هل ستكون الحرب الأمريكية الإيرانية نووية؟
عشرة أيام قد تغير وجه المنطقة
بقلم: الكاتب ياسر وزيري
أكتب وأنا أتابع، مثل ملايين المصريين، نشرات الأخبار التي لا تهدأ. سؤال واحد يتكرر في البيوت والمقاهي وعلى شاشات الهواتف: هل ستقع الحرب التي يهدد بها ترامب؟ وهل ستكون نووية؟ وماذا سيحدث لنا إن وقعت؟
لا أملك إجابة جاهزة، ولا أريد أن أخيف أحدا ولا أن أطمئنه بكلام فارغ. ما أملكه هو ما قيل فعلا، وما نفي فعلا، وسأضعه أمام القارئ كما هو، ثم أقول رأيي في النهاية.
ماذا قال ترامب؟
اختلطت ثلاثة أمور على الناس في يومين، ولا بد من فصلها.
قال ترامب إن العالم سيعرف خلال نحو عشرة أيام هل سيكون هناك اتفاق مع إيران أم عمل عسكري. لم يقل إن أمام إيران مهلة حتى يوم بعينه، ولم يعلن موعد حرب. قال إن القرار سيتضح خلال عشرة أيام أو خمسة عشر يوما على الأكثر. هذا كلام تفاوض، لا إعلان حرب.
وتحدثت تقارير صحفية عن يوم التاسع من نوفمبر، وقالت إن فيه قمرا جديدا، أي ظلاما يناسب العمليات، وإن ترامب اجتمع يوم الخامس من نوفمبر مع فريق الأمن القومي لأول مرة بعد انتخابات التجديد النصفي، وإنه لم يقرر بعد. التاسع من نوفمبر إذن نافذة محتملة تحدثت عنها التقارير، وليس قرارا معلنا.
أما الضجة حول النووي، فلم تأت من ترامب. جاءت من المعلق الأمريكي تاكر كارلسون، الذي قال إن إدارة ترامب قد تكون على بعد أيام من ضربة نووية ضد موقع بيكاكس ماونتن، وإن القرار قد يتخذ بحلول السابع من نوفمبر، وإن نتنياهو يضغط. انتشر الكلام، لكنه لم يتأكد من أي مصدر رسمي. ورد البيت الأبيض بأن كارلسون لا يطلع على التخطيط العسكري ولا على تفكير الرئيس، وأن لدى ترامب خيارات كثيرة.
التهديد بضربة جديدة حقيقي. التهديد النووي تحديدا غير مؤكد. هذا هو الفرق الذي يجب أن نتمسك به.
ماذا قال ترامب نفسه عن النووي؟
هنا بيت القصيد، لأن صاحب القرار هو الذي يتكلم.
في أبريل 2026 قال ترامب إنه يرفض استخدام السلاح النووي ضد إيران، وإن الأسلحة التقليدية الأمريكية ألحقت ضررا كبيرا من دون حاجة إلى النووي، وإن الأسلحة النووية يجب ألا تستخدمها أي دولة.
وفي الحادي والثلاثين من أغسطس، سئل عن ضربة نووية، فقال إن استخدام النووي ضد خصم ضعيف أصلا لا معنى له.
وفي السادس عشر من أكتوبر، في مقابلة مع نيوزماكس، قال إنه قد يحتاج إلى ضرب بيكاكس ماونتن لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنه استبعد صراحة استخدام قنبلة نووية، وقال إن الخيارات التقليدية كافية.
وفي المقابل، قال يومي الخامس والسادس من نوفمبر كلاما مخيفا: أفضل ألا أدمر بقية البلد، لكن ربما سأضطر، وستعرفون قريبا.
ترامب إذن يهدد بتدمير تقليدي واسع، ولا يهدد بنووي. من يقول نووي هو معلق، وليس الرئيس.
هل تستطيع أمريكا أن تضرب نوويا؟ وهل تحتاج إلى ذلك؟
تستطيع. هذه حقيقة عسكرية لا يمكن إنكارها. لديها القنبلة بي 61-11، وهي القنبلة النووية الوحيدة المصممة لاختراق الأرض، وتقدر قوتها بين 340 و400 كيلوطن، أي نحو 25 مرة قنبلة هيروشيما.
لكن السؤال الأهم: هل ستصل هذه القنبلة إلى الموقع؟
موقع بيكاكس ماونتن محفور في الجرانيت على عمق لا يقل عن مئة متر. وتقول الدراسات إن القنبلة النووية الخارقة للتحصينات تخترق الأرض أمتارا قليلة فقط، وليس مئة متر. وقالت دراسة الأكاديمية الوطنية الأمريكية سنة 2005 إنه حتى لو انفجرت على عمق ثلاثة أمتار، فلن تحتوي الإشعاع بالكامل، وستخرج مواد مشعة إلى السطح.
