أدب وثقافةصدى مصرمقالات

من قرطبة إلى بغداد حين تركنا الأندلس قليلًا، لنعود إلى قلب الخلافة العباسية .

سلسلة التاريخ من وراء الستار.

من قرطبة إلى بغداد

حين تركنا الأندلس قليلًا، لنعود إلى قلب الخلافة العباسية .

 

بقلم/ محمد مصطفى كامل.

قبل أن نفتح صفحة جديدة من تاريخ الأندلس، علينا أن نتوقف لحظة.

لقد قطعنا في قرطبة رحلة طويلة؛ من صعود عبد الرحمن الداخل، إلى قيام الخلافة الأموية، ثم عصر عبد الرحمن الناصر والحكم المستنصر، فالمنصور بن أبي عامر، ثم عبد الملك المظفر، حتى وصلت قرطبة إلى فتنتها الكبرى، وسقطت الخلافة، وانقسمت الأندلس إلى ممالك الطوائف، وانتهى ذلك العصر بوصول المرابطين.

لكن التاريخ من وراء الستار لا يسير دائمًا في خط مستقيم.

فنحن لا نريد أن نحكي تاريخ الأندلس وحده، ولا تاريخ المشرق وحده، وإنما نريد أن نرى العالم الإسلامي وهو يتحرك في أكثر من مكان في الوقت نفسه.

ولهذا سنغادر قرطبة مؤقتًا، ونعود إلى بغداد. فبينما كانت الأندلس تدخل عصر ملوك الطوائف، كانت بغداد نفسها تمر بتحولات عميقة.

الخلافة العباسية ما زالت قائمة. والعلم ما زال يزدهر. والمدن ما زالت عامرة. لكن خلف هذا الازدهار كانت هناك مشكلة بدأت تكبر بصمت، من يملك القوة؟

فالخليفة هو رأس الدولة،لكن الجيوش هي التي تحمي الدولة. وإذا أصبح الجيش أقوى من السياسيين الذين يقودونه، فقد يتحول من أداة في يد الدولة إلى قوة تصنع الدولة نفسها.

وهنا تبدأ قصتنا.

بغداد بعد المأمون

حين احتاجت الخلافة إلى جيش. فأصبح الجيش قوة لا يمكن تجاهلها لم تكن بغداد في منتصف القرن الثالث الهجري مجرد مدينة. كانت فكرة.

كانت عاصمة الإمبراطورية العباسية، ومركزًا للعلم والتجارة والسياسة، ومدينة ارتبط اسمها بعصر ذهبي لم تعرفه مدن كثيرة في العالم. وفيها عاش الخلفاء. وفيها اجتمع العلماء.

ومنها خرجت القرارات التي كانت تؤثر في أقاليم واسعة تمتد من حدود الصين إلى شمال إفريقيا. لكن بغداد التي ورثها خلفاء القرن الثالث الهجري لم تكن بغداد المنصور والرشيد والمأمون تمامًا.

فالدولة التي بدت في عهد المأمون قوية ومتماسكة كانت قد بدأت تواجه مشكلة جديدة، كيف تحافظ على إمبراطورية واسعة بينما تتغير طبيعة القوة داخلها؟ وكان الخليفة الذي سيواجه هذه المشكلة هو المعتصم بالله

بعد وفاة المأمون سنة 218هـ/833م، انتقلت الخلافة إلى أخيه أبي إسحاق محمد المعتصم بالله. وكان المعتصم مختلفًا عن المأمون في شخصيته واهتماماته.

فالمأمون كان مشهورًا بعلاقته بالعلم والعلماء والفكر والترجمة والمناظرات. أما المعتصم،فكان رجل دولة وجيش. وكان يعرف أن الإمبراطورية لا تُدار بالكتب وحدها. بل تحتاج إلى قوة عسكرية قادرة على إخضاع الثورات وحماية الحدود وإعادة فرض سلطة الخلافة.

