ٱلذَّكاءُ الاصطناعيّ بينَ الكتَابَةِ، والجوائِزِ الأدبيَّة ، والنَّقْد ..
مقال / الشاعر هارون عمري – الجزائر
إنَّ فِعلَ الكتابةِ كِيانٌ مُوازٍ لِفِعلِ الحياةِ، فهو لا يَكتفي بكونِهِ انعكاسًا مُباشرًا لها، وإنّما أصبَحَ أسلوبَ حياةٍ في كثيرٍ من الأحيان، يَصنَعُها ويتحكَّمُ بها، خصوصًا مع تَفاقُمِ رافِدِ العُزلةِ والتِّكنُولُوجيا.
إنَّ هذه العُزلةَ ليستْ مِزاجًا تِلقائيًّا أو عابِرًا، بل هي صِفةٌ وُجوديّةٌ فُرِضَتْ على الإنسان، وأصبَحَتْ جُزءًا من كِيانِهِ المُتشَظِّي، خاصّةً مع الجيلِ الذي نَشَأَ في ظِلِّ هذهِ المَفاهيمِ التِّقنيّة.
فنحنُ نَعيشُ الآن في هذا المَناخِ الجديدِ الذي يَغيبُ فيه الصوتُ، ولا يَحضُرُ إلّا في شَكلِهِ الصّارِخِ والصّاخِبِ، وأكثرَ حِدّةً وانفِعاليّةً؛ وذلكَ انعكاسًا للصّمتِ الحادِّ والكَبتِ الذي يُخيِّمُ على المجالِسِ والهواجِسِ، وعلى آليّاتِ التّواصُلِ التي أصبَحَتْ أشبَهَ بالمُونُولُوجِ الدّاخلي، فلا يَكادُ يَخرُجُ الصوتُ من الذّاتِ إلّا وقد وَصَلَ صَداهُ إلى الآخَرِ وبلَغَ التّفاعُلَ.
وهنا علينا أن نطرَحَ سؤالًا مُهِمًّا: هل الموسيقى التي في النّصِّ المكتوبِ معنيّةٌ بالضّرورةِ بهذا الكَتْمِ وهذا القَتلِ الصّوتيِّ العام؟ وما مدى تأثُّرِها بالصّمت؟ وبِشَكلٍ آخَر يمكنُ أن نقول إنَّ الصوتَ انتقلَ من بُعدِهِ السّمعيِّ إلى بُعدِهِ البَصَري، خصوصًا مع فِعلِ القراءةِ والكتابة، إلى بُعدٍ آخَر، وهو البُعدُ الحِسّيُّ مع التِّكنُولُوجيا والـ«ميتافيرس».
يَزدادُ التَّطوُّرُ التِّقنيُّ يوميًّا مع عَدَمِ الانتباهِ لأثرِ هذا التّسارُعِ على الذّاتِ الإنسانيّة.
وفي اعتقادي، إنَّ الإشكالاتِ العامّةَ التي نَتَعرّضُ لها اليومَ ليستْ في الذّكاءِ الاصطناعيِّ بحدِّ ذاتِهِ، إنّما تَظهَرُ بوَضْعِهِ في الأوساطِ التي تَعيشُ حالةَ غباءٍ طبيعيٍّ، ويَكثُرُ فيها التّخلّفُ والفَراغُ، ولم يكنْ لها يَدٌ أو شراكةٌ في صناعةِ هذا التّطوّر، وبالتّالي لم تَتمكّنْ من إدراكِهِ؛ فهي تَرفُضُهُ بِحِدّةٍ أو تَنتَهِكُ مَعاييرَهُ الأخلاقيّةَ إذا استعملَتهُ بشدّة، ما عدا الأفراد الذينَ استطاعوا أن يَتفهّموا هذا الكائنَ الذي صارَ يملأُ الدُّنيا اليومَ، وواكَبوا هذا التّجاذُبَ الوجوديَّ بشكلٍ عقلانيّ ، وحينما نتحدّثُ عن الصناعةِ هنا، نقصدُ طريقةَ تفكيرٍ ودافعًا ذاتيًّا في التّعامُلِ مع الوجودِ وصِفةً مُكتَسَبَةً تدخلُ في ثقافةِ الشّعوبِ التي تَحترمُ ذواتِها وتَسعى نحو قيمتِها وقدرتِها.
هل الذّكاءُ الاصطناعيُّ خطرٌ يُهَدِّدُ الكتابةَ، أم يُطوِّرُها؟ لقد عرَفَ النّصُّ الشّعريُّ والأدبيُّ بشكلٍ عامٍّ تغيُّراتٍ في أساليبِ وطُرُقِ كتابتِهِ؛ هذا التّغيّرُ كان تأثُّرًا بالحياةِ اليوميّةِ منذ أوّلِ علاقةٍ للإنسانِ باللغةِ وأبعادِها، فكان الإنسانُ يَقولُ الشّعرَ من مَنطَلَقِ الصوتِ، كما ظَهَرَ الشّعرُ مع الحِداءِ أو طريقةِ حادي العيسِ عند العرب فيَقصِدُ في نَصِّهِ وفي مَشيِهِ، أو في المسرح اليوناني وغيرها من الأشكال … وما زالَ ثمّةُ مَن يَكتبُ بها إلى يومِنا هذا.