النووي هنا ليس حلا سحريا. سيحدث تلوثا إشعاعيا قد يصل إلى مسافة 300 كيلومتر في اتجاه الرياح، وقد يطال العراق والكويت والسعودية وقطر والإمارات وعمان وتركيا وأذربيجان.
أما البديل التقليدي فموجود. قنبلة جي بي يو-57 الخارقة للتحصينات، التي استخدمتها أمريكا في يونيو 2025 ضد فوردو ونطنز، اثنتا عشرة قنبلة على فوردو واثنتان على نطنز.
أمريكا تستطيع أن تضرب نوويا، لكنها ليست في حاجة إليه عسكريا، وستدفع ثمنه سياسيا وبيئيا أكثر بكثير من فائدته.
لماذا يهدد ترامب الآن؟
خرج ترامب للتو من انتخابات التجديد النصفي يوم الثالث من نوفمبر، التي خسر فيها حزبه خسارة كبيرة، واعترف هو نفسه بأن الحرب كانت جزءا من سبب الخسارة. وفي الوقت نفسه، هناك انقسام داخل إدارته. وزير الحرب بيت هيجسيث يدفع إلى ضربات جديدة، ونائب الرئيس جي دي فانس يدفع إلى اتفاق. وقطر تتوسط، وإيران أرسلت مقترحا عن طريق قطر، لكنها وضعت سبعة شروط، منها رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة وتعويضات حرب، وربطت فتح هرمز بتنفيذ هذه الشروط.
ترامب يستخدم التهديد ورقة ضغط في التفاوض. هذا هو التفسير الأقرب للعقل.
إن وقعت الحرب، هل ستكون نووية أم تقليدية؟
أرى أن الاحتمال الأكبر هو ضربة تقليدية محدودة أو متوسطة، وليست نووية.
ترامب استبعد النووي بنفسه أكثر من مرة، وآخرها في أكتوبر. والنووي سيكسر محرما دوليا منذ سنة 1945، وسيجعل أمريكا تخسر حلفاءها قبل أعدائها، وسيفتح باب انتشار نووي في كل العالم. والنووي لن يضمن تدمير بيكاكس ماونتن، لكنه سيضمن تلوثا إشعاعيا في الخليج، وهذا سيضر حلفاء أمريكا أنفسهم.
السيناريو النووي هو الأقل احتمالا، لكنه ليس صفرا. وهذا ما يجعله خطرا حقيقيا يجب أن نأخذه بجدية.
وماذا عن الرد الإيراني؟
هذا هو السؤال الذي لا يقل أهمية عن الضربة نفسها. لأن الضربة، إن وقعت، لن تكون نهاية القصة، بل بدايتها. وإيران لا تخفي ما ستفعله، بل تعلنه كل يوم.
في السابع من نوفمبر، قال المتحدث باسم الجيش الإيراني، العميد محمد أكرمينيا، إن أي هجوم أمريكي جديد سيواجه برد فوري، وبأمر من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، وإن قوات إيران أصبحت أقوى وأكثر استعدادا مما كانت عليه عندما بدأت الحرب في الثامن والعشرين من فبراير.
والأخطر في كلامه أن الرد سيكون بلا حدود جغرافية، وأن إيران مستعدة لاستهداف القواعد والمصالح الأمريكية خارج الشرق الأوسط نفسه، وليس فقط داخل الخليج.
وفي الثالث من نوفمبر، قال المسؤولون الإيرانيون نفس الرسالة لوكالة رويترز: سنرد بقوة على أي ضربة أمريكية جديدة، ونحن بعيدون عن التوصل إلى اتفاق.
وما فعلته إيران في المرة الماضية هو الدليل. عندما بدأت أمريكا وإسرائيل الحرب في الثامن والعشرين من فبراير 2026، لم تنتظر إيران. في أقل من ثلاث ساعات، ردت بضربات صاروخية ومسيرات على إسرائيل، وعلى القواعد الأمريكية في دول الخليج. ضربت قاعدة العديد الجوية في قطر، وقاعدة علي السالم في الكويت، وقاعدة الظفرة في الإمارات، ومقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين.
