مقالات
أخر الأخبار

الوشم…. من زينة الجسد إلى اللعن الحكاية التي بدأت قبل الإسلام . بقلم: رقيه فريد

الوشم…. من زينة الجسد إلى اللعن الحكاية التي بدأت قبل الإسلام

بقلم: رقيه فريد

من زينة الجسد إلى سؤالٍ عن معنى تغيير الخِلقة

منذ أن عرف الإنسان جسده، لم يتعامل معه باعتباره مجرد جلدٍ وعظام، بل جعله مساحةً يكتب عليها شيئًا من هويته، وانتمائه، ومخاوفه، وذكرياته، وأحيانًا معتقداته.

ومن بين أقدم العلامات التي تركها الإنسان على جسده يأتي الوشم؛ تلك العلامة التي قد تبدو اليوم مجرد رسمٍ جميل، لكنها تحمل وراءها تاريخًا طويلًا من العادات والمعتقدات والأسئلة الدينية والإنسانية.

فما الوشم؟ ولماذا فعله الإنسان؟ ولماذا جاء النهي عنه في الإسلام إلى درجة اللعن للواشمة والمستوشمة؟

ما هو الوشم؟

الوشم في صورته المعروفة هو إدخال مادة ملونة إلى داخل الجلد عن طريق وخزه بأداة حادة، بحيث تستقر الصبغة داخل طبقات الجلد ويظل أثرها دائمًا أو لفترة طويلة.

وهنا يكمن الفرق بين الوشم الدائم وبين الرسم المؤقت كالحناء؛ فالحناء توضع على سطح الجلد وتزول مع الوقت، أما الوشم الدائم فيدخل إلى الجلد نفسه.

ولذلك فالوشم ليس مجرد رسم بالقلم على الجسد، وإنما تغيير دائم في مظهر الجلد من خلال إدخال الصبغة إليه.

هل كان الوشم موجودًا في زمن النبي ﷺ؟

نعم.

فالوشم لم يكن ظاهرة حديثة ظهرت مع العصر الحديث أو وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما كان معروفًا قبل الإسلام وفي زمن النبي ﷺ.

والدليل أن الحديث النبوي جاء بلفظ واضح:

«لَعَنَ اللهُ الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ…»

رواه البخاري ومسلم.

أي أن هناك امرأة تقوم بعملية الوشم لغيرها، وأخرى تطلب أن يُفعل بها الوشم.

وهذا يكشف لنا أن الوشم كان ممارسة معروفة في المجتمع آنذاك.

لماذا كان الإنسان يوشم جسده؟

لم يكن للوشم سبب واحد في كل المجتمعات.

ففي بعض الثقافات كان الوشم وسيلة للزينة، وخاصة عند النساء، بينما استخدمته جماعات أخرى للتعبير عن الانتماء إلى قبيلة أو جماعة معينة.

وفي بعض المجتمعات كان يحمل معنى مرتبطًا بالشجاعة أو المكانة الاجتماعية أو مراحل معينة من حياة الإنسان.

وهناك ثقافات قديمة ربطت بعض العلامات الجسدية بمعتقدات شعبية؛ فكان بعض الناس يعتقدون أن رمزًا معينًا يمكن أن يمنح الحماية أو يجلب الحظ أو يدفع الشر.

وهنا يجب أن نكون دقيقين: ليس صحيحًا أن كل وشم في التاريخ كان هدفه الحماية أو أن كل الشعوب كانت تعتقد ذلك. هذه كانت معتقدات موجودة لدى بعض الثقافات، بينما كان الوشم عند آخرين مجرد زينة أو علامة هوية.

 

من الزينة إلى الهوية

ومع مرور الزمن، تغيرت وظيفة الوشم.

فقد أصبح عند بعض الناس وسيلة للتعبير عن الشخصية، أو تخليد ذكرى إنسان عزيز، أو الاحتفاظ بتاريخ أو اسم أو رمز له معنى خاص.

وفي العصر الحديث أصبح الوشم عند كثيرين نوعًا من الفن الجسدي؛ يختار الإنسان رسمة أو كلمة أو رمزًا يرى أنها تعبر عنه.

الوشم في الماضي

وهنا يظهر سؤال أعمق:

هل كل ما يستطيع الإنسان أن يفعله بجسده يصبح بالضرورة مباحًا لمجرد أنه اختاره بإرادته؟

الإسلام لا ينظر إلى الجسد باعتباره ملكيةً مطلقة يفعل الإنسان بها ما يشاء، وإنما يعتبر الجسد أمانة.

ومن هنا نفهم جانبًا من المسألة.

لماذا جاء النهي عن الوشم؟

ورد النهي عن الوشم في أحاديث صحيحة، وجاء فيها:

«لَعَنَ اللهُ الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ…»

واللعن في النص الشرعي وعيد شديد، ولذلك لم يتعامل العلماء مع الوشم الدائم على أنه مجرد اختلاف في الذوق، وإنما عدوه من الأمور المحرمة.