وهنا بدأ المعتصم مشروعًا سيترك أثرًا عميقًا في تاريخ الدولة العباسية، إعادة بناء الجيش. لماذا احتاج المعتصم إلى جيش جديد؟

لم تكن الدولة العباسية في عصر المعتصم هادئة. كانت هناك اضطرابات وثورات في مناطق مختلفة. ومن أبرزها ثورة بابك الخرمي في أذربيجان، التي استمرت سنوات طويلة وأصبحت من أخطر التحديات التي واجهت الدولة العباسية.

وكان القضاء على بابك يحتاج إلى جيش منظم وقائد قادر على خوض حرب طويلة ومعقدة.

وقد استطاع القائد العباسي الأفشين أن يؤدي دورًا بارزًا في مواجهة بابك حتى انتهت ثورته وأُسر سنة 222هـ/837م، ثم أُعدم في سامراء بعد ذلك بسنوات.

لكن المعتصم لم يكن ينظر إلى الجيش باعتباره وسيلة لمواجهة بابك فقط. كان يفكر أبعد من ذلك. كان يريد قوة عسكرية تكون مرتبطة به مباشرة، وتستطيع تنفيذ أوامره دون أن تصبح رهينة للصراعات بين العناصر العسكرية القديمة.

وهنا بدأ الاعتماد المتزايد على الجند الأتراك وغيرهم من العناصر العسكرية القادمة من مناطق آسيا الوسطى. وكان لهذه الخطوة أثر بالغ في تاريخ الخلافة.

فالمعتصم صنع قوة ساعدته على تثبيت الدولة،لكنها كانت ستصبح بعده واحدة من القوى التي ستؤثر في اختيار الخلفاء أنفسهم.

وهنا تبدأ المفارقة.

الخليفة صنع الجيش ليحمي سلطته، لكن خلفاءه سيكتشفون أن الجيش أصبح يملك من القوة ما يجعله شريكًا في السلطة. سامراء، عندما غادرت الخلافة بغداد مع تزايد أعداد الجند الأتراك وتنامي حضورهم العسكري، ظهرت مشكلة داخل بغداد نفسها.

كانت العلاقة بين السكان وبعض عناصر الجيش تتوتر. فالجند كانوا قوة جديدة، وأعدادهم كبيرة، ووجودهم داخل العاصمة أصبح يسبب احتكاكات واضطرابات.

وهنا اتخذ المعتصم قرارًا تاريخيًا. قرر إنشاء عاصمة جديدة. فانتقل مركز الخلافة إلى سامراء سنة 221هـ/836م تقريبًا.

وهكذا ترك الخليفة بغداد. لكن بغداد لم تفقد أهميتها. ظلت المدينة قلبًا اقتصاديًا وثقافيًا مهمًا.

أما الخلافة،فبدأت مرحلة جديدة. ومن هنا أصبح لدينا مشهد غريب: العاصمة القديمة في بغداد، والعاصمة الجديدة في سامراء. لكن الانتقال لم يكن مجرد تغيير مكان.

لقد كان انعكاسًا لتغير أعمق في طبيعة الدولة. فالجيش أصبح له مركزه. والخليفة أصبح أقرب إلى القوة العسكرية.

وبدأت بغداد تفقد شيئًا من موقعها السياسي المباشر. المعتصم في مواجهة البيزنطيين لم يكن المعتصم منشغلًا بالداخل فقط. فالحدود البيزنطية كانت تمثل خطرًا دائمًا.

وفي سنة 223هـ/838م قاد المعتصم حملة كبرى ضد الإمبراطورية البيزنطية.

وكانت عمورية الهدف الأبرز. وكانت عمورية من أهم المدن البيزنطية، وترتبط بأسرة الإمبراطور البيزنطي ثيوفيلوس. وانتهت الحملة بفتح المدينة بعد حصار ومعارك عنيفة.

وكان فتح عمورية من أشهر الانتصارات العسكرية في عهد المعتصم. وقد خلّد الشعراء هذه الحملة، ومن أشهر ما ارتبط بها قصيدة أبي تمام. السيف أصدق أنباءً من الكتب فلم يكن فتح عمورية مجرد انتصار عسكري. بل كان رسالة إلى الداخل والخارج.

