أخبار عربية

نبيل أبوالياسين : اعترافات “ممداني” تدين واشنطن.. وولاء أفريقيا يتحول للصين

نبيل أبوالياسين : اعترافات "ممداني" تدين واشنطن.. وولاء أفريقيا يتحول للصين

نبيل أبوالياسين : اعترافات “ممداني” تدين واشنطن.. وولاء أفريقيا يتحول للصين

 

 

 

في قاعة المكتب البيضاوي حيث تُنسج خيوط السياسة العالمية، يصمت التاريخ لحظة ثمينة يشهد فيها على تحول نادر.. عمدة نيويورك المنتخب، زهران ممداني، يقف أمام الرئيس ترامب ليس كحليف تقليدي، بل كشاهد إدانة يرفع صوته ضد ما وصفه بـ”الإبادة الجماعية” في غزة. فلماذا لا يتم إدراج واشنطن كمتهم رئيسي في قضية الإبادة الجماعية رغم اعترافات مسؤولين أمريكيين كبار بأن بلادهم مولة أبشع جريمة في التاريخ، ورغم تأكيد محكمة العدل الدولية على وجود أدلة كافية لمحاكمة إسرائيل؟ هل الولايات المتحدة فوق القانون الدولي؟ وإذا كان الأمر كذلك، أليس هذا اعترافاً بأننا نعيش في عصر المافيا الدولية التي تدير العالم بقانون الغاب؟ في هذه اللحظة، لم يعد الصمت خياراً، والولاءات التقليدية لم تعد مقدسة. بينما تترنح سمعة أمريكا بأخلاقياتها في الساحة الدولية، تفتح الصين ذراعيها لاستقبال دول أفريقيا التي أنهكها انتظار شركاء يحترمون كرامتها ويؤمنون بمستقبلها.

 

 

إدانة تاريخية في عرين السياسة

 

جدد زهران ممداني، عمدة نيويورك المنتخب، اتهامه لإسرائيل بارتكاب “إبادة جماعية” في قطاع غزة، وذلك خلال لقاء جمعه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض. في خطوة جريئة قلبت موازين الدبلوماسية التقليدية، أشار ممداني إلى أن “أموال دافعي الضرائب الأمريكيين تستخدم لتمويل هذه الجرائم” الإسرائيلية. وأكد خلال المؤتمر الصحفي المشترك أن “الإبادة الجماعية التي ترتكبها الحكومة الإسرائيلية في غزة لا يمكن السكوت عنها”، مشدداً على أن “الولايات المتحدة شريك في هذه الجرائم طالما تستمر في تمويلها عسكرياً ومالياً”. هذه التصريحات لم تأتِ من ناشط عادي، بل من مسؤول منتخب سيصبح قريباً على رأس إدارة أكبر المدن الأمريكية، مما يمنح كلماته ثقلاً استثنائياً ويجعلها شهادة تاريخية في قلب مؤسسة الحكم الأمريكية.

 

 

تحول في الرأي العام الأمريكي

 

وأشير في مقالي إلى أنه يرى مراقبون أن موقف ممداني يعكس تحولاً متزايداً في الرأي العام الأمريكي، خصوصاً بين جيل الشباب واليهود التقدميين، الذين بدأوا يعيدون النظر في الدعم غير المشروط لإسرائيل على خلفية تصاعد المعاناة الإنسانية في غزة. وقد برز اسم ممداني في الساحة السياسية بفضل دعمه الصريح للشعب الفلسطيني وقيادته لمسيرات مناهضة للحرب في غزة، خصوصاً خلال احتجاجات جامعة كولومبيا في ربيع 2025. هذا التحول لم يعد هامشياً، بل أصبح تياراً جارفاً يهدد الاستراتيجية الأمريكية التقليدية في الشرق الأوسط، ويشكل ضغطاً متزايداً على صناع القرار في واشنطن لإعادة حساباتهم.

 

 

الانعكاسات الدبلوماسية: بين التصريح والواقع

 

وألفت هنا إلى أنه رغم الخلافات العميقة بين الرجلين، إذ وصف ترامب سابقاً ممداني بـ”المجنون اليساري المتطرف” و”كاره اليهود”، إلا أن اللقاء بدا ودياً، وركز الطرفان على قضايا محلية مثل غلاء المعيشة والأمن في نيويورك. وفي رد على سؤال حول موقفه من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لم ينف ممداني تصريحاته السابقة التي تعهد فيها باعتقال نتنياهو فور دخوله أراضي نيويورك، لكن ترامب قال صراحة: لم نناقش وعده باعتقال نتنياهو، في إشارة إلى الحساسية السياسية للموضوع. هذه التناقضات تكشف التعقيد الشديد في الموقف الأمريكي، حيث تتصادم المبادئ مع المصالح، والخطاب الأخلاقي مع الحسابات السياسية.

 

 

أفريقيا.. ساحة جديدة للصراع

 

جدول: تحولات الولاء الإفريقي بين القوتين العظميين، المجال الولايات المتحدة الصين

النهج السياسي شروط سياسية واقتصادية شراكات غير مشروطة

الاستثمارات تراجع بعد انتهاء “نمو أفريقيا” 2025 استثمارات ضخمة في البنية التحتية بـ35 دولة

التعاون الأمني انسحاب تدريجي من الساحل قاعدة بحرية في جيبوتي ودعم للأمن

العلاقات العامة قيود تأشيرة و”حظر سفر” منح دراسية وتبادل ثقافي.

