حين تصبح العلاقات مواعيد مؤجلة
كتب / جواد الحسناوي
تخيّل أن تتصل بأخيك فيعتذر لانشغاله وتتصل بصديق عمرك فيخبرك أن جدوله ممتلئ ثم تؤجل زيارة قريبك إلى الأسبوع المقبل، فتنقضي الأسابيع وتصبح الزيارة خبراً مؤجلاً لا موعداً حقيقياً….
هكذا صارت بعض العلاقات تُدار بالمواعيد، كأن المحبة تحتاج إلى خانة فارغة في جدول الأعمال وكأن سنوات العِشرة لا تمنح أصحابها حقّ الجلوس معاً من دون تنسيق مسبق….
اليوم، قد تحتاج إلى أيام حتى تجد نصف ساعة لشخص تعرفه منذ سنوات…. تسمع منه عبارة «لعلنا نلتقي قريباً» ثم يمرّ أسبوع وربما شهر، وتبقى العبارة معلّقة كأنها موعد لم يُحدَّد بعد….
الأمر لا يخص الغرباء وحدهم…. أصدقاء الأمس أصبحوا يتبادلون التهاني عبر الهاتف والأقارب يكتفون برسائل المناسبات وحتى بعض الزيارات العائلية باتت تحتاج إلى تنسيق يشبه ترتيب اجتماع رسمي. لكل شخص عمله وانشغالاته وهذا مفهوم ….لكن أين انتهى الوقت الذي كان الناس يمنحونه لبعضهم من دون حساب؟
حين أتأمل ما يجري، أجد أنني لست بعيداً عن هذا السؤال….كم مرة مرّ اسم صديق في البال، وقلت إن الاتصال به سيكون لاحقاً؟ وكم مرة انتهى اليوم من دون تلك المكالمة؟ يبدو أن الانشغال لم يعد يسرق وقتنا وحده، بل صار يحدد أيضاً من نمنحه بعضاً منه، حتى من دون أن نشعر….
والأشد إيلاماً أن بعض العلاقات لا تنتهي بخلاف ولا تفسدها إساءة ولا يقطعها موقف كبير….إنها تتآكل بالتأجيل. مكالمة لم تحدث، وزيارة أُرجئت، ولقاء بقي وعداً يتكرر حتى فقد معناه…. ثم يأتي يوم نكتشف فيه أن إنساناً كان جزءاً من تفاصيلنا أصبح غريباً نحتاج إلى التفكير طويلاً قبل أن نعرف ماذا نقول له. من الذي قرر أن الفراق يجب أن يكون له صوت حتى ننتبه إليه؟
المفارقة أن الهاتف الذي اختُرع ليقرّب المسافات صار أحياناً وسيلتنا لتأجيل اللقاء.. نعرف أخبار بعضنا من الصور والمنشورات، ونضع الإعجاب على صورة صديق غائب منذ أشهر، ثم نشعر أننا لم ننقطع عنه تماماً…
لكن ماذا لو جاء يوم احتاج فيه أحدنا إلى موعد مسبق حتى يجلس مع أقرب الناس إليه؟ هل سنكون قد نظّمنا علاقاتنا جيداً أم أننا حوّلنا المحبة إلى زيارة مؤجلة في جدول مزدحم؟