الخلافة العباسية ما زالت قادرة على الهجوم.

وكان المعتصم يريد أن يثبت أن بغداد، أو بالأحرى الخلافة التي انتقلت إلى سامراء، لا تزال قوة كبرى. لكن خلف هذا الانتصار العسكري كانت بذور مشكلة أكبر تنمو. فالقوة العسكرية التي اعتمد عليها المعتصم أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ومع مرور السنوات سيصبح السؤال من يحكم الخليفة؟ سؤالًا أخطر من من هو الخليفة؟ بعد المعتصم بدأ التوازن يختل توفي المعتصم سنة 227هـ/842م. وخلفه ابنه الواثق بالله.

وكان الواثق أقرب إلى أجواء أبيه في الاهتمام بالإدارة والجيش، لكنه لم يحكم طويلًا. ففي سنة 232هـ/847م توفي الواثق. وهنا وصل إلى الخلافة رجل سيحاول إعادة بناء هيبة الدولة العباسية بطريقة مختلفة.

المتوكل على الله

كان المتوكل شخصية قوية. وفي عهده حدث تحول ديني وسياسي مهم.

فقد أنهى سياسة المحنة التي ارتبطت بالمأمون والمعتصم والواثق، وأعاد التأكيد على الموقف السني التقليدي في مسائل العقيدة، وأطلق سراح بعض العلماء الذين تعرضوا للاضطهاد في زمن المحنة.

وكان هذا القرار مهمًا جدًا في إعادة تشكيل العلاقة بين الخلافة والمجتمع.

لكن المتوكل كان يواجه مشكلة أخرى:

الجيش.

فالجيش الذي أصبح قويًا في عهد المعتصم لم يعد مجرد أداة تنفيذ. لقد أصبح له نفوذ سياسي. وكان المتوكل يريد أن يستعيد للخليفة مساحة أكبر من الاستقلال.

وهنا بدأ الصدام. عندما أصبح الخليفة يخشى رجاله كان المتوكل يدرك أن قوة القادة العسكريين أصبحت تهدد سلطته.

ولهذا حاول تقليل نفوذ بعضهم، وتغيير مراكز القوة، وإعادة تنظيم العلاقة بين الخليفة والجيش. لكن السياسة في الدولة العباسية أصبحت شديدة التعقيد.

فالخليفة لا يستطيع الاستغناء عن الجيش. وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن يسمح للجيش بأن يصبح صاحب القرار. وكانت هذه المعادلة الصعبة ستنفجر بصورة مأساوية.

ففي سنة 247هـ/861م قُتل المتوكل في سامراء في مؤامرة شارك فيها عدد من القادة والجند، وكان من أبرز المتهمين ابنه المنتصر.

وهنا دخلت الخلافة العباسية مرحلة جديدة. مرحلة سيعرفها المؤرخون باسم: سامراء الفوضى. وفيها أصبح الخلفاء يتعاقبون بسرعة، وأصبح نفوذ القادة العسكريين بالغًا.

وهكذا بدأت الدولة تنتقل من مرحلة الخليفة الذي يملك الجيش إلى مرحلة الجيش الذي يستطيع أن يفرض الخليفة.

وهذه ليست مجرد مشكلة داخل القصر. إنها بداية تحول كبير في تاريخ الخلافة العباسية. فمنذ هذه اللحظة، لن يكون الصراع على السلطة بين الخلفاء والأمراء فقط. بل ستدخل فيه الجيوش والقادة والوزراء والأقاليم المستقلة. وستبدأ بغداد في الابتعاد عن مركز القرار السياسي شيئًا فشيئًا،لكنها لن تبتعد عن قلب التاريخ.

بل ستعود إليها الأحداث مرة أخرى. وبقوة.

فما حدث في سامراء لم يكن نهاية بغداد،بل كان بداية الطريق الطويل الذي سيقود الخلافة إلى مرحلة جديدة من الضعف، ثم إلى عودة بغداد، ثم إلى ظهور قوى جديدة ستسيطر على القرار العباسي دون أن تلغي الخلافة نفسها.