 

وتكشف تهديدات ترامب عن صراع متفاقم بين واشنطن وبكين على ولاء أكبر دولة من حيث عدد السكان في أفريقيا. فبعد أن هدد الرئيس الأمريكي بعمل عسكري ضد نيجيريا بسبب الاضطهاد المزعوم للمسيحيين من قبل المتمردين الإسلاميين، تدخلت الصين لمعارضة تصرفات ترامب. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ: بصفتها الشريك الاستراتيجي الشامل لنيجيريا، تعارض الصين بشدة أي بلد يستخدم الدين وحقوق الإنسان كذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى، وتهدد البلدان الأخرى بالعقوبات والقوة. هذا الموقف يعكس استراتيجية صينية واضحة لملء الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة، مستفيدة من سياسات ترامب التي تدفع الحلفاء التقليديين إلى أحضان بكين.

 

 

الاحتضان الصيني.. منافسة بلا شروط

 

تُظهر العلاقة بين الصين وأفريقيا “احتضاناً” اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً يتجلى في استثمارات الصين الضخمة في البنية التحتية، وتمويلها لمشاريع التنمية في حوالي 35 دولة أفريقية، وإنشاء قاعدتها البحرية في جيبوتي، ودورها المتنامي في المبادرات الإنمائية ودعم الاستقرار الإقليمي. هذا “الاحتضان” مبني على مصالح متبادلة في البنية التحتية والتجارة والطاقة، مع خطط توسع محتملة في مواقع استراتيجية أخرى. وتعتبر الصين مستثمراً رئيسياً في مشاريع البنية التحتية الأفريقية التي تشمل الطرق والسكك الحديدية والموانئ ومحطات الطاقة، مع تركيز على دعم الاتصال الإقليمي وتعزيز التجارة، كما في مشروع سكة حديد أديس أبابا-جيبوتي.

 

وفقاً للتحليلات، فإن الصين تتمتع بدعم واسع من الشعوب الأفريقية، حيث أظهرت استطلاعات “أفروباروميتر” أن حوالي ثلثي الأفارقة المجيبون الذين شملهم الاستطلاع يرون أن تأثير الصين في بلدانهم “إيجابي إلى حد ما” أو “إيجابي جداً”، متفوقة بذلك على الولايات المتحدة. هذه النتائج تعكس نجاح الاستراتيجية الصينية في تقديم نفسها كشريك يحترم سيادة الدول الأفريقية ولا يفرض شروطاً سياسية على التعاون، على عكس النهج الغربي التقليدي.

 

 

عواقب التراجع الأمريكي

 

أدت سياسات ترامب إلى عواقب وخيمة على العلاقات الأمريكية-الأفريقية، حيث أثرت سلباً على الرأي العام الأفريقي وشكلت مشاعر معادية للولايات المتحدة. خلال ولاية ترامب الأولى، ظلت العديد من مناصب السفراء في أفريقيا شاغرة، مغادرة واشنطن بشكل فعال دون كبار دعاة العلاقات العامة في المنطقة. كما أن “حظر السفر” الذي فرضه ترامب منع مواطنين من عدة دول أفريقية من السفر إلى الولايات المتحدة. وقد ساء الوضع خلال ولايته الثانية مع إصدار “حظر سفر 2.0” في يونيو 2025، الذي استهدف بشكل غير متناسب الدول الأفريقية. وفي أغسطس 2025، أعلنت الإدارة عن تأشيرة سندات تصل إلى 15000 دولار مفروضة على مواطنين من عدة دول أفريقية يسعون لزيارة الولايات المتحدة للسياحة أو الأعمال .

 

 

عالم جديد يولد من رحم الأزمات

 

واختم مقالي وأقولها كلمة : إنه وفي اللحظة التي يشهد فيها البيت الأبيض اعترافات ممداني المدوية، تتراجع هالة القيادة الأخلاقية لأمريكا إلى غير رجعة. لم تعد أفريقيا ذلك التابع الصامت، ولم تعد الصين ذلك المنافس الخجول.. لقد انكسر احتكار الغرب للضمير العالمي، وها هو عالم جديد يولد من رحم المعاناة. بينما تستمر الدبابات في دك غزة بالدولار الأمريكي، تبنى الصين مدارس ومستشفيات في أفريقيا باليوان الصيني. إنها معركة روائية وسردية لم تعد الولايات المتحدة قادرة على الفوز بها. إن صرخة ممداني في البيت الأبيض ليست مجرد احتجاج، بل هي ناقوس يدق لحظة انهيار النظام العالمي القديم، وبزوغ فجر تحالفات جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على الإملاءات والوصاية. المستقبل يكتب الآن في عواصم أفريقيا وآسيا، والشعوب التي طالما ظلمها التاريخ تنتقم اليوم بصمت، بتحويل ولائها من سادة الأمس إلى شركاء الغد.

زر الذهاب إلى الأعلى