حمقاء أحيانًا تلك النفس التي تلهث وراء الحب عارية من وعيها، تتراقص بنشوة لتثبت أنها كنز في حياة من يشاركها الطريق؛ تريد الاستثنائية، وأن وجودها لا يشبهه وجود، وأن مكانها لا يستطيع أحد أن يزاحمه.
ثم تكتشف أن كل ما حاولت إثباته لم يكن إلا وهمًا صنعته نفس تهوى حكايا الأساطير.
في لحظة ما، كثير منا — إن لم يكن جميعنا — يريد أن يكون الأكثر تفردًا والأشد تأثيرًا في حياة الآخرين، خاصة أولئك الذين يشاركوننا العمر؛ أصدقاء كانوا، أو ذوي قربى، أو حتى أشخاصًا مروا مرور الكرام.
وتجيب النفس من داخلنا:
ولِمَ لا؟ ألسنا نستحق؟
ولكن كيف ونحن أبناء آدم، ذلك الذي تعلق بالخلود والبقاء، فأوهمه إبليس «بشجرة الخلد وملك لا يبلى»؟ وبقي شيء من هذا الوهم يسكننا: أن نبقى في ذاكرة الآخرين، نستعمر مساحة لا يستطيع عبورها بعدنا، وأن نكون المعادلة الصعبة التي لا تستقيم الحياة بدونها.
وفي وسط هذا الزخم من السعي، نتساءل:
هل اكتشفنا خريطة الكنز في أنفسنا أولًا، قبل أن نفرض على الآخر قبولها والتصديق عليها؟
في يومياتنا، مرت مواقف كثيرة سمعنا فيها من العابرين على سنوات عمرنا عبارات تشبه التراتيل!
قال بلهفة: «أنت جئت في الوقت المناسب!».
قالت بامتنان: «أنا من غيرك ما كنتش عارفة أعمل إيه!».
قال بحسرة: «يا ريتني قابلتك من زمان!».
قالت بضعف: «أنا من غيرك ما كنتش قدرت أعيش!».
تقال العبارات في لحظتها بلسان صادق وبقلب ممتن حقًا، ولكن برؤية غيبية؛ لأننا في لحظات الامتلاء نرى الآخر كما لو أنه كنز خرج من حكايا ألف ليلة وليلة وافترش أرضنا.
ثم تتغير الرؤية لتكون أكثر غشاوة وعتمة، ويعتل ميزاننا، ونقول:
كيف حدث ذلك التبدل المباغت؟
شيء ما ينكسر في العين، فتنطفئ الهالة، وتتغير الصورة، وتتبدل المفاهيم، وتنقلب التراتيل إلى عكوسات:
قال بجفاء: «ده كان يوم أسود لما عرفتك!».
قالت بنفور: «ده إنسان غريب ما بيفهمش!».
قال بسخرية: «ياه على مخك المظلم!».
قالت بدموع: «مش أنت… أيوه مش أنت!».
تثور جوارحنا: كيف تغير الإنسان إلى هذا الحد المخيف؟
هل تبدلت روحه وفطرته فجأة بين ليلة وضحاها؟
وهنا تكمن الخدعة الكبرى؛
لأن الشرخ لم يكن في الإنسان بقدر ما كان في هالة التعظيم التي أحطنا بها الآخر.
هو فقط كان بشرًا عاديًا له حسناته ونواقصه، جاء إلى رحلتنا ليؤدي دورًا، ونحن أيضًا في حياته دور…
فالأقدار لا تجمعنا بالآخرين عبثًا:
قد يأتي شخص لينقذك من لحظة، ويأتي آخر ليعلمك درسًا.
قد يفتح أحدهم بابًا، بينما يضع آخر ردمًا يسد الطريق.
قد يمنحك إنسان الأمان، بينما ينحت آخر كل مخاوفك.
كلاهما ترك شيئًا في الرحلة ثم مضى دوره.. أو ربما استمر.
لكننا لسنا كنوزًا في حياة الآخر، بل الكنز مخفي في نفسك وعليك أن تكتشف خريطته… وفي بعض الأحيان نريد عمرًا كاملًا نتعلم فيه فك الطلاسم التي لا تنتهي، وندرك أين يوجع الحب ومتى نوقظه.
والمفتاح ليس بعيدًا؛ إنه في تلك الزاوية العميقة من النفس التي يبدأ فيها الوعي.
والوعي يمنح الإنسان معرفة بنفسه، ثم يشطره إلى اثنين: واحد يعيش، وآخر يراقبه وهو يعيش.
يا ابن آدم:
ادخل أعماقك ترى نورك وتتحسس ضعفك…
نقب عن فطرتك الأولى…
ارتقِ بحدسك واصدق القول والفعل أو لا تصدق، فأنت حر…
أنت حر لأن قيمتك في ذاتك، وليس في تاريخ الآخرين.
ومتى تكتشف هذا الكنز، ستدرك أن ما قدمته كان جزءًا من رحلتك لا خلودك، وأن كل إنسان جاء بشيء، وأننا أيضًا ذهبنا إلى حياة الآخرين بشيء…
لكننا لم نكن كنزًا؛
بل في أعظم الحالات كنا ذوي حظ عظيم أن جمعتنا الرحلة معًا.
دَرْوِيشَةُ الْعِشْقِ أَنَا
أُنَقِّبُ فِي الذَّاتِ
أَلْمَحُ نُورًا
أَوْ أَلْمَسُ حَجَرًا
وَأَدُورُ…
لَعَلِّي أَنْقُضُ جِدَارًا
تَوَارَى تَحْتَهُ كَنْزٌ








