كهف لا يراه أحد
بقلم الكاتبة: رقيه فريد
حين يصبح الكهف ملاذًا
(فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ
رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم
مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا)
في زمنٍ أصبح فيه الضجيج
يصل إلى الإنسان قبل
أن يصل إليه الصباح
وأصبحت الأخبار والرسائل والمقارنات والقلق قادرة
على اقتحام أكثر الأماكن
خصوصية في داخله
تبدو هذه الآية كأنها تفتح
لنا بابًا لفهم مختلف للنجاة.

(فأووا إلى الكهف)
هذه ليست دعوة إلى الهروب
من الحياة، ولا إلى الانعزال
عن الناس، وإنما إلى
أن يعرف الإنسان متى
يحتاج إلى أن يبتعد قليلًا
حتى لا يفقد نفسه
وسط كل ما يحيط به.
فقد يكون الإنسان بين
الناس، لكنه في
حاجة إلى كهف.
-ربما كهف من الصمت
حين يكثر الكلام
وهدوء حين تتزاحم الأصوات وابتعاد عن علاقة
تستنزفه وإغلاق باب
أمام ما يؤذيه،
ووقت قصير يستعيد
فيه قدرته على رؤية
الأشياء بعيدًا عن الانفعال.
والأجمل أن الآية لا تتوقف
عند الكهف فقط
بل ما بعد.
(يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ)
تأتي الرحمة بعد اللجوء
وكأن في هذا الترتيب
رسالة عميقة
:”أنت لست مطالبًا بأن
تعرف كل ما سيحدث بعد
خطوتك الأولى. يكفي
أن تعرف إلى أين تلجأ
حين تضيق بك السبل”
تأمل كلمة “” ينشر””
النشر فيه معنى البسط
والامتداد، وكأن الرحمة
التي كانت غائبة عن عين
الإنسان يمكن أن يفت
الله لها أبوابًا لم يكن
يراها من قبل.
_ لا تتغير الظروف
في اللحظة نفسها
لكن قد يتغير قلب
الإنسان تجاهها.
-وقد لا يُرفع البلاء فورًا
لكن تُمنح القدرة
على احتماله.
-وربما لا يُفتح الباب الذي
ظل الإنسان يطرقه طويلًا
لكن يُهيأ له باب آخر
لم يكن يعرف أنه موجود.
ثم تأتي العبارة التي
تحمل طمأنينة أكثر خاصة:
(وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا)
ليس كل شيء يحتاج منا
إلى أن نعرف كيف
سيحدث أو متى
هناك أمور يكفي فيها
أن نأخذ بالأسباب
ثم نترك مساحة
لتدبير الله لنا.
فأصحاب الكهف لم يجلسوا ينتظرون أن يتغير واقعهم
دون فعل اتخذوا خطوة
ولجأوا إلى الكهف
ثم جاء وعد الرحمة والتهيئة
وتكمن إحدى الرسائل
التي يحتاجها إنسان
هذا العصر بشدة في:
**خذ بالأسباب، لكن لا
تحمل نفسك مسؤولية
ما يتجاوز قدرتك**
نحن نتعب أحيانًا ليس لأن المشكلة أكبر من قدرتنا فقط وإنما لأننا نحاول أن
نعرف نهايتها قبل
أن نعيش بدايتها.
نريد أن نعرف كيف سينتهي الطريق، ومن سيبقى ومن سيرحل، ومتى يأتي الفرج ومن أين سيأتي الرزق
وكيف ستتغير الظروف.
لكن بعض الأبواب لا تُفتح
لنا إلا ونحن نسير.
وبعض التدبير لا نراه
إلا بعد أن يحدث.
ولهذا قد يكون «الكهف»
في حياتنا اليوم قرارًا بسيطً
:*أن نصمت قليلًا أن نبتعد
عن الضجيج، أن نراجع
أنفسنا، أن نكف عن
مطاردة ما يؤذينا، وأن
نعود إلى الله بقلب أكثر هدوءًا
**فالابتعاد أحيانًا ليس هزيمة**
*والصمت ليس ضعفًا.
*وترك بعض المعارك
ليس جبنًا.
*وقد تكون أقوى خطوة
يستطيع الإنسان اتخاذها
في بعض المواقف أن يقول:
لن أستنزف نفسي أكثر
سألوذ بالله وآخذ بما أستطيع
من أسباب، وأترك له
ما لا أستطيع.
إن «الكهف» الذي نحتاجه
في هذا الزمن ليس بالضرورة مكانًا نختبئ فيه
وإنما مساحة نحتمي فيها
من الأشياء التي تسرق سلامنا.
-قد يكون لحظة بين
الإنسان ونفسه
– سجدة
لا يراه فيها أحد.
– صفحة من القرآن
– دعاءً طويلًا
في ليل هادئ.
-وقد يكون قرارًا بالابتعاد
عن كل ما يجعل القلب
أكثر اضطرابًا.
وحين نفعل ذلك،لا ينبغي
أن ننتظر أن تأتي الرحمة
بالضرورة في الصورة التي
رسمناها لها.
_فربما كانت الرحمة في
أمر ظنناه تأخيرًا
-ربما كانت في باب أُغلق
رغم أننا بكينا أمامه طويلًا.
أو كانت في شخص ابتعد
أو علاقة انتهت، أو طريق
لم يكتمل.
-أو أن تكون الرحمة في
أن يمنحنا الله قلبًا جديدًا
قادرًا على تقبل ما لم
نستطع تغييره.
(يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ
وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا)
كأن الآية تقول للإنسان
المتعب:
“لا يلزم أن تعرف كل الطريق.
ولا يلزم أن تحمل الغد فوق كتفيك.
افعل ما تستطيع اليوم
واحفظ قلبك من الضجيج
والجأ إلى الله حين تضيق
بك الحياة، ثم اترك
للتدبير الإلهي مساحته”.
-فقد لا يأتي المخرج
من الجهة التي كنت
تنظر إليها.
-و الفرج ربما لا يكون في
تغيير العالم من حولك
وإنما في أن يهيئ الله
لك داخل هذا العالم رحمةً تسندك، وقوةً تحملك
وطريقًا لم تكن تراه
-وكان أجمل ما
نتعلمه من أصحاب الكهف
أن الإنسان لا يحتاج
دائمًا إلى أن ينتصر في
معركته مع العالم أحيانًا
يحتاج فقط إلى أن
يحفظ ما في داخله حتى
يأتي الوقت الذي
يهيئ الله فيه أمره.
“*فإذا ضاقت بك الحياة
يومًا، فلا تسأل فقط
: متى ينتهي الضيق؟
اسأل أيضًا:
أين كهفي؟
ثم الجأ
واترك لله أن ينشر رحمته
ويهيئ لك من أمرك مِرفقًا.








