بسمة الجنايني: التغذية السليمة في المراحل العمرية المبكرة
تمثل خط الدفاع الأول لبناء أجيال أكثر صحة
متابعة : محمد غزال
أكدت خبيرة التغذية بسمة الجنايني أن بناء الإنسان يبدأ من بناء عاداته الغذائية الصحيحة منذ السنوات الأولى من العمر، مشيرة إلى أن التغذية السليمة لم تعد مجرد وسيلة لتوفير احتياجات الجسم من الطعام، بل أصبحت أحد أهم أدوات الوقاية الصحية والاستثمار الحقيقي في مستقبل الأفراد والمجتمعات.
وقالت: إن الكثير من المشكلات الصحية التي تظهر في مراحل عمرية متقدمة ترتبط بشكل مباشر بالعادات الغذائية الخاطئة التي يتم اكتسابها خلال الطفولة، موضحة أن السنوات الأولى من عمر الطفل تمثل المرحلة الأهم في تشكيل العلاقة المستقبلية مع الطعام وتحديد السلوك الغذائي الذي قد يستمر معه لعقود طويلة.
وأضافت “الجنايني” أن إدخال الأغذية التكميلية للأطفال يجب أن يتم بصورة تدريجية ومدروسة، بحيث يتم تقديم صنف غذائي جديد في كل مرة لإعطاء الطفل فرصة للتعرف على النكهات المختلفة واستيعابها، مؤكدة أن التسرع في تقديم عدة أصناف في وقت واحد قد يسبب ارتباكًا للطفل ويجعل من الصعب التعرف على أي استجابة سلبية أو حساسية غذائية محتملة.
وأوضحت بسمة الجنايني في تصريح لـها أن أحد أكثر الأخطاء شيوعًا هو إجبار الأطفال على تناول الطعام، مشددة على أن التغذية الناجحة تعتمد على الترغيب والتكرار والصبر وليس على الضغط أو الإكراه، لأن الطفل الذي يتعرض لضغوط مستمرة أثناء تناول الطعام قد يطور سلوكيات غذائية سلبية تؤثر على صحته النفسية والجسدية في المستقبل.
وأشارت إلى أهمية ترك الطفل يتعرف على المذاق الطبيعي للأطعمة دون الإفراط في استخدام الملح أو السكر خلال المراحل المبكرة من العمر، مؤكدة أن تعويد الأطفال على النكهات الطبيعية للخضروات والفواكه والحبوب يساهم في تكوين ذوق غذائي متوازن ويحد من الاعتماد مستقبلاً على الأطعمة المصنعة والمشبعة بالسكريات والمواد المضافة.
وأكدت على أن الشكل البصري للوجبة يلعب دورًا مهمًا في تشجيع الأطفال على تناول الطعام، موضحة أن تنوع الألوان داخل الطبق يعزز شهية الطفل ويزيد من تقبله للأطعمة الصحية، لافتة إلى أن تقديم الغذاء بصورة جذابة ومنظمة يساعد على ترسيخ مفهوم التنوع الغذائي منذ الصغر.
وفيما يتعلق بمفهوم الشبع، أوضحت أن هناك اعتقادًا خاطئًا لدى الكثيرين بأن النشويات وحدها هي المصدر الأساسي للشبع، بينما تؤكد الحقائق العلمية أن البروتينات والدهون الصحية والألياف الغذائية هي العناصر الأكثر تأثيرًا في تعزيز الإحساس بالشبع لفترات أطول.
وأضافت أن البروتين يمثل حجر الأساس في بناء العضلات والأنسجة ودعم النمو السليم للأطفال والمراهقين، بينما تسهم الدهون الصحية في دعم العديد من الوظائف الحيوية داخل الجسم، في حين تعمل الألياف الغذائية على تحسين صحة الجهاز الهضمي وإطالة فترة الشعور بالامتلاء.
وشددت على ضرورة تحقيق التوازن الغذائي داخل الوجبة الواحدة من خلال الجمع بين البروتين والخضروات والفواكه والكربوهيدرات المعقدة، مؤكدة أن الاعتماد المفرط على النشويات وحدها لا يحقق الاحتياجات الغذائية المتكاملة للجسم.
وفي سياق متصل، أكدت على أن المياه تمثل عنصرًا أساسيًا لا يقل أهمية عن الطعام نفسه، موضحة أن الأطفال على وجه الخصوص قد لا ينتبهون إلى احتياجاتهم من السوائل بسبب انشغالهم بالحركة واللعب، وهو ما يتطلب من الأسرة متابعة معدلات شرب المياه بصورة مستمرة وتشجيع الأطفال على الترطيب المنتظم طوال اليوم.
وأضافت أن احتياجات الجسم من المياه تزداد خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة أو عند ممارسة الأنشطة الرياضية المختلفة، الأمر الذي يجعل الحفاظ على الترطيب الجيد أحد العوامل الأساسية للحفاظ على الصحة العامة والكفاءة البدنية.
وفيما يتعلق بالتغذية المدرسية، أكدت على أن الأطفال الذين يقضون ساعات طويلة داخل المدارس يحتاجون إلى وجبات متوازنة توفر لهم الطاقة والتركيز والقدرة على التعلم، مشيرة إلى أهمية الاعتماد على الأغذية الطبيعية ومصادر البروتين الصحية والفواكه الطازجة والحبوب الكاملة، مع تقليل الاعتماد على المنتجات الصناعية والوجبات مرتفعة الدهون والسكريات.
وأوضحت أن إعداد وجبات مدرسية صحية لا يهدف فقط إلى منع الجوع، بل يسهم في تحسين التحصيل الدراسي والقدرات الذهنية والحفاظ على النشاط البدني للأطفال خلال اليوم الدراسي.
كما أكدت على أن الأطفال الذين يمارسون الرياضة يحتاجون إلى اهتمام غذائي خاص يتناسب مع حجم النشاط البدني الذي يقومون به، موضحة أن الجسم يحتاج قبل ممارسة الرياضة إلى مصادر مناسبة للطاقة، بينما يصبح البروتين بعد النشاط البدني عنصرًا أساسيًا لدعم عملية التعافي العضلي وتعويض ما يفقده الجسم من مجهود.
وأضافت أن التغذية المرتبطة بالنشاط الرياضي يجب أن تُبنى على أسس علمية تراعي العمر والوزن والحالة الصحية ومستوى النشاط البدني، بعيدًا عن المبالغات أو اتباع أنظمة غذائية غير مناسبة.
وأشارت إلى أن تحديد الكميات المناسبة من الطعام لا يمكن أن يتم بصورة عشوائية أو موحدة لجميع الأشخاص، لأن الاحتياجات الغذائية تختلف من فرد لآخر وفقًا لعوامل عديدة تشمل العمر والطول والوزن والجنس والحالة الصحية ومستوى النشاط اليومي، مؤكدة أن التغذية الناجحة تقوم على مبدأ التخصيص وليس التعميم.
وأختتمت تصريحها بالتأكيد على أن نشر الوعي الغذائي داخل الأسرة يمثل استثمارًا استراتيجيًا طويل المدى في صحة المجتمع، موضحة أن الوقاية من الأمراض المزمنة تبدأ من المائدة اليومية ومن العادات الغذائية التي تُغرس في نفوس الأطفال منذ سنواتهم الأولى، وأن بناء أجيال أكثر صحة وقدرة على التعلم والعمل والإنتاج يتطلب ترسيخ ثقافة غذائية سليمة تقوم على التوازن والاعتدال والاختيارات الصحية المدروسة.





