“ما حك جلدك مثل ظفرك” بقلم:سالم البادي(أبومعن)
"ما حك جلدك مثل ظفرك" بقلم:سالم البادي(أبومعن)

“ما حك جلدك مثل ظفرك”
بقلم:سالم البادي(أبومعن)
تأتي الحروب دائماً لتكشف المستور، وتضع الشعوب والمجتمعات أمام مرآة الحقيقة.
والمثل العربي القائل “ما حك جلدك مثل ظفرك” لم يكن يوماً أكثر دقة مما هو عليه اليوم؛ فلا أحد سيهتم بوجعك كما تفعل أنت، ولا أحد سيبني مستقبلك ما لم تمسك أنت بالمعول.
تداعيات الحرب وفشل “الحمايات الدولية”
كشفت الحرب الحالية أن الاعتماد على اتفاقيات الحماية الدولية والضمانات الخارجية هو رهان على سراب.
لقد أثبتت التجربة أن هذه الاتفاقيات غالباً ما تخضع للمصالح السياسية المتقلبة والمتغيرة حسب المصالح، وتتبخر عند أول اختبار حقيقي للسيادة.
إن الدرس الأبرز هو أن أمننا يجب أن ينبع من الداخل، وبأيدي شعوبنا، بعيداً عن انتظار “المنقذ” الذي قد لا يأتي في اكثر الحالات وإذا آتى بعد فوات الأوان .
لتحقيق مفهوم الاعتماد على الذات، يجب التركيز على مسارين متوازيين:
تعزيز الدفاع الوطني السيادي:
إن بناء منظومة دفاعية وطنية متكاملة وتوطين الصناعات العسكرية لم يعد خياراً، بل ضرورة قصوى للدول.
يجب أن تمتلك الشعوب قدراتها الردعية الخاصة، من خلال الاستثمار الحقيقي في طاقاتها البشريه الوطنيه ومخرجاتها التعليميه في التصنيع الحربي المحلي والتقنيات الدفاعية المتقدمة لضمان التفوق وحماية الأجواء والحدود دون ارتهان للخارج.
تحصين الجبهة الداخليه:
“الظفر” القوي يبدأ من جسد سليم؛ فالامن الداخلي الوطني هو حجر الزاوية ، حيث يتطلب ذلك تعزيز الجبهة الداخلية، ورفع مستوى الوعي الشعبي، وتحصين المجتمع ضد الاختراقات الفكرية أو الأمنية التي قد تفرزها الازمات والحروب، لضمان استقرار الدولة من الداخل كقاعدة انطلاق لأي مواجهة خارجية.
بناءً على التطورات الحالية، تفرض الحرب ضرورة تبني استراتيجيات تركز على “الدفاع الوطني” والاعتماد الكلي على الذات.
خلال هذه المرحلة الحرجة، تبرز حاجة الدول لاتخاذ إجراءات عملية وسريعة مثل:
أولا : تفعيل “الأمن الحقيقي” : الانتقال من التنسيق الورقي إلى تكامل المنظومة الدفاعيه الميدانيه الشامله بين جمبع القطاعات الامنية والعسكرية مع سرعة الاستجابة واليقظة في كل الحالات الطارئه.
ثانيا : سلاح الاكتفاء الغذائي والمائي:
تفعيل بناء مخزونات استراتيجية طويلة الأمد من الغذاء والدواء، والاهتمام في الثروة المائيه من حيث ايجاد حلولا ابتكاريه للتقليل من استعمال الدائم لمحطات التحليه ، والاستثمار الضخم في الزراعة الحديثة (مثل الزراعة العمودية والمائية) لتقليل الهشاشة الناتجة عن اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
ثالثا: تنويع وتمكين الممرات والمنافذ:
العمل على تأمين بدائل لمنافذ التصدير الحالية، وضمان استمرارية تدفق الطاقة والسلع عبر مسارات متعددة وآمنة لتفادي أي حصار أو استهداف للممرات الملاحية.
رابعا : الأمن السيبراني والتقني: الاستثمار المكثف في حماية البنية التحتية الحيوية (المطارات، محطات الطاقة، المنشآت النفطية، المنظومة الامنيه …الخ) من الهجمات الإلكترونية التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حروب العصر الحديث.
خامسا :تحالفات إقليمية ندّية:
استبدال “الحماية” بـ “التعاون” مع قوى إقليمية وازنة، بحيث تُبنى التحالفات على أساس المصالح المشتركة والندية، وليس التبعية.
إن الحرب، برغم آلامها، هي نداء للاستيقاظ من اتكالية دامت طويلاً.
“ما حك جلدك مثل ظفرك” ليست دعوة للانعزال، بل دعوة للقوة والاستقلال الذاتي والسيادة.
فالعالم لا يحترم إلا من يحمي نفسه بنفسه، ومن ينتظر من الآخرين مداواة جراحه، سيطول انتظاره والنزيف سيستمر .