ثمَّ انتقلَ بعدها إلى الكتابةِ التي يَكونُ فيها التّعامُلُ مع بياضِ الورقةِ والخَربَشةِ وتَغييرِ المَساراتِ والنّصِّ المفتوحِ وحركةِ اليدِ والإيقاعِ البصريّ، وكذلك الكتابةُ الإلكترونيّةُ التي يَكونُ فيها المَحوُ آنِيًّا، مع الإشارةِ إلى عودةِ كتابةِ الشّعرِ من مَنطَلَقٍ صوتيٍّ مع التّطبيقاتِ التي تُتيحُ تحويلَ الصوتِ إلى كلامٍ مكتوبٍ.
ونحنُ الآن بصَدَدِ كتابةٍ جديدةٍ قد نُسمّيها الكتابةَ الذّكيّةَ، تأسيًا بالذّكاءِ الاصطناعيّ، أو الكتابةَ الاصطناعيّةَ، أو كتابةَ الذّكاءِ الاصطناعيِّ الشِّعريّة.
كلُّ هذه المصطلحاتِ قد نُطلِقَها على ما يُكتبُ اليومَ من نصوصٍ من خلالِ التّجاذُباتِ والحِواراتِ مع ChatGPT وغيرِه، فيُولَدُ النّصُّ في «غرفةٍ صناعيّة» لا نعلمُ أبعادَها وآلية توليدها للغة وما مدى تدخُّلِها في تَشكُّلِ النّصِّ.
وهذا ما يُحدِثُ رَجّةً كبيرةً ومَسوخًا في عالمِ الأدب؛ سيَظهَرُ شُعراءُ في كلِّ رُكنٍ وفي كلِّ زاويةٍ وخَلفَ كلِّ حسابٍ، لا يُمكنُ كَشفُهم بسهولة، وخاصّةً تحتَ مسمّى «قصيدةِ النّثر» و«الشّذرات» و«الهايكو»، نظرًا للعَجزِ الطّفيفِ لهذه البرامجِ التّقنيّةِ في التّحكُّمِ في الوزنِ ، وإن تَحكَّمَتْ في الوزنِ غابَ عنها النّحو، وإن غابَ عنها النّحوُ غابَ عنها المَنطِقُ في بناءِ البيت.
وستَكثُرُ الرّواياتُ بشكلٍ هستيري ومُبالَغٍ فيه، بمُعدّلِ روايةٍ كلَّ خمسة أشهرٍ أو أقلّ، وخاصّةً لدى الشّبابِ، نظرًا لقدرتِهم على التّحكُّمِ في هذه الوسائلِ مقارنةً بغيرِهم، وفي الجهةِ المُقابِلةِ، الأمْرُ مُستَهجَنٌ نحوهم، خاصّةً وأنّ العملَ الرّوائيَّ يَتطلّبُ تجربةً حياتيّةً تَقتَضي العُمرَ والخِبرةَ والبَحثَ والقِراءةَ، التي لا تكونُ إلّا بتراكماتٍ واحتراقاتٍ تحتاجُ إلى سنوات .
الكتابةُ الاصطناعيّةُ بين اعترافِ الجوائزِ العشوائيِّ وتخلّفِ النّقد
كثيرًا ما عالَجَ علماءُ الذّكاءِ الاصطناعيِّ هذا الأمْرَ، وقاموا بتجاربَ عن طريقِ إرسالِ لوحاتٍ تشكيليّةٍ من تَصميمِ الذّكاءِ الاصطناعيِّ إلى مسابقاتٍ فنّيّةٍ كما قرأت في أحد المقالات فنجحت لوحة الآلة في الأخير ، وفي دراسة تجريبية نُشرت عام 2021 بمجلة Computers in Human Behavior، أجرى الباحثان نيلس كوبيس ولوكا موسينك تجربة لقياس قدرة الناس على التمييز بين القصائد البشرية وتلك المولّدة بخوارزميةGPT-2 … ¹ ، استخدم الباحثان تصميماً مستوحى من اختبار تورينغ، وأضافا حوافز مالية لتحفيز الدقة ، شارك في التجربة أكثر من 800 شخص، حيث قُدّمت لهم أزواج من القصائد: إحداها مكتوبة بشريًّا (منها قصائد لمايا أنجيلو)، وأخرى من إنتاج الآلة، وطُلب منهم اختيار الأجمل ومحاولة تحديد أصل كل قصيدة ، وأظهرت النتائج أن المشاركين لم يستطيعوا التمييز بدقة بين القصائد، حتى مع الحوافز المالية، وكشفوا عن ميل طفيف لتفضيل القصائد البشرية، لكن هذا التفضيل لم يتأثر بمعرفتهم بأصل النصوص (شفافية مقابل غموض). أشارت الدراسة أيضًا إلى ظاهرة الثقة المفرطة؛ إذ ظن كثير من المشاركين أنهم قادرون على التمييز، بينما فشلوا في ذلك عمليًّا.
