مدرس الظاهرية والبرقوقية والفاضلية
بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر التاريخية الكثير والكثير عن أهل العلم والعلماء والأدباء والشعراء، وأئمة الإسلام والمسلمين، والذي كان من بينهم الإمام السخاوي وقيل عن السخاوي أنه يبدو من تعداده للكتب التي درسها وقرأها في رحلاتة داخل مصر وخارجها إنه كان يعنى بدراسة الحديث والقراءة والنحو والفقه وعلوم البلاغة والتصوّف، ولم يعين السخاوي لنا تواريخ تنقلاته في هذه الرحلة، ولكن الظاهر إنها استغرقت بضعة أعوام، ولما عاد السخاوي إلى مصر، عكف على التدريس، ولا سيما تدريس الحديث، أحيانا بمنزله، وأحيانا بخانقاه وهو معهد الصوفية المعروف بسعيد السعداء وكذا انتدب في أوقات مختلفة للتدريس في أعظم مدارس القاهرة كدار الحديث الكاملية والصرغتمشية، والظاهرية، والبرقوقية، والفاضلية وغيرها.
وذاع صيته وأقبل عليه الطلاب من كل صوب، وفي سنة ثماني مائة وسبعين من الهجرة، سافر مع أسرته وكان قد تزوج يومئذ ورزق بعض الأولاد كما يفهم ذلك من إشارته إلى مولد ولده أحمد، ومع والده وأكبر أخويه إلى الحج للمرة الثانية وصحبه أيضا في تلك الرحلة صديقه وأستاذه النجم بن فهد الهاشمي وكان من أعلام العصر، ودرس بمكة مدى حين، وقرأ بالمسجد الحرام بعض تصانيفه وتصانيف غيره، ولما عاد إلى القاهرة استأنف دروسه وإملاءاته وتبوأ مركز الزعامة يومئذ في علم الحديث، وشغل فيه نفس المركز الذي كان يشغله فيه أستاذه ابن حجر قبل ذلك بثلاثين عاما، ثم حج السخاوي للمرة الثالثة في سنة ثماني مائة وخمس وثمانين من الهجرة، وقضى بمكة عاما في التدريس والدرس.
ثم حج سنة ثماني مائة وسبع وثمانين من الهجرة، وقضى حين في الدرس والإقراء وحج للمرة الخامسة في سنة ثماني مائة واثنين وتسعين من الهجرة، وقضى عاما آخر في الدرس والإقراء ثم حج في سنة ثماني مائة وأربع وتسعين من الهجرة، وقرأ الكثير من دروسه وتصانيفه، وغدت مكة وطنا ثانيا له وكتب بها كثيرا من مؤلفاته، ولما عاد السخاوي إلى القاهرة في سنة ثماني مائة وثماني وتسعين من الهجرة، استقر بمنزله، وأبى الدرس والإقراء في المعاهد والحلقات العامة وذلك ترفعا عن مزاحمة الأدعياء حسب قوله، وترك الإفتاء أيضا واكتفى بالإقراء في منزله لخاصة تلاميذه وكان السخاوي قد اشرف يومئذ على السبعين من عمره، ولكنه استمر منكبا على الدرس والتأليف.
وكانت قد انتهت إليه الرياسة يومئذ في معظم علوم عصره، ولا سيما الحديث، حتى قيل أنه فاق شيخه ابن حجر في ميدانه، وانتهى إليه فن الجرح والتعذيب، حتى قيل لم يبلغ أحد مكانته فيه منذ الحافظ الذهبي وكانت شهرته قد تعدت حدود مصر منذ بعيد وذاعت في أنحاء العالم الإسلامي، ولا سيما في الشام والحجاز حيث تلقى عليه مئات العلماء والطلاب، ولبث السخاوي رغم مكانته العلمية الرفيعة ونفوذه القوي بعيدا عن ميدان السياسة ودسائس البلاط والمناصب الرسمية واقترح عليه صديقه الأمير يشبك الداوادار أن يقرأ التاريخ بمجلس السلطان الظاهر خشقدم فأبى ثم عرض عليه أن يتولى القضاء بعد ذلك، فاعتذر وأشار بتعيين خصمه ومنافسه السيوطي رغم ما كان بينهما من الخصومات الأدبية الشهيرة.