ومن هنا سنرى كيف تحولت الخلافة من دولة يحكمها الخليفة إلى دولة يتقاسم النفوذ فيها الخليفة والجيش والقادة والأقاليم.

حين أصبح الخليفة أسيرًا للقوة التي صنعها لم يكن مقتل المتوكل سنة 247هـ/861م مجرد حادثة اغتيال داخل القصر. كان إعلانًا عن تغير قواعد اللعبة. فالرجل الذي جلس على عرش العباسيين لم يعد يملك وحده قرار اختيار من يخلفه.

والقائد العسكري الذي كان ينتظر أمر الخليفة،أصبح قادرًا على صناعة الأمر نفسه. وهكذا بدأت واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في التاريخ العباسي.

فخلال سنوات قليلة تعاقب على الخلافة عدد من الخلفاء، وسقط بعضهم بالخلع أو القتل، وأصبحت سامراء مسرحًا لصراع القادة والجند.

وكانت الخلافة لا تزال موجودة لكن السؤال أصبح من يحكم باسم الخليفة؟ المنتصر خليفة في ظل السيوف بعد مقتل المتوكل، تولى ابنه المنتصر بالله الخلافة. لكن حكمه لم يدم طويلًا. كان المنتصر على خلاف مع أبيه، وقد اتُهم بالاشتراك في المؤامرة التي أدت إلى مقتله. ولم يكن أمامه وقت طويل لإعادة ترتيب الدولة.

فقد توفي سنة 248هـ/862م. ومع وفاته، ظهر الفراغ.

وهنا بدأ القادة العسكريون يلعبون دورًا أكبر في اختيار الخليفة. لم تعد الخلافة تنتقل بالهدوء الذي عرفته بغداد في عصورها الأولى. بل أصبحت مرتبطة بموازين القوة داخل سامراء.

المستعين بالله، والخلافة التي حاصرها الجيش بعد وفاة المنتصر، تولى المستعين بالله. لكن القادة العسكريين لم يكونوا على قلب رجل واحد. وسرعان ما ظهرت الخلافات.

وأصبح المستعين في مواجهة مباشرة مع القوى التي كان يفترض أن تحمي عرشه. ثم حدث ما يكشف حجم الأزمة.

خرج المستعين من سامراء إلى بغداد.

وكان يريد أن يجعل من بغداد مركزًا لمقاومة نفوذ القادة العسكريين في سامراء.

وهنا عاد اسم بغداد إلى المشهد.

فالعاصمة القديمة لم تعد مجرد مدينة تجارية وثقافية.

لقد أصبحت مرة أخرى ملجأ الخليفة في صراعه مع الجيش.

لكن القادة لم يتركوه.

وحاصروا بغداد.

وكان الحصار شديدًا، واضطر أهل المدينة إلى تحمل أعباء القتال.

وبعد صراع طويل، اضطر المستعين إلى التنازل عن الخلافة.

ثم قُتل بعد ذلك.

وهنا ظهر وجه جديد للدولة العباسية

الخليفة يمكن أن يحتمي بالمدينة، لكن الجيش يستطيع أن يحاصر المدينة نفسها.

المعتز الخليفة الذي دفع ثمن الصراع

جاء المعتز بالله إلى الخلافة سنة 252هـ/866م.

وكانت الدولة في أزمة مالية وعسكرية.

فالجند يريدون أرزاقهم.

والخزانة تعاني.

والأقاليم بدأت تزداد استقلالًا.

والقادة العسكريون يتصارعون فيما بينهم.

وكان المعتز يريد التخلص من بعض كبار القادة الذين أصبح نفوذهم يهدد سلطته.

لكن المشكلة أن الخلافة لم تعد تملك المال الكافي حتى لإرضاء الجيش.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

فالجيوش لا تعيش على الشرعية وحدها.

بل تحتاج إلى رواتب وإمدادات.

وعندما عجزت الخزانة عن توفيرها.

بدأ الجيش نفسه ينقلب على الخليفة.