تبرز هذه النتائج قدرة الخوارزميات على إنتاج نصوص إبداعية يصعب فصلها عن الإبداع البشري، وتطرح تساؤلات جديدة حول مستقبل الكتابة والفن والأصالة في عصر الذكاء الاصطناعي ، وهذا مؤشِّرٌ مُهمٌّ يُعبِّرُ عن مدى خُطورَتِهِ وصُعوبةِ التّعامُلِ معه .
إِنْ كَانَ هذَا بِلُغَةٍ أُخْرَى، فَكَيْفَ بِهِ مَعَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ؟ وَقَدْ كَانَتْ لِي تَجْرِبَةٌ شَخْصِيَّةٌ مَعَ هذَا البَحْثِ حَوْلَ تَوْلِيدِهِ لِنُصُوصٍ بِالعَرَبِيَّةِ، فَمَا لاحَظْتُهُ قُدْرَتُهُ العَجِيبَةُ عَلَى خَلْقِ مَعَانٍ مُنْسَجِمَةٍ مَعَ عُمْقِ الدَّلَالَةِ، رَغْمَ عَبَثِيَّتِهِ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ.وَلَكِنْ، إِلَى حَدٍّ مَا، يُمْكِنُ اسْتِنْبَاطُ حُضُورِهِ فِي النَّصِّ الشِّعْرِيِّ مِنْ حَيْثُ البِنَاء، أَيْ بِنَاءُ النَّصِّ الإِبْدَاعِيِّ وَطَرِيقَةُ تَفْكِيرِهِ. فَهُوَ يَتَوَالَدُ بِشَكْلٍ عَقْلِيٍّ، وَإِنْ كَانَ يَظْهَرُ أَحْيَانًا بِشَكْلٍ شِعْرِيٍّ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّ عَنْ سِمَتِهِ الآلِيَّةِ فِي تَشْكِيلِ النَّصِّ.
وَأَيْضًا فِي اسْتِعْمَالِهِ لاِسْتِعَارَاتٍ مُكَرَّرَةٍ وَمُعَيَّنَةٍ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ مَعَانٍ خَاصَّةٍ، كَالتَّعْبِيرِ عَنِ التَّقَرُّرِ فِي النَّصِّ بِأَنَّهُ «اسْتِرَاحَةُ الذَّات» أَوْ «لَحْظَةُ صَفَاء» أَوْ «حَالَةُ اسْتِقْرَارٍ نَفْسِيٍّ»، وَأَيْضًا فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى بَعْضِ النُّصُوصِ الشِّعْرِيَّةِ بِعِبَارَاتٍ مِنْ قَبِيلِ «يُرَبِّتُ عَلَى كَتِفِ الوَجَعِ» أَوْ «كَتِفِ الحُزْنِ» وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ التَّعَابِيرِ المُكَرَّرَةِ.
وَقَدْ نَطْرَحُ تَسَاؤُلًا فِي هذَا الصَّدَدِ: هَلِ التَّكْرَارُ فِي هذِهِ الاِسْتِعَارَاتِ يُقَابِلُ التَّكْرَارَ الَّذِي يَحْدُثُ فِي النُّصُوصِ البَشَرِيَّةِ؟ بِاعْتِبَارِ أَنَّ تَطَوُّرَ الذَّكَاءِ الاِصْطِنَاعِيِّ مُرْتَبِطٌ فِي الأَسَاسِ بِالتَّطَوُّرِ البَشَرِيِّ، كَوْنَهُ قَائِمًا عَلَى فِعْلِ المُحَاكَاةِ.
إِنَّ هذِهِ الدَّلَالَاتِ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ تَوْلِيدَ اللُّغَةِ الشِّعْرِيَّةِ فِي الذَّكَاءِ الاِصْطِنَاعِيِّ مَا زَالَ مُغْلَقًا فِي نِهَايَتِهِ، إِلَى حَدٍّ مَا، فِي إِطَارٍ مُعَيَّنٍ مِنَ اللُّغَةِ، حَتَّى السَّاعَةِ. وَلَكِنَّهُ قَدْ يَصِيرُ أَكْثَرَ اِنْفِتَاحًا، قَدْ يَصِلُ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ مَعَ سَيْرُورَةِ التَّطَوُّرِ… وَهُنَا، قَدْ يَنْتَهِي الشِّعْرُ وَالفَنُّ بِدُخُولِهِمَا إِلَى اللاَّجَدْوَى، أَوِ المَسْخِ، أَوِ المِثْلِيَّةِ الأَدَبِيَّةِ.