وتقول تقارير إن إيران نفذت منذ بداية الحرب ما لا يقل عن 135 هجمة بمسيرات وصواريخ على ما لا يقل عن 84 موقعا للبنية التحتية في الخليج، في السعودية والإمارات والعراق وقطر والكويت وعمان والبحرين. إيران إذن لا تفرق بين القاعدة الأمريكية والدولة التي تستضيفها.
والرد القادم، إن وقعت ضربة جديدة، له خمسة وجوه على الأرجح.
الوجه الأول: ضرب القواعد الأمريكية في الخليج. هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحا، لأنه حدث فعلا، ولأن إيران تمتلك صواريخ باليستية متوسطة المدى من 1500 إلى 2000 كيلومتر، مثل شهاب-3 وعماد وغدر وخيبر شكن، وهي قادرة على الوصول إلى كل قواعد الخليج في دقائق. وستكون الضربة هذه المرة، حسب تهديد طهران، أوسع من المرات السابقة وطويلة ومؤلمة.
الوجه الثاني: ضرب إسرائيل مباشرة. إيران تعتبر إسرائيل شريكا في أي ضربة أمريكية، وسبق أن ضربتها بموجات صاروخية كبيرة.
الوجه الثالث: إغلاق هرمز، وإغلاق باب المندب. إيران تقول إن مضيق هرمز سيبقى مغلقا حتى تقبل أمريكا شروطها السبعة. وهذا وحده يرفع أسعار النفط والغاز في العالم كله. لكن الأخطر أن إيران طلبت من الحوثيين، حسب ما نقلته رويترز في السادس عشر من يوليو عن ثلاثة مصادر، أن يكونوا جاهزين لإغلاق باب المندب، بوابة البحر الأحمر، إذا ضربت أمريكا البنية التحتية للطاقة في إيران. والحوثيون قالوا في السابع والعشرين من مارس إن أصابعهم على الزناد للتدخل العسكري المباشر، إذا استخدم البحر الأحمر لشن هجمات على إيران. أي أن الرد قد يكون هرمز مغلقا من إيران، وباب المندب مغلقا من الحوثيين، فيتوقف شريانان للطاقة والتجارة في العالم في وقت واحد.
الوجه الرابع: ضرب البنية التحتية للطاقة في الخليج. في المرات السابقة، لم تكتف إيران بضرب القواعد، بل ضربت منشآت طاقة وبنية تحتية في دول الخليج التي تستضيف القواعد الأمريكية. وهذا هو السيناريو الذي يخيف أسواق النفط أكثر من أي سيناريو آخر، لأنه يعني أن النفط نفسه سيصبح هدفا، وليس فقط القواعد.
الوجه الخامس: الخروج من معاهدة حظر الانتشار النووي. هدد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، بأن إيران قد تعيد النظر في عضويتها في المعاهدة إذا اندلعت حرب جديدة. وهذا يعني أن الضربة التي تهدف إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي، قد تدفع إيران إلى الخروج من كل القيود الدولية، والعمل علنا على برنامجها النووي. النتيجة قد تكون عكس هدف الضربة تماما.
لماذا قد يكون الرد هذه المرة أخطر؟ لأن إيران تقول إنها تعلمت من الحرب الأولى، وأصبحت أكثر استعدادا. ولأنها لم تعد ترد على أمريكا وحدها، بل ترد على منظومة كاملة: أمريكا وإسرائيل والدول التي تستضيف القواعد. ولأنها تربط الرد بالتفاوض: لا فتح لهرمز، ولا تهدئة، إلا إذا تحققت شروطها السبعة.
أي ضربة أمريكية، حتى لو كانت تقليدية ومحدودة، قد تتحول إلى حرب إقليمية مفتوحة، لأن الرد الإيراني لن يكون رمزيا، بل سيكون واسعا، وسيطال القواعد والطاقة والملاحة معا.
ماذا سيحدث للعالم كله إن وقعت الحرب؟
هذه الحرب لو وقعت لن تكون حربا بين دولتين فقط، بل حربا على أسواق العالم كله.
النفط والغاز أول ما سيهتز. مضيق هرمز يمر منه نحو ربع تجارة النفط البحرية في العالم، نحو عشرين مليون برميل يوميا قبل الحرب. أي إغلاق أو اضطراب فيه سيرفع أسعار النفط والغاز في كل دول العالم، من أوروبا إلى آسيا إلى أمريكا نفسها. وارتفاع النفط يعني ارتفاع تكلفة النقل والصناعة والكهرباء في كل مكان.