ومن أبرز الحكم التي ذكرها العلماء في ذلك التغيير الدائم في خلق الله لمجرد الزينة، إضافة إلى ما يصاحب الوشم من إيذاء للبدن.

وقد قال الله تعالى في سياق حديث القرآن عن إغواء الشيطان:

﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾

لكن ينبغي أن ننتبه إلى أمر مهم: لا يصح أن نقول إن كل تغيير في جسم الإنسان حرام؛ فالعلاج والجراحة وإزالة العيوب والتشوهات لها أحكام أخرى، وقد تكون جائزة أو مطلوبة.

إذن المسألة ليست مجرد عبارة: «أي تغيير للجسد حرام»، وإنما نوع التغيير، وسببه، وطبيعته، وحكم الشرع فيه.

لماذا لعن الله الواشمة والمستوشمة؟

قد يتساءل البعض:

إذا كانت المرأة هي التي تطلب الوشم، فلماذا يشمل الوعيد من تقوم به أيضًا؟

والجواب أن الحديث ذكر الطرفين:

الواشمة: التي تقوم بعمل الوشم.

المستوشمة: التي تطلب أن يُفعل بها الوشم.

فالأولى تقوم بالفعل، والثانية تطلبه وتتعمد إحداثه في جسدها.

ومن هنا جاء الوعيد لكليهما.

وهذا يلفت النظر إلى معنى مهم في الشريعة: المسؤولية لا تقع دائمًا على يد من ينفذ الفعل فقط، وإنما قد تشمل من يتعمد طلب الفعل المحرم أيضًا.

وماذا عن الناحية الصحية؟

لو نظرنا إلى الوشم بعيدًا عن الجانب الديني، سنجد أن له أيضًا جوانب صحية تستحق الانتباه.

فالوشم يتضمن اختراق الجلد وإدخال صبغات إلى داخله، ولذلك يمكن أن تحدث التهابات أو حساسية أو مضاعفات أخرى، خاصة إذا لم تكن الأدوات معقمة أو كانت إجراءات العمل غير آمنة.

لكن من الخطأ أن نقول إن هذه المخاطر الصحية هي وحدها سبب التحريم؛ فالتحريم الشرعي ثابت بالنص، بينما يمكن أن تكون الأضرار الصحية إحدى الحِكَم التي نفهمها من وراء بعض التشريعات.

وهل كل رسم على الجلد حرام؟

لا.

وهذه نقطة يقع فيها كثير من الالتباس.

فالوشم الدائم الذي تُدخل فيه الصبغة إلى الجلد يختلف عن الرسم المؤقت الذي يوضع على سطح الجلد ثم يزول.

لذلك لا يصح أن نقول إن الحناء هي الوشم نفسه.

فالمرأة التي تضع الحناء على يدها ثم تزول بعد أيام لا تكون قد فعلت الوشم المقصود في الحديث.

وماذا عن شخص لديه وشم بالفعل؟

هنا تظهر رحمة الإسلام.

إذا كان شخص قد فعل الوشم ثم عرف الحكم أو تاب، فلا ينبغي أن يتحول الأمر إلى باب من أبواب اليأس والقنوط.

التوبة تمحو الذنب بإذن الله.

أما إزالة الوشم، فليست مسألة واحدة في كل الحالات؛ فإذا كانت الإزالة سهلة وآمنة فهناك تفصيل عند أهل العلم، أما إذا كانت ستسبب ضررًا شديدًا أو تشوهًا أو أذى بالغًا، فالمسألة تحتاج إلى سؤال عالم موثوق يعرف تفاصيل الحالة.

والأهم ألا يتحول الإنسان إلى أسير للماضي.

الوشم بين الماضي والحاضر

المثير في قصة الوشم أنه بدأ عند الإنسان كعلامة على الجسد، لكنه مع مرور القرون أصبح لغةً كاملة.

مرةً كان رمزًا للقبيلة.

ومرةً كان زينة.

ومرةً علامةً على معتقد أو مكانة.

واليوم قد يكون اسم شخص نحبه، أو تاريخًا لا نريد نسيانه، أو صورةً نرى أنها تمثلنا.

الوشم

لكن يبقى السؤال:

هل كل شيء نحبه ينبغي أن نترك أثره إلى الأبد على أجسادنا؟

هنا لا تعود القضية مجرد رسمة وحبر.

بل تصبح سؤالًا عن علاقة الإنسان بجسده، وعن الحدود بين الحرية والزينة، وبين الرغبة في التعبير عن الذات وبين ما أمر الله به ونهى عنه.

وربما لهذا كان الوشم أكثر من مجرد علامة على الجلد…

فبعض العلامات لا تُكتب على الجسد فقط، بل تكشف شيئًا عن الإنسان الذي اختار أن يحملها.

زر الذهاب إلى الأعلى