وانتهى الأمر بخلع المعتز سنة 255هـ/869م.

ثم مات بعد ذلك بوقت قصير.

وهكذا أصبح واضحًا أن الدولة لا تعاني فقط من مشكلة سياسية.

بل من أزمة مالية عميقة.

لماذا كان المال مهمًا إلى هذه الدرجة؟

لأن الدولة العباسية كانت إمبراطورية هائلة.

وكانت تحتاج إلى موارد ضخمة

الجيش يحتاج إلى الرواتب.

الحصون تحتاج إلى التمويل.

الإدارة تحتاج إلى المال.

الطرق تحتاج إلى الحماية.

والبريد يحتاج إلى شبكة واسعة.

والخليفة يحتاج إلى الحفاظ على ولاء الأقاليم.

لكن عندما بدأت بعض المناطق تتمتع باستقلال أكبر، انخفضت قدرة بغداد على تحصيل الإيرادات.

ومع ضعف الخزانة،ضعفت قدرة الخليفة على التحكم في الجيش.

وهنا ظهرت دائرة خطيرة.

ضعف المال ، ضعف الجيش ، ضعف السلطة المركزية ، استقلال الأقاليم ، انخفاض الإيرادات ، مزيد من الضعف.

وبدأت الخلافة تدخل مرحلة يصعب فيها الخروج من أزمتها.

المهتدي بالله، محاولة أخيرة

بعد المعتز، جاء المهتدي بالله سنة 255هـ/869م.

وكان مختلفًا عن عدد من خلفاء سامراء.

أراد أن يعيد للخلافة شيئًا من الهيبة، وأن يقاوم فساد القادة، وأن يخفف من نفوذ الجيش.

لكن الظروف كانت أقوى.

وكانت الدولة تواجه في الوقت نفسه ثورة ضخمة في جنوب العراق.

ثورة الزنج.

وقد شكلت هذه الثورة خطرًا بالغًا على الدولة العباسية، واستنزفت مواردها وجيوشها لسنوات.

وفي الوقت نفسه، كانت الخلافات داخل سامراء مستمرة.

وانتهى حكم المهتدي بالقتل سنة 256هـ/870م.

وبذلك أصبح واضحًا أن محاولة الخليفة أن يحكم دون رضا القوة العسكرية أصبحت مغامرة شديدة الخطورة.

المعتمد، والخليفة الذي وجد مخرجًا من سامراء

ثم جاء المعتمد على الله سنة 256هـ/870م.

وهنا بدأت صفحة جديدة.

فقد كان واضحًا أن سامراء أصبحت مصدرًا دائمًا للاضطرابات.

وكان لا بد من تغيير مركز الثقل.

ومن هنا بدأ الطريق نحو:

عودة الخلافة إلى بغداد.

وكان لهذا التحول أثر كبير.

فبغداد كانت مختلفة.

مدينة ضخمة.

مركز اقتصادي.

مركز ثقافي.

وقلب رمزي للدولة العباسية.

لكن العودة لم تكن تعني أن الخلافة استعادت قوتها القديمة.

فالمشكلة لم تكن في الجغرافيا وحدها.

كانت المشكلة في القوة.

ومن هنا برز رجل سيكون له أثر هائل في إنقاذ الدولة العباسية من أخطر أزماتها.

الموفق بالله

لم يكن الموفق خليفة.

لكن نفوذه السياسي والعسكري أصبح أقوى من نفوذ الخليفة نفسه في كثير من الأحيان.

وقد لعب الدور الأبرز في إدارة الدولة ومواجهة الثورات، وخاصة ثورة الزنج.

وكانت هذه الثورة قد أصبحت خطرًا حقيقيًا على العراق.

استولى الزنج على مناطق واسعة.

وهددوا طرق التجارة.

وأثروا في الاقتصاد.

ووصل خطرهم إلى مناطق قريبة من البصرة.

لكن الموفق استطاع تنظيم الحرب ضدهم، وبدأ تدريجيًا في استعادة المناطق.

وفي النهاية سقط مركز الزنج سنة 270هـ/883م، وقُتل قائد الثورة علي بن محمد.