والسلع الاستهلاكية والأسمدة هي الضربة التي تصل إلى كل بيت. الحرب عطلت نحو ثلاثين بالمئة من شحنات الأسمدة العالمية التي تمر من هرمز، ورفعت أسعار الغذاء العالمية إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات. والأسمدة الأغلى تعني زراعة أغلى، وقمحا وأرزا وزيتا أغلى في كل أسواق العالم.
والقمح والحبوب أزمة قديمة تعود. روسيا وأوكرانيا كانتا تصدرا نحو ثلث قمح العالم، والحرب الأوكرانية علمتنا أن أي اضطراب في البحر الأسود يرفع سعر الرغيف في كل مكان. فما بالك بحرب في الخليج تضرب معها الشحن والأسمدة والطاقة معا؟ القمح والشعير والذرة ستتأثر، والدول المستوردة للقمح، ومنها دول كثيرة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، ستدفع ثمنا أكبر لنفس الكمية.
والملاحة والتجارة ستتأثر فورا. أي تصعيد في الخليج ينعكس على البحر الأحمر وباب المندب. وعندما تتعطل الملاحة، تتهرب السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وتطول الرحلة، وترتفع تكلفة الشحن والتأمين، وتصل السلع إلى الأسواق متأخرة وأغلى. وهذا يضرب التجارة العالمية كلها، وليس دولة واحدة.
والسياحة والاستثمار يخافان من كلمة حرب، حتى لو كانت بعيدة عنهما. أي توتر كبير يجعل السياح يؤجلون، والمستثمرين يتريثون، وتتأثر دول المنطقة كلها، من الخليج إلى مصر إلى تركيا إلى الأردن.
ومصر جزء من هذا العالم، وليست جزيرة منعزلة. سنلمس التأثير كما يلمسه غيرنا: في أسعار الوقود والغاز، وفي أسعار السلع الاستهلاكية والقمح والزيت في السوق، وفي تكلفة الشحن والنقل، وفي حركة السياحة والملاحة في قناة السويس. فقد خسرت القناة نحو عشرة مليارات دولار من إيراداتها منذ بداية أزمة البحر الأحمر، ونزلت إيراداتها ثمانية وثلاثين بالمئة في الربع الأول من 2026. وفي مارس 2026، ارتفعت أسعار الوقود في مصر بين أربعة عشر وثلاثين بالمئة. هذه ليست أزمة مصرية وحدها، بل هي انعكاس لأزمة عالمية، لكننا نشعر بها في بيتنا مثلما يشعر بها المواطن في كل مكان.
أما الإشعاع، فالإجابة العلمية، بناء على بيانات هيئة الرقابة النووية والإشعاعية المصرية، أنه لا توجد أي زيادة في مستويات الإشعاع في مصر حتى الآن، وأن أنظمة الرصد تعمل على مدار الساعة في كل المحافظات. والمسافة بين مصر وبوشهر أكثر من 1800 كيلومتر، وبين مصر ونطنز أكثر من 2200 كيلومتر، وهذا يجعل وصول إشعاع مباشر إلى مصر غير مرجح جدا.
أقولها في النهاية بصراحة.
هل ستكون الحرب الأمريكية الإيرانية نووية؟ أرى أن الأرجح أنها ستكون تقليدية إن وقعت أصلا، والنووي احتمال ضعيف لكنه خطر حقيقي يجب أن نأخذه بجدية.
هل ستقع الحرب؟ التهديد حقيقي، والنافذة العسكرية موجودة، لكن التفاوض ما زال يعمل، وقطر تتوسط، وفانس يدفع إلى الاتفاق. نحن أمام عشرة أيام حاسمة، وليس أمام حرب محسومة.
وإن وقعت، فسيكون تأثيرها على العالم كله: نفط وغاز أغلى، وسلع استهلاكية أغلى، وقمح وحبوب أغلى، وملاحة أبطأ وأغلى، وسياحة واستثمار متردد.
والأهم أن أي ضربة لن تمر من دون رد إيراني واسع. إيران هددت برد فوري وبلا حدود جغرافية، يطال القواعد الأمريكية وإسرائيل والطاقة والملاحة. نحن لا نتحدث عن ضربة واحدة، بل عن سلسلة ضربات وردود قد تخرج عن السيطرة.
وأنا كمصري، أقولها بصراحة: لسنا نريد حربا، ولا نريد نوويا، ولا نريد أن نكون وقودا لحرب أحد آخر. نريد أن نعيش، وأن نأكل، وأن نعمل، وأن نربي أبناءنا في أمان. وأي حرب في الخليج، نووية أو تقليدية، هي حرب على لقمة عيش الناس في كل مكان، حتى لو لم تضرب رصاصة واحدة في أرضهم.








