مقالات

نظرية صراع الحضارات وكيف كذب هنتنجتون على العالم, بقلم / عادل شلبي

نظرية صراع الحضارات وكيف كذب هنتنجتون على العالم

 

بقلم / عادل شلبي
 
المقال الثاني من سلسلة نظريات السيطرة الاستراتيجية

بعد أن انتهت الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي سنة 1991، وقف الغرب حائرا: من هو العدو القادم ؟

كانوا قد قضوا 50 سنة يحاربون الشيوعية، فجأة لم يعد هناك شيوعية. هل ينتهي التاريخ كما قال فوكوياما ؟ هل تعيش أمريكا بلا عدو ؟

مستحيل.. لأن المصانع الحربية الأمريكية تحتاج إلى عدو دائم.

هنا ظهر رجل اسمه صموئيل هنتنجتون، أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد، ليقدم للبنتاغون خدمة العمر.

ما هي النظرية ؟

سنة 1993 نشر هنتنجتون مقالا في مجلة Foreign Affairs بعنوان “صدام الحضارات ؟” ثم حوله إلى كتاب سنة 1996 بعنوان “صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي”.

قال هنتنجتون : انتهى عصر صراع الأيديولوجيات – رأسمالية ضد شيوعية – وبدأ عصر جديد هو *صراع الحضارات.

وقال : العالم مقسم إلى 7 أو 8 حضارات كبرى لا يمكن أن تتعايش :

1. الحضارة الغربية (أمريكا وأوروبا)
2. الحضارة الكونفوشيوسية (الصين)
3. الحضارة اليابانية
4. الحضارة الإسلامية
5. الحضارة الهندوسية (الهند)
6. الحضارة السلافية الأرثوذكسية (روسيا)
7. الحضارة اللاتينية (أمريكا الجنوبية)
8. الحضارة الأفريقية

وقال : أخطر خطوط التماس والصدام في المستقبل ستكون بين الغرب من جهة، وبين الإسلام والصين من جهة أخرى. وسمى هذا التحالف “الارتباط الكونفوشيوسي الإسلامي”.

لماذا قلنا إنه كذب على العالم ؟

لثلاثة أسباب كشفها التاريخ :

أولآ : هو لم يخترع النظرية، بل سرقها من مستشرق خبيث اسمه برنارد لويس.

برنارد لويس هو من قال سنة 1990 عبارة “صدام الحضارات” لأول مرة، وكان مستشارا للمخابرات الأمريكية والكيان الصهيوني. هنتنجتون أخذ الفكرة وزينها بأكاديمية هارفارد.

ثانيا : النظرية كانت أمر عمليات حربي، وليست بحثا علميا.

بعد نشر النظرية بسنتين فقط، بدأ تطبيقها :

حرب البوسنة والهرسك ضد المسلمين 1995
حصار العراق وتجويعه
أحداث 11 سبتمبر 2001 ثم احتلال أفغانستان والعراق بحجة محاربة الحضارة الإسلامية
حصار الصين اقتصاديا وتكنولوجيا
اليوم : ما يحدث في غزة هو تطبيق حرفي لنظرية صدام الحضارات : الغرب كله يسلح الكيان الصهيوني لضرب الحضارة الإسلامية

يعني النظرية لم تتنبأ بالمستقبل، بل هي التي صنعت المستقبل.

ثالثا : الحضارة الإسلامية ليست حضارة صدام، بل حضارة سلام.

هنتنجتون وصف الإسلام بأنه “حضارة دموية حدودها ملطخة بالدماء”. وهذا كذب. لأن الحضارة الإسلامية عندما حكمت الأندلس 800 سنة، لم تجبر أحدا على الإسلام، بل بنت حضارة للجميع. وعندما حكم العثمانيون، حموا اليهود من محاكم التفتيش في أوروبا.

فمن هو الدموي إذن ؟ من أباد الهنود الحمر؟ ومن ألقى القنبلة الذرية ؟ ومن دمر غزة عن بكرة أبيها ؟

الحقيقة التي أخفاها هنتنجتون :

أن الصراع الحقيقي ليس بين الحضارات، بل بين حضارة تريد أن تسيطر، وحضارات تريد أن تتحرر.

الغرب يريد أن يفرض حضارة واحدة على العالم: حضارة السوق والفردانية والشذوذ. وكل من يرفض، يصبح عدوا حضاريا.

ولذلك، عندما جاءت روسيا والصين ومصر والهند لتقول في قمة روسيا أفريقيا 2026: نريد عالم متعدد الأقطاب، يحترم كل الحضارات، كان هذا هو الرد الحقيقي على هنتنجتون.

نحن لا نريد صدام حضارات، نحن نريد حوار حضارات أساسه احترام الجغرافيا والتاريخ، كما كتبنا في مقالنا الأول.

وفي المقال القادم: نظرية الفوضى الخلاقة.. كيف دمروا العراق وسوريا وليبيا باسم الديمقراطية.

عادل شلبي

زر الذهاب إلى الأعلى