مقالات

مجدي بكري يكتب: «معاً لحماية الأسرة المصرية»… مبادرة على ضفاف الأصالة يقودها تاريخ وأزهر وقانون

ما بين صمت المعابد وجلال المتاحف، حيث تعمل الدكتورة إنجي فايد كبير الباحثين بوزارة الآثار، تعلمت أن أعظم ما خلفه الأجداد لم يكن الحجر وحده، بل هو المعنى الذي نحته هذا الحجر.

تعلمت أن الحضارة لا تقاس بضخامة الأعمدة، بل بمتانة البيوت. ومن هذا الإدراك العميق خرجت مبادرتها “معاً لحماية الأسرة المصرية”، لا كمشروع عابر، بل كنداء استغاثة حضاري موجه إلى كل بيت في هذا الوطن.
الدكتورة إنجي لم تنظر إلى الأسرة باعتبارها ملفاً اجتماعياً جامداً، بل رأتها كما ترى الأثر: كياناً حياً يحمل في طياته ذاكرة أمة، ويوشك أن يتآكل بفعل عوامل التعرية إن لم نهرع لترميمه.
عوامل التعرية اليوم لم تعد رطوبة ولا زلازل، بل صارت أفكاراً مستوردة وضغوطاً اقتصادية وفراغاً تشريعياً وفهماً مغلوطاً للدين. لذلك كان لابد أن يكون الترميم شاملاً، وأن يكون الفريق الذي يحمل المعاول فريقاً من تخصصات مختلفة، يجمعهم هاجس واحد هو البقاء.وهنا كان التحالف. تحالف لم يكن ليخطر على بال أحد لولا بصيرة امرأة تعودت أن تربط بين الماضي والحاضر بخيط رفيع من المنطق.
فكان إلى جوارها الدكتور حسام لطفي، رئيس قسم القانون المدني بجامعة بني سويف، الذي جاء بميزان العدالة ليضع للعلاقات الإنسانية إطاراً يحميها من الفوضى، ويذكرنا أن الزواج ميثاق غليظ وأن الحقوق لا تُستجدى بل تُصان بالقانون.
وكان معهما ايضا الدكتور عبدالله النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامية، الذي حمل في صوته حكمة الأزهر ووسطيته، ليرد الأسرة إلى منبعها الأول: المودة والرحمة والسكن، وليحصنها ضد كل تطرف أو تفريط باسم الدين.
ما تفعله “معاً لحماية الأسرة المصرية” ليس وعظاً، وليس محاضرات تُلقى ثم تُنسى. إنه محاولة جادة لإعادة بناء الوعي من القاع. أن نعلم الشاب المقبل على الزواج أن البيت مسؤولية قبل أن يكون احتفالاً.
وأن نعلم الزوجة أن كرامتها جزء من كرامة الوطن. وأن نعلم الأبناء أن انتماءهم يبدأ من غرفة الجلوس قبل أن يبدأ في ميدان عام. إنها دعوة للعودة إلى تلك الصورة المصرية القديمة للأسرة المتماسكة التي كانت دوماً خط الدفاع الأول عن الهوية في وجه كل الغزوات.
في زمن يظن فيه البعض أن التقدم يعني القطيعة مع الأصل، تأتي الدكتورة إنجي فايد لتقول لنا بعملها لا بقولها: لا مستقبل بلا جذور، ولا جذور بلا أسرة. فالأثر الذي سنحاسب عليه غداً ليس فقط ما نحافظ عليه في المخازن، بل ما نغرسه اليوم في قلوب أبنائنا.
ولذلك يصبح عنوان المبادرة “معاً” هو الكلمة الأهم. فلا القانون وحده يكفي، ولا الدين وحده يكفي، ولا التراث وحده يكفي. نحتاجهم جميعاً، نحتاج العلم والقانون والإيمان، نحتاج الباحث والقانوني ورجل الدين، نحتاج الدولة والجامعة والمجتمع، نحتاج أن نعمل معاً. لأن البيت الذي ينهار لا ينهار على ساكنيه فقط، بل ينهار على وطن بأكمله.هذا هو الرهان الذي دخلته الدكتورة إنجي فايد ورفاقها. رهان على أن المصري حين يتذكر من هو، سيعرف كيف يحمي من هم.

زر الذهاب إلى الأعلى