وكان هذا الانتصار نقطة تحول.

فالدولة العباسية أثبتت أنها ما زالت قادرة على استعادة المبادرة.

لكن المفارقة بقيت ،

من أنقذ الدولة لم يكن الخليفة، بل الرجل الذي يقود الجيش نيابة عنه.

بغداد تستعيد أنفاسها

مع تراجع الفوضى العسكرية في سامراء، بدأت بغداد تستعيد أهميتها.

وعادت إليها الحياة السياسية تدريجيًا.

لكنها لم تعد بغداد هارون الرشيد.

فالخلافة لم تعد تسيطر على كل الأقاليم كما كانت من قبل.

ظهر حكام محليون أقوياء.

وفي مصر والشام ظهر نفوذ الطولونيين.

وفي المشرق كانت قوى أخرى تستعد للصعود.

وفي مناطق بعيدة، بدأت الإمارات المستقلة تتعامل مع بغداد بقدر أكبر من الاستقلال.

وهكذا أصبحت الخلافة العباسية تحتفظ بشيء بالغ الأهمية

الشرعية.

لكنها بدأت تفقد شيئًا آخر.

السلطة الفعلية على جميع أقاليم الدولة.

وهذا الفرق سيكون جوهريًا في تاريخ الخلافة.

فقد يستطيع الخليفة أن يكون صاحب الشرعية،بينما يكون غيره صاحب الجيش.

وقد يكون اسمه على المنابر،بينما تكون القرارات الحقيقية في أيدي أمراء وقادة آخرين.

وهنا بدأ عصر جديد.

من الخليفة إلى السلطان

لم تكن هذه الكلمة قد اكتسبت بعد معناها الذي ستعرفه في القرون اللاحقة، لكن الاتجاه التاريخي كان واضحًا .

الخليفة سيبقى رمزًا دينيًا وسياسيًا.

أما القوة التنفيذية والعسكرية فستنتقل تدريجيًا إلى رجال آخرين. وسيتطور هذا الأمر مع ظهور قوى جديدة. حتى يأتي يوم تدخل فيه قوة من خارج البيت العباسي إلى بغداد، وتفرض نفوذها على الخليفة. ثم يأتي بعد ذلك رجال آخرون.

وسيصل الأمر إلى مرحلة يصبح فيها الخليفة العباسي موجودًا،لكن الحكم الحقيقي بيد غيره. ومع ذلك، لا ينبغي أن نفهم هذه المرحلة باعتبارها نهاية فورية للدولة العباسية.

فالدولة ستنجو. بل ستدخل مرحلة طويلة من التحول. وستظهر شخصيات عظيمة. وسيعود بعض الخلفاء إلى محاولة استعادة السلطة. وستشهد بغداد عصورًا جديدة من الازدهار والصراع.

لكن الخلافة لن تعود أبدًا إلى صورتها الأولى. لأن البذرة التي زرعها المعتصم عندما أعاد تشكيل الجيش أصبحت شجرة ضخمة. الجيش أصبح قوة سياسية. ثم أصبح القائد العسكري شريكًا في الحكم. ثم أصبح قادرًا على خلع الخليفة. ثم بدأت الأقاليم تنفصل.

وهكذا تحولت الخلافة من دولة مركزية قوية إلى دولة تحتفظ بالاسم والشرعية، بينما تتوزع القوة حولها. لكن أخطر تحول لم يأت بعد. ففي الشرق كان هناك قوم صاعدون. أصحاب جيوش قوية. وسوف يصل نفوذهم إلى بغداد نفسها.

وفي سنة 334هـ/945م، سيدخل رجال جدد إلى عاصمة العباسيين. لن يخلعوا الخليفة. بل سيفعلون شيئًا أكثر دهاءً. سيُبقونه على العرش ويأخذون الحكم من خلفه.

وكان هؤلاء ، البويهيون

ومن هنا تبدأ قصة أخرى .

حين دخلت القوة الفارسية بغداد وبقي الخليفة العباسي على العرش بلا سلطة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى