدعو بالضرورة إلى تحول جذري في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.

فمواقفه الأمنية تظل متشددة؛ إذ يدعو إلى تفكيك القدرات العسكرية لحماس، ويعارض قيام دولة فلسطينية. ومن ثم، فإن انتقال القيادة إليه، إذا نجح في تشكيل الحكومة، قد يغير أسلوب إدارة الملفات، لكنه لا يضمن تغيير الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية.

الفارق المحتمل قد يكون في ثلاثة أمور: أسلوب اتخاذ القرار، والعلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة الأمنية، والقدرة على بناء توافق داخلي أوسع بدلًا من الاعتماد على تحالفات شديدة الاستقطاب.

وقد يكون تشكيل حكومة أوسع أكثر قدرة على اتخاذ قرارات صعبة بشأن الرهائن والأمن والتهدئة، لكنه قد يواجه في المقابل خلافات داخلية حول الضفة الغربية، والتجنيد الإجباري، ومستقبل غزة، وشروط أي اتفاق سياسي.

كما أن آيزنكوت سيواجه معضلة أساسية: كيف يثبت للناخب الإسرائيلي أنه قادر على حماية الأمن، دون أن يعيد إنتاج السياسات نفسها التي انتقد نتائجها؟
وهنا تتحدد قيمة التغيير: ليس في اسم رئيس الحكومة وحده، وإنما في القرارات التي يستطيع اتخاذها، والقيود التي يفرضها عليه شركاؤه، ومدى استعداده لمراجعة الحسابات التي أثبتت الوقائع محدوديتها.

رابعًا: هل يستطيع آيزنكوت الانسجام مع ترامب؟

العلاقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ستكون من أهم اختبارات أي حكومة إسرائيلية جديدة. لكن من الخطأ اختزالها في الصداقة الشخصية بين ترامب ونتنياهو؛ فالعلاقات الأمريكية الإسرائيلية تقوم أيضًا على المصالح الأمنية، والتوازنات الإقليمية، وحسابات واشنطن الدولية.

ترامب قد يتعامل بمرونة مع تغيير القيادة الإسرائيلية إذا رأى فيه فرصة لتثبيت ترتيبات إقليمية تخدم المصالح الأمريكية. وفي المقابل، لن يكون آيزنكوت قادرًا على ضمان تفاهم دائم مع واشنطن بمجرد امتلاكه خلفية عسكرية أو خطابًا أقل صدامية.
هناك نقاط تقارب محتملة، خصوصًا في الملف الإيراني والتنسيق الأمني، لكن الاختلافات قد تظهر بشأن إدارة غزة، وحدود استخدام القوة، وتوقيت التسويات، ومدى استعداد إسرائيل لتقديم تنازلات سياسية.
وقد كشفت تصريحات ومواقف آيزنكوت المتعلقة بالتهديد الإيراني عن تقارب في بعض الأولويات الأمنية مع إدارة ترامب، دون أن يعني ذلك تطابقًا كاملًا في الرؤى أو ضمان استمرار التفاهم عند كل منعطف.

والسيناريو الأرجح من منظور المصالح هو أن تحاول واشنطن التعامل مع القيادة التي تستطيع تنفيذ تفاهمات قابلة للاستمرار، لا أن تجعل مستقبل سياستها الإقليمية مرهونًا بشخص نتنياهو وحده.

خامسًا: غزة.. هل تتغير المعادلة بتغير رئيس الحكومة؟

هنا تكمن القضية الأهم بالنسبة إلى المنطقة.

لقد تعثرت مراحل أساسية من خطة ترامب بشأن غزة؛ فالتهدئة التي بدأت في أكتوبر 2025 لم تحسم قضايا نزع سلاح حماس، والانسحاب الإسرائيلي، وترتيبات الحكم، وإعادة الإعمار. وبذلك، فإن الانتقال من مرحلة وقف القتال إلى تسوية مستقرة لا يزال يواجه عقبات جوهرية.

ومن الضروري ألا نخلط بين تغيير القيادة الإسرائيلية وبين حل القضية الفلسطينية؛ فالأول قرار سياسي داخلي، أما الثاني فيتطلب معالجة جذور الصراع، وحقوق الفلسطينيين، والأمن، والسيادة، والحدود، والقدس، واللاجئين.

ويمكن تصور ثلاثة مسارات لمستقبل غزة:

المسار الأول: تهدئة مشروطة وإدارة انتقالية.

قد تدفع واشنطن باتجاه تثبيت وقف إطلاق النار، وزيادة المساعدات، وإقامة إدارة مدنية فلسطينية انتقالية، وربط إعادة الإعمار بترتيبات أمنية. وقد يتيح ذلك تخفيف المعاناة الإنسانية وفتح مساحة للمفاوضات، لكنه سيظل هشًا إذا لم يترافق مع انسحاب واضح، وضمانات قابلة للتنفيذ، ودور فلسطيني شرعي في إدارة القطاع.

المسار الثاني: استمرار التهدئة الهشة والتصعيد المتقطع.

قد تتعثر المفاوضات بسبب الخلاف حول سلاح حماس، والوجود العسكري الإسرائيلي، والجهة التي تتولى الحكم. وفي هذه الحالة، قد يستمر تبادل الاتهامات والضغوط، مع عمليات عسكرية متقطعة وأوضاع إنسانية شديدة الصعوبة.
هذا المسار لا يحتاج إلى قرار معلن باستئناف حرب شاملة؛ فقد يكفي غياب الاتفاق على آليات التنفيذ والرقابة كي تتحول التهدئة إلى وضع مؤقت قابل للانهيار.

المسار الثالث: اتساع التسوية إلى إطار إقليمي.

قد تحاول الولايات المتحدة ربط استقرار غزة بترتيبات أوسع تشمل أمن إسرائيل، ودور الدول العربية، وإعادة الإعمار، ومستقبل العلاقات الإقليمية. لكن نجاح هذا المسار سيظل مشروطًا بوجود معالجة سياسية للقضية الفلسطينية، لا بمجرد ترتيب أمني يفرض واقعًا جديدًا على الفلسطينيين.
ومن وجهة نظري التحليلية، لا يمكن ترجيح سلام مستدام لمجرد تغير رئيس الحكومة؛ لأن العقبات الأساسية تتجاوز شخصية نتنياهو. والأقرب إلى المنطق هو توقع صراع تفاوضي طويل بين متطلبات الأمن الإسرائيلي، والحقوق الفلسطينية، ومصالح القوى الإقليمية والدولية.

سادسًا: ماذا عن إيران ولبنان وبقية المنطقة؟

أي تغيير في القيادة الإسرائيلية لن يلغي تلقائيًا الصراع مع إيران أو التوترات المرتبطة بلبنان. فهذه الملفات تحكمها حسابات عسكرية وأمنية ومصالح إقليمية تتجاوز الخلافات الحزبية الإسرائيلية.
وقد تسعى القيادة الجديدة إلى الحفاظ على الردع العسكري، مع منح الدبلوماسية فرصة أكبر إذا توافرت ترتيبات أمنية مقبولة. وقد يحدث العكس إذا رأت أن التفاوض لا يحقق أهدافها أو أن التهديدات تتزايد.

أما الدول العربية، وفي مقدمتها مصر، فستظل معنية بمنع اتساع الحرب، وتثبيت التهدئة، وضمان دخول المساعدات، ورفض تهجير الفلسطينيين، والحفاظ على فرص قيام حل سياسي عادل. كما أن أي ترتيبات تخص غزة يجب أن تراعي أمن الحدود المصرية، وألا تحوّل إعادة الإعمار إلى أداة لفرض وقائع سياسية أو ديموغرافية جديدة.
ولا ينبغي النظر إلى المنطقة باعتبارها مجرد ساحة تتحرك فيها واشنطن وتل أبيب؛
فالدول العربية تملك مصالح وأدوات تفاوضية، كما أن استقرار المنطقة يرتبط بقدرتها على تنسيق مواقفها، وربط أي انفتاح إقليمي بتقدم حقيقي في القضية الفلسطينية.

الخلاصة:

سقوط القيادة لا يعني سقوط النهج
إن ما يجري في إسرائيل ليس مجرد اختبار لشعبية نتنياهو، بل اختبار لقدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إنتاج قيادة تستطيع التعامل مع نتائج الحرب وأزماتها الداخلية والخارجية.

وقد يفتح تراجع نتنياهو الباب أمام مرحلة سياسية مختلفة، لكنه لا يضمن تحولًا في الموقف من الفلسطينيين، ولا يضمن نهاية الصراع، ولا يعني أن العدالة أصبحت قريبة بالضرورة.

فالرهان الحقيقي ليس على خروج شخص من المشهد، بل على أن يتحول التغيير السياسي إلى قرارات قابلة للقياس:
وقف مستدام للحرب، وحماية المدنيين، وانسحاب وفق اتفاق واضح، وإعادة إعمار غزة، واستعادة الفلسطينيين حقهم في تقرير مستقبلهم.

فالتاريخ لا يتغير بمجرد تبديل الأسماء؛ وإنما يتغير عندما تتبدل السياسات، وتُحاسَب السلطة، ويصبح السلام حقًا تحميه القواعد والضمانات، لا مجرد وعد يُستخدم لتأجيل حرب جديